مشاهدة النسخة كاملة : حوش بنات ود العمدة - رواية - سناء جعفر


جاكس
06-10-2012, 01:00 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
سناء جعفر

" حوش بنات ود العمدة " رواية عن الحب والكراهية ..الخوف والفشل والعنصرية .. وبعض المسكوت عنه ..


الفصل الاول

إنطلقت الزغرودة عالية مجلجلة بجرس موسيقي صاف وشقت عنان سماء إختلطت فيها ألوان السحب ما بين الأبيض الناصع والـرمادي المتدرج وطغى عليها لون إحتضار الشمس بزفيـرها النـاري وهي تغيب ببطء خلف الأفق المتأهب لغزو الظلام ... تتالت الزغاريد التي كانت تبدأ بعنفوان متحمس منساب ثم تنخفض برنات متفاوتة في الطول والنعومة ...
وضجت سماء (حي أبوروف ) بالأصوات التي إعتادتها طيلة الشهرين الماضيين ..
في الفضاء إرتفعت أعمدة دخان باهت ترافقها رائحة " الشاف " المحترق وأبخرة الشحم المخلوط بالقرنفل وأعواد الصندل ... قطع مزيج الروائح النفاذة الشارع الأسفلتي الضيق الذي يفصل منزل حامد الأمين عن النيل وتوغل حتى وصل إلى القوارب الصغيرة التي كانت تتهادى في رحلة عودتها من صيد موفق ... تبادل المراكبيه إبتسامات متواطئة عندما سمعوا رنات الفرح الصادحة المصحوبة بمزيج الروائح المغرية وهي تستفز خياشيمهم التي أدمنت رائحة البحر والسمك ... ظهرت علامات الإنتشاء في الوجوه الكالحة ... وصرخ أحدهم منادياً الآخر ...

- بختك يا ورّاق ... ماشي حوش ود العمدة محل الريحة السمحة والوشوش السمحة...
إرتفعت الضحكـات وتبادل الجميع الهمهمات المازحة وهم ينظرون إلى مركب ورّاق الصغير بحسد ... ونادى صوت آخر ...

- والله سمح العرس عند بنات ود العمدة ... إلا هي الحفلة متين ؟؟؟

رد ورّاق بفتور وهو يوجه قاربه الصغير نحو الشاطئ .. وإرتج جسده النحيل قليلا عندما اصطدمت المقدمة بالضفة الرملية :

- العرس الأسبوع الجاي
حمل كيس الخيش الممتلئ بالأسماك .. وبخطوات خفيفة حافية قطع الشارع الضيق ووقف قليلاً يتأمل المنزل المهيب بأبوابه الكبيرة ومساحته الشاسعة التي تمتد حتى نهاية الشارع ... كانت ألوان الغروب الدافئة تنعكس على الجدران الحجرية العالية وتضفي عليها ظلالاً ناعمة بددت جمودها حتى خيل لورّاق كأنها تتحرك ... هز رأسه كي ينفض عنه أوهامه ثم دخل بإلفة من الباب الحديدي العملاق واتجه مباشرة إلى خلف المباني وهو يتبع خليط الروائح المغرية ... عندما وصل إلى الزاوية التي يبدأ بعدها الحوش الفسيح ... راودته نفسه أن يتجاهل أسلوبه المعتاد في إعلان حضوره وإدعاء الغفلة حتى يرى ما تتوق نفسه إلى رؤياه ... همّ بالتحرك ثم توقفت خطواته بغتة عندما تناهى إلى سمعه صوت حجة " السرة " الجهوري وهي تأمر وتنهي كعادتها ...

- يا بت يا بلقيس زيدي النار دي سريع ... الحفرة بقت باردة والحطب قرب يموت...

تسمّر خوفاً .. ورفع صوته بأعلى ما يستطيع :

- حجة السرة ... يا ناس هوي .. جبت ليكم السمك .. تعالوا شيلوهو مني .

تمتم بالحمد على عدم مطاوعة نفسه الأمارة بالسوء عندما أتاه صوت السرة محذراً ...

- وراق ؟؟ اقيف قبلك أوعاك تدخل ... اجري يا بت يا فاطنة شيلي منو السمك ووديهو لحبوبتك بهناك تنضفو ..وكلمي جدك حامد يديهو القروش ... أتحركي يا بت وبطلي المحركة بتاعت أمك دي ...


تراجع وراق بجسده إلى الخلف ومد رأسه مختلساً النظر داخل الحوش العريض ... كانت فاطمة تتقدم نحوه بخطواتها الراقصة وجسدها الرشيق ... تفوح منها ذات الروائح المستفزة ... بدا جلدها المتراوح بين لون البن المحمص ونعومة ثمرة الطماطم الناضجة ولمعة الدهن السائح يقترب منه ويثير فيه أحاسيس لا يستطيع احتمالها ... ابتلع ريقه بصعوبة عندما وقفت أمامه كإحدى تماثيل الأبنوس المصقولة التي يراها في سوق امدرمان .. خاطبته باستعلاء ..

- أٌف منك ومن ريحتك يا وراق... انت القال ليك منو احنا عاوزين سمك الليلة ؟؟ شايفنا فاضيين ليهو ولزفارتو ؟؟ .. يلا هاته وطير عند ابوي حامد شيل قروشك ... وتاني حسك عينك تجيب سمك لغاية ما العرس ينتهي ...

انتزعت كيس الخيش من يده بعنف واتجهت الى آخر الحوش ... ظل يراقب خطواتها حتى اختفت عن ناظريه خلف سور كثيف من الاشجار المتلاصقة التي كونت ما يشبه دغل صغير بدا واضحاً لمن يراه انه وضع بفعل فاعل كي يفصل ويغطي ما خلفه اكثر من كونه زينة .. وقبل ان يستدير عائداً إختلس نظرة اخرى إلى طرف الحوش الآخر المسكون بمنبع الروائح ...
إرتعشت مفاصله وتسارعت دقات قلبه عندما لمح شبح فتاة رائعة الجمال وقفت بتململ وصبر نافذ ... بدت حبات عرق لامعة تغطي وجهها وتسيل في خطوط متنافسة حتى عنقها ... كانت خصلات شعرها الناعم المتمردة مبعثرة وملتصقة بجبينها الضيق وتدلى بعضها متلوياً على خدودها اللامعة ... حركاتها القلقة جعلت " الشملة " تنحسر عن كتف ذهبي مستدير .. بينما خرجت من أسفلها ساق تشبعت بالدخان حتى صار لونها مائلاً للسواد ...
كانت " بلقيس " كبرى بنات حجة السرة منحنية وهي تلتقط جمرات من "الكانون " أمامها وتضعها بحرص داخل الحفرة العميقة حسب توجيهات امها ...

- رصي الحطب كويس يا بلقيس ... زيدي الجمر دة ووزعيهو عشان يقبض سريع ... وانتي يا بت يا رحمة غتي صدرك ما يلفحك الهوا ... أرفعي الشملة دي لفوق وبطلي الدلع الفارغ البتسوى فيهو ده واقعدي زي الناس في الحفرة ... بنات آخر زمن !! ... الواحدة تقعد عشرة دقايق وتبدا تتململ وتنقنق .. أحي الحفرة حارة ... واي الدخان خنقني ... ما شفتونا إحنا في زمنا نقعد بالساعات الطوال في عزّ الحر وعزّ البرد ... ونتمسح بالودك لمن يسيل ويملا الواطه ... ونتغطى من راسنا لرجلينا مافي مخلوق يشوفنا حتى اقرب الاقربين لغاية ما الدخان يبقى طبقة تخينة لمن يجوا يطلعوها الا يدخلوا القشة .. يلا تعالى اقعدي خلينا نخلص مواعيد الغناية قربت ...

أدرك وراق بأنه قد أطال الوقوف فخاف من إفتضاح أمره وأجبر قدميه المسمرتين على الحركة رجوعاً الى مقدمة المنزل وهو يدور بعينيه آملاً في رؤية المزيد من فتيات الحوش الحسان ... أحس بخيبة امل عندما وصل الى " الديوان " دون ان يصادف احداً ...
في " المصطبة " العاليـة جلس حـامـد الاميـن الشهير " بود العمدة " في كرسي منخفض وأمامه " إبريق " ملئ بالماء وقد شرع في الوضوء بينما تعالى صوت الآذان الشجي من المئذنة العالية التي تطل على الحوش ...
كان ود العمدة رجلاً نحيلاً منتصب القامة بصورة مهيبة وتثير الحيرة في إمكانية تحديد عمره الحقيقي .. بدا التناقض واضحاً بين ملامحه الطفولية الوسيمة والشيب الذي غزا فوديه وتوزع بفوضى محببة في الشارب الغزير والذقن المستديرة الخفيفة التي لم تستطع اخفاء نغزة عميقة توسطت الحنك الدقيق ... كانت نظراته الحادة تنطلق كالشرر من عيون واسعة يتمازج فيها اللونين البني والعسلي بانسجام غريب .. وعندما يبتسم احدى ابتساماته النادرة تنفرج شفتيه عن أسنان بيضاء لامعة تتوسطها " فلجة" صغيرة وتظهر غمازتان عميقتان على خدوده المشدودة ...

بعد ان فرغ حامد من وضوؤه رفع راسه ونظر الى وراق الواقف بصبر وخاطبه بصوت هادئ

- اهلاً يا وراق .. جبت السمك ؟؟ حسابك كم ؟؟

خفض الشاب نظراته إحتراماً وأتت كلماته متلعثمة كما هو حاله عندما يخاطب صاحب المنزل ...

- خليها عليّ المرة دي يا ود العمدة .. دي هدية بسيطة ما قدر المقام عشان العروس المرة الجاية بشيل منك ...

فتح حامد محفظته المنتفخة وأخرج منها رزمة أوراق مالية ومدها للسماك الخجول ...

- هدية مقبولة يا وراق .. وهاك المبلغ دة هدية مني ليك ...

همّ وراق بالاحتجاج فاسكته ود العمدة باشارة من يده ...

- شيل القروش يا وراق .. مش انا قبلت هديتك ؟؟ انت كمان لازم تقبل هديتي ... يلا بطل نقة عشان ما تفوٍت علينا الصلاة .. المغرب غريب وما بتحمل التاخير ...

تناول وراق النقود الممدودة والتي قدر قيمتها بأربعة أضعاف قيمة السمك الذي احضره .. جاهد ليبدو حاسماً وهو يخاطب ود العمدة ...

- انا حشيلهم المرة دي ... لكن المرة الجاية لو أديتني قروش تاني ما بجيب ليكم سمك..

إكتمل مشروع الابتسامة في الوجه الوسيم ... إستدار ود العمدة دون أن يرد .. إتجه إلى سجادة الصلاة وشرع في التكبير بخشوع ...

داخل المنزل الفسيح كانت هناك حركة دائبة لفتيات يجمع بينهن الجمال ويفرقهن اختلاف الأعمار وتباين الألوان التي تدرجت ما بين الذهبي البراق الى الخمرى الناعم والقمحى الفتان والاسمر اللامع ...
في إحدى الغرف المغلقة جلست فتاتان في منتصف السرير تتهامسان بخفوت متآمر وهما لاهيتان بحديثهما عما يدور خارج الغرفة ... فجأة فتح الباب بعنف شتت شمل الهمس ووقفت على عتبته فتاة تتأرجح بين الطفولة والنضج وقد وضعت يديها في وسطها بتحد مما أظهر صدرها العارم الذي لا يتناسب مع قوامها النحيل ... كانت لهجتها المتسلطة ونبرتها الحادة إرثها الواضح من السرة ... تراقصت علامات الغيظ في عينيها الكحيلتين وهي تتكلم بصوتها الجهوري ...

- منال وجاكلين ؟؟ انتو قاعدين هنا تتوسوسوا والدنيا برة جايطة ؟؟ .. انتو يا بنات ما بتفتروا من الكلام ... الوقت كلو مقابلين بعض وتنقوا .. اصلكم بتقولوا شنو ؟؟ بتحلوا مشكلة فلسطين ؟؟!! ما مكفيكم الوقت البتقضوهوا مع بعض في الجامعة ؟؟...

إنتفضت جاكلين فزعاً وهي تتمتم " يا عدرا يا أم النور " رفعت يدها وقد فردت أصابعها الخمس في وجه بدرية فظهر التناقض واضحاً بين باطن كفها الشديد البياض والصليب الموشوم في أسفله باللون الرمادي الداكن وهي تتمتم .. خمسة وخميسه .. الله اكبر على عينك .. ثم مالت على أذن رفيقتها هامسة خوفا من أن تسمعها بدرية...

- تعرفي يا منال خالتك المفعوصة دي يوم حتجيب لي سكتة قلبية بصوتها العامل زي الرعد دة ...

ثم رفعت صوتها وهي تستدير لتخاطب بدرية ...

- في شنو يا بدرية ؟؟؟ القيامة قامت ولا حاجة ؟؟
تدخلت منال بسرعة وقبل أن ترد خالتها بلؤمها المعتاد على صديقتها المقربة ...

- مالك هايجة يا بدرية ؟؟ في شنو ؟؟ .. إحنا جينا نرتاح شوية لغاية ما الناس تخلص صلاة المغرب وبعدين نطلع ...

رمقتها بدرية بنظرة تنفث ناراً ...

- يعني انتي عارفة دة وقت الصلاة ؟؟؟ طيب مالك يا ختي ما قمتي تصلي ؟؟ عرفنا صاحبتك مسيحية .. اها انتي مالك ؟؟

- انا عندي عذر شرعي يا بدرية وما علي صلاة ... خلصينا عاوزة شنو ؟؟ ...

- ما انا العاوزة يا منال ... امي وبلقيس قالوا ليك تعالي جهزي حاجات التعليمة ... مش انتي عارفة انو الليلة آخر تعليمة لرحمة ؟؟ .. ولا عاوزة الناس تجهز ليك حاجات اختك وانتي قاعدة تتونسي ؟؟ ...

- طيب يا فالحة ... اجري قولي لامي وحبوبة انا وجاكلين جهزنا الحاجات كلها من قبيل ومنتظرين الغناية تجي عشان نطلعها ... يلا هويّنا ...

إستشاطت بدرية غضباً .. وظهرت نزعتها الطفولية في حركة قدمها التي رفعتها وضربت بها الارض ...

- اوعك يا منال تقولي لي هوينّا ... والله اكلم ليك امي وبلقيس ... انا صحي اصغر منك لكن مفروض تحترميني .. انا خالتك ولا انتي ناسية ؟؟ ..

- طيب يا خالتي ... خلاص رسالتك وصلت .. ممكن تمشي هسة ؟؟ ولمن رحمة تخلص دخان والغناية تجي تعالي ناديني ...

إستدارت بدرية والدموع تتلألأ في عينيها ... إتجهت مباشرة الى خلف المنزل وبدأت بالشكوى ما إن رأت امها وشقيقتها الكبرى تحيطان برحمة المتبرمة من حرارة الدخان ... إنتفضت السرة هلعاً عندما رات صغرى بناتها تشرق بدموعها ..

- سجمي .. مالك بتبكي يا بدرية ؟؟ في شنو ؟؟ ...

تجاهلت بدرية امها واتجهت الى شقيقتها ..

- يا بلقيس شوفي منال دي .. بتعاملني كاني طفلة صغيرة وما بتعمل لكلامي أي اعتبار وطول الوقت قاعدة مع جاكلين ولو جيت اقعد معاهم يطردوني ... هي أولى ليها تقعد مع منو ؟؟ انا ولا جاكلين ؟؟

كانت بلقيس تدرك إحساس الغيرة الذي يعتري شقيقتها الصغرى من علاقة إبنتها بجاكلين .. وظلت تراقب بإشفاق محاولاتها المستميتة لدخول الدائـرة المغلقة عليهما ورغبتها الملحة في تصنيفها ضمن ( البنات الكبار ) حتى تخرج من صفة الطفولة التي تلازمها .. من جانبها حاولت بلقيس جاهدة خلق علاقة تآلف بين شقيقتها وبين " هادية " إبنة نعمات زوجة أبيها التي تماثلها سناً .. لكن العداء المستعر بين السرة ونعمات خلق شرخاً عميقاً بين الاخوات لم تفلح حكمة ود العمدة في تضييقه برغم إسلوبه العادل في المعاملة بين زوجتيه وبناتهما ...

هبت بلقيس من جلستها واحتضنت شقيقتها التي تحس بالامومة تجاهها وخاطبتها بحنو زائد وهي تمسح دموعها بطرف ثوبها ...

- معليش يا بدرية ما تزعلي .. إنتي مش عارفة منال وطريقتها ؟؟ لكن والله هي بتحبك اكتر من أي زول تاني ... بس انا كلمتك من زمان .. وقت المذاكرة ما تمشي ليها .. وبالذات الايام دي امتحاناتها قربت وعرس رحمة عامل ليها ربكة شديدة .. هي وجاكلين بينتهزوا أي فرصة عشان يذاكروا .. وبكرة لمن تدخلي كلية الطب زيهم حتعرفي زنقة المذاكرة كيف ...

ازدادت بدرية التصاقاً بشقيقتها وهي تحتج ...

- ما كانوا بيذاكروا يا بلقيس ..كانوا قاعدين يتونسوا وأول ما دخلت عليهم قطعوا الكلام كالمعتاد ... انا عاوزة اعرف ليه بيسكتوا كل ما اجي اقعد معاهم ؟؟

كانت الكلمات تندفع من فمها كالسيل حتى طغت عليها زغرودة عالية مميزة تعالى بعدها صوت رفيع يتكلم بلكنة محببة ...

- السرة ... بلقيس .. يا جماعة انتو وين ؟؟ لسة ما جهزتوا ؟؟ ... انا جبت اللقيمات وبلح القنديلة الما خمج جابوهو من الشمالية امس ... تعالوا يا بنات شيلوا معاي ..يا بت يا اميرة .. مالك واقفة متنحة كدة ؟؟؟ اتناولي مني كورة المديدة دي ووديها لرحمة خليها تشربها دافية عشان تشد حيلها في الرقيص ...

افلتت بلقيس شقيقتها من بين ذراعيها وهي تحذرها ...

- بدرية .. اوعك تتكلمي فارغ قدام خالتك رجاء ولا تجيبي سيرة منال وجاكلين فاهمة ؟؟

وقبل ان تجاوبها بدرية ارتفع صوت السرة مهدداً ...

- امشي يا بت بلاش دلع فاضي وشوفي ليك شغلة اعمليها بلا كل يوم فالقة راسنا منال وجاكلين .. جاكلين ومنال ... وبحذرك لو لحقتي فتحتي خشمك دة قدام رجاء ولا جبتي السيرة دي بالغلط ما تلومي الا روحك وشوفيني حاعمل فيك شنو ..

ظهرت رجاء في طرف الساحة وهي تحمل الاغراض بكلتا يديها وسيل الزغاريد يندفع من فمها بلا توقف ... كانت امراة قصيرة القامة ممتلئة باعتدال وذات ملامح ناعمة .. يحيط بوجهها المستدير شعر قصير تداخلت فيه الخصلات السوداء مع الفضية لتكسبها عمراً يفوق عمرها الحقيقي .. من خلف اطار النظارة الطبية الذهبي الرفيع شعّت عينان تفيضان لطفاً وحناناً ... وتزينت شفتيها الرفيعتين الباهتتين بابتسامة لا تعرف الخمول ... ظهر بياض بشرتها من خلال فتحة الفستان الاسود الذي اصبح علامة مميزة لم تفارقها منذ ثمان سنوات حينما ارتدته حزناً على وفاة زوجها الشاب بحادث سير ماساوي تاركاً لها جمال على أعتاب الشهادة السودانية والتوأم جانيت وجاكلين في الثانية عشرة من عمرهما ... حملتهم مع فجيعتها وعادت بهم الى منزل والدها العجوز الملاصق لحوش ود العمدة .. كانت دماثة خلقها هي جواز مرورها الى قلب حامد والسرة ..وخلال فترة وجيزة اصبحت كاحدى بناتهم .. واصبح اولادها بمثابة الاخوان لبنات الحوش .. وبعد وفاة الوالد العجوز زادت رعايه حامد للاسرة الصغيرة .. وبرغم حضور شقيق رجاء من " الدبة " مسقط راسهم للاقامة معها .. الا ان احساس ود العمدة بالمسئولية تجاههم لم ينقص بل زاد وشمل القادم الجديد فاحتضنه ووفر له عملاً في سوق امدرمان وقدم له الدعم والحماية حتى قوى عوده...
بحضور رجاء ارتفعت حرارة الزغاريد وبدا توافد الجيران لحضور التعليمة ... اغتنمت " رحمة " الفرصة وهبت بفرح من حفرة الدخان ... تجرعت " المديدة" التي احضرتها رجاء على عجل ثم ركضت الى الداخل تتبعها صرخات امها ...

- يا بت اركزي وبطلي الجري ... امشي ارتاحي شوية واجهزي الغناية قربت تجي ... يا اميرة نادي لي منال .. البت دي مشت وين ؟؟!! ...

اتاها صوت من داخل المنزل مجيباً...

- منال مافي ... مشت بين ناس خالتي رجاء مع جاكلين ...

تنهدت بلقيس بغيظ وهي تتمتم .. والله ما خاتية عليك بدرية يا منال يا بتي... الوقت كلو يا قاعدة مع جاكلين ولا عندهم في البيت ... اليتكل عليك يتكل على حيطة مايلة ... اخير اقوم اسوي حاجاتي براي ... بس لو اعرف سرك شنو مع بيت ناس رجاء كنت ارتحت !!! ...

كانت جدران المنزل الصغير الملاصق لحوش ود العمدة مطلية بلون الكركم الأصفر فاظهر سواد الباب الحديدي العريض الذي يتوسط حائط قصير انتصبت في قمته قطع من الزجاج الناتئ باشكال مثلثية متنافرة ... إتكأ الباب على ثلاث عتبات خشنة وإستظل تحت تعريشة من " القنا " المتقاطع التي تشكل ممر ضيق يمتد الى البوابة الداخلية للمنزل .. على الاعواد المطلية بمختلف الالوان تسلقت فروع شجرة عنب عجوز واصبحت اوراقها مظلة خضراء تدلت من بينها العناقيد المخفية في قطع صغيرة من القماش الابيض ... في جنبات الحوش تناثرت اواني الزرع الفخارية الرطبة ... وغلبت على محتوياتها ورود " الجهنمية " الحمراء والبرتقالية ... بينما شكلت شتلات الفل والياسمين أقلية نشرت رائحتها العطرة لتختلط برائحة البسطرمة وضفائر السجق المتدلية من حبال متوازية اصطفت في طرف الحوش البعيد ...
بدا الضوء المنبعث من الداخل ناعماً بتموجات صفراء توحي بالدفء ... كان النظام يميز الصالة المربعة المفروشة بأثاث بسيط ... على الجدران توزعت صور مريم العذراء وهي تحمل طفلها وتحيط براسيهما هالات من نور ... وصور متنوعة للمسيح وهو يتناول عشاؤه وسط حوارييه ... و لوحة كبيرة إحتلت نصف الجدار لقديس يرتدي درعاً ويحمل رمحاً طويلاً يغرزه في احشاء تنين مطروح ارضاً ... كانت أبواب الغرف تطل على الصالة الصغيرة ... بينما انزوى المطبخ والحمام في احدى الاركان .. تسللت روائح البسطرمة والسجق الى الداخل واختطلت بعبق بخور اللبان المتصاعد من مبخر صغير لتخلق جواً مثقلاً بمزيج مميز ...

داخل احدى الغرف وقفت جاكلين أمام المرآة وهي تمشط شعرها الطويل وتزيد من حمرة شفتيها بينما جلست على السرير نسخة طبق الاصل منها تراقبها بغيظ .. وأخيراً خاطبتها من بين اسنان مطبقة...

- جاكلين ؟؟ انتي مش عارفة الليلة عندنا درس الكتاب في الكنيسة ؟؟ البص حيجي ياخدنا بعد شوية ... انتي ما ناوية تمشي ولا شنو ؟؟

ردت جاكلين بلهجة عابثة لا مبالية ...

- جانيت يا حبيبتي ... انتي مش عارفة انو الليلة تعليمة رحمة الاخيرة ؟؟ كيف يعني عاوزاني افوتها ؟؟ لو على درس الكتاب ما هو كل اسبوع ... حامشي الاسبوع الجاي ولو قسيس نجيب سال عني قولي ليهو عيانة ...

هبت جانيت وقد احمر وجهها غضباً ..

- والله عال يا جاكلين ... ما مكفيك انك ما ماشية وكمان عاوزاني اكذب عشان اغطي عليك ؟؟!! انتي انسانة ما مسئولة .. الاهم ليك شنو درس الكتاب ولا التعليمة ؟؟ انتي يا بت ما ناوية تتعدلي وتمشي صح ؟؟

هزت جاكلين راسها فتماوج شعرها الكثيف بنعومة .. استدارت لتواجه توأمها بتحدى ...

- يا جونا يا اختي .. بطلي تعقدي الدنيا لانها ما ناقصة تعقيد ... انتي عاوزة تمشي الكنيسة ؟؟ امشي .. انا ما حايشاك .. وما في داعي تكذبي .. لو سألوك عني قولي ليهم مشت تعليمة بت الجيران .. اوكيه ؟؟ يلا يا حلوة باي ... لمن ترجعي احكي لي درس الكتاب وانا بحكي ليك التعليمة..

غمزت شقيقتها بعينها وهي تخرج من الغرفة منادية ...

- يلا يا منال جيبي الكتاب وتعالي اتاخرنا ...

انتفضت منال عند سماع صوت صديقتها وسحبت يدها النائمة بدعّة في يد جمال .. تلاقت عيناهما في نظرة طويلة معبرة وهمست له قبل ان تخرج من باب الغرفة الموارب ...

- جمال ... لازم اشوفك بعدين ... انا ما بقدر اجي عندكم تاني الليلة .. وبكرة طالعة مشاوير مع امي نقضي باقي حاجات العرس ... يعني إحتمال ما الاقيك ... بعد ما تنتهي التعليمة انت تعال عندنا البيت .. اعمل روحك عاوز أي حاجة من خالتي رجاء ولا جاكلين .. خلاص اتفقنا ؟؟ انت عارف انا لو ما شفتك يومين ورا بعض بتعب شديد ...

احس بالخدر وهو ينظر الى عينيها الجميلتين فاختفى صوته وأومأ ايجاباً وهو يرسل لها قبلة في الهواء التقطتها وردتها اليه قبل ان تخرج على عجل ...

جاكس
06-10-2012, 01:01 PM
الفصل الثاني

اتمطّت " نعمات " بليونة في الكرسي المواجه للمرآة داخل غرفة نومها .. مالت بجسدها حتى كاد وجهها يلتصق بانعكاسه في الزجاج المصقول ... كانت تتأمل ملامحها بدقة .. مرت باطراف اناملها على جبينها العريض وهي تتلمس التجاعيد التي تتشكل في خطوط عرضية عميقة عندما ترفع حاجبيها الغليظين إلى أعلى ... احست بكآبة تحتلها فانزلت اصابعها الطويلة الى ركن عينها وهي تحسب عدد الخطوط الصغيرة التي تزايدت خلال الفترة الاخيرة ... ظلت على حالها فترة من الزمن يدها تتجول بلا وعي بين خدودها النحيلة واعلى شفتيها المكتنزتين وعنقها الطويل المشرب بالسمرة
اخيراً نهضت عن الكرسي وتمايلت يميناً ويساراً وهي تستكشف بعرفان تضاريس جسدها اللدن الذي كتم سر سنوات عمرها بمهارة ولم يفصح عن الاثنتنان وخمسون عاماً التي بلغتها منذ شهور ...
كانت شاردة الذهن .. تتنازعها مشاعر متناقضة بين الفرح والحزن ... ما يحدث في المنزل من تجهيزات زواج حفيدة زوجها أهاج شجونها وأعاد اليها ذكريات قديمة راحت تسترجعها بلذة خفية كانت في السابعة والعشرين عندما رأت حامد للمرة الاولى ... شريك والدها في تجارة الاخشاب والذي اصبح صديقه برغم فارق العمر بينهما .. سبقته سمعته اليها قبل ان تراه .. كان والدها يتحدث عنه باعجاب واحترام وهو يثني على ادبه ونشاطه والتزامه وجديته ... تدريجيا انتقل اليها الإنبهار بشخصية ود العمدة واصبحت تتلهف لمعرفة اخباره ...وبرغم علمها بزواجه من ابنه عمه وابوته لاربع بنات ... الا انها لم تكن تملك دفعاً لمشاعرها المتنامية ...
كان زواج شقيقها الاكبر سبباً في اول لقاء بينهما ... عندما راته بجسده النحيل وعينيه الحزينتين بلونهما المتمازج قفز قلبها ... وادركت انها واقعة في هوى هذا الرجل ما ان تلاعبت غمازتاه إثر ضحكة هادئة اطلقها تجاوبا مع إحدى دعابات ابيها ... عزمت على لفت نظره باي طريقة ممكنة ... فانتظرت حتى صدح صوت الفنان باغنية بطيئة الايقاع ودخلت حلبة الرقص بتصميم وهي تتباهى بشعرها الطويل الغزير الذي رفع عنه حظر الاختباء خلف الثوب إكراماً لزواج شقيقها ... أحنت ظهرها بليونة وفردت ذراعيها بدلال فنفر صدرها أمامها بعنفوان وهو يعلو ويهبط بتناسق تام مع حركات عنقها الطويل ... كانت ترقص برشاقة الغزال وعيناها تحدقان في النجوم فوقها بهيام .. تلاشى احساسها بمن حولها واصبحت ترقص له وحده ... كانت بين الحين والاخر تسترق النظر تجاهه لترى تاثير مهارتها التي اجبرت الجميع على التراجع والوقوف متفرجين فصارت وحيدة وسط دائرة من الانظار الشاخصة ... إختل توازنها لبرهة وجيزة عندما راته قادما نحوها برفقة ابيها ثم استعادت سيطرتها على حركاتها واخذت دورة كاملة اصبحت في نهايتها بمواجهته ... تمايلت باغراء كحمامة منتشية ... ثم خصته ( بالشبال ) دوناً عن غيره ... وعندما لاحظت ارتعاشة رموشه واحتباس انفاسه .. أدركت بانها قد وصلت الى مبتغاها ...

بعدها توالت زيارات ود العمدة الي بيتهم ... لم تكن تعدم الوسيلة التي تجعله يراها بها في أبهى حلة عند كل زيارة ... وعندما لمّح حامد لوالدها عن رغبته بالزواج مرة اخرى املاً في الحصول على الولد الذي يتمناه بعد ان انجبت له زوجته اربع بنات .. فهم الرجل الخبير التلميح ولم يتحفظ في الموافقة على تزويجه ابنته التي كانت تسير نحو العنوسة بخطى حثيثة رغم جمالها واصلها الكريم...
في الثامنة والعشرين من عمرها اصبحت نعمات الزوجة الثانية لحامد الامين ... كان شرطها الوحيد هو بقائها في منزل منفصل وبعيد عن زوجته الاولى .. وكان لها ما ارادت .. اشترى لها حامد منزلاً بالقرب من والديها .. ووزع وقته بالتساوى بينها وبين السرة ... بعد سنة من زواجهما اتت نادية ... ثم تلتها اميرة ... احست نعمات بالقلق والخوف من توالي البنات وامتناع الولد فقررت التوقف عن الانجاب لفترة .. بعد اربع سنوات انجبت هادية التي كان الفرق بينها وبين بدرية ابنة السرة شهر واحد فقط ... وقتها ابلغها زوجها بقراره الواجب التنفيذ عن انتقالها الى البيت الكبير في منطقة ابوروف ورفض كل حججها الممانعة بعد ان وعدها بأن يكون الجزء الخاص بها في المنزل بعيداً عن سلطة السرة ...

وبرغم رفض ود العمدة القاطع بناء جدار يفصل بين المنزلين داخل الحوش الواحد ... الا ان نعمات استطاعت ان تخلق حواجز عالية بينها وبين ضرتها وبناتها ... كانت الصغيرات يخرجن احياناً عن سيطرتها ويذهبن للعب مع اخواتهن بتشجيع من الاب الممتعض من تباعد بناته ... لكن نعمات ظلت بعيدة عن عالم السرة الملئ بالاتباع ... حتى عندما تزوج حامد للمرة الثالثة .. لم تجمعهما المحنة المشتركة ... ومارست كل واحدة منهما رفضها وحزنها باسلوبها الخاص ...
عادت نعمات الى واقعها على صوت ابنتها الكبرى نادية وهي تخاطبها بالحاح ..

- امي انتي سرحانة قدر دة في شنو ؟؟ انا لي ساعة باتكلم معاك.. ما ماشة التعليمة ؟؟. عليك الله يا امي تعالي .. بلقيس حتزعل لو ما جيتي وهي طيبة وبتحبك ... ما ليك دعوة بامي السرة ... اقعدي بعيد منها ...

انتفضت نعمات بغضب عندما سمعت كلمات ابنتها الاخيرة ..

- نادية ؟؟ انا مش حذرتك قبل كدة ما تقولي امي السرة ؟؟ ... اوعى تاني اسمعك تقولي الكلمة دي فاهمة ولا لا ؟؟ انتي عندك ام واحدة بس .. انا بس التقولي لي امي .. قال امي السرة قال ... انشاء الله ( مو ) يفقع مرارتها زي ما فاقعة مرارتي ..

ردت نادية بهدوء وهي تحاول امتصاص غضب والدتها

- حاضر حاضر يا امي ... معليش نسيت ..خلاص تاني قدامك ما باقول كدة ..

صرخت فيها نعمات ..

- لا قدامي ولا وراي ...

تمتمت الابنة بحيرة ..

- لكن يا امي اناديها بشنو ؟؟ باسمها ساكت ؟؟ انتي عاوزة الناس تقول اننا قليلات ادب وانك ما ربيتنا كويس ؟؟ .. هسة مش بناتها كلهم حتى الكبار بيقولوا ليك امي نعمات ؟؟

صمتت نعمات امام منطق ابنتها ثم اخفت عجزها عن الاجابة باشاحة وجهها الى الجهة الاخرى وهي تستمع الى سؤال نادية اللحوح ...

- طيب يا امي انتي حتمشي ولا لا ؟؟

التمعت عينا نعمات بتحد..

- طبعا ماشة ... هو معقولة أنا القى فرصة أغيظ فيها العجوز الشمطاء دي وأخليها ؟؟ اجري طلعي لي توبي الجديد الجابو لي أبوك ... وجيبي علب دهبي كلها .... خلي أميرة تولع لي مبخر كبير ... وطلعي من الدولاب قزازة الخمرة وعلبة البخور .. الليلة حخلي السرة تنفجر من الغيظ ....

في الحوش الفسيح صفت كراسي الخيزران على شكل هلال تربع في منتصفه ( برش ) تداخل فيه لون السعف الطبيعي مع خطوط بلون زهور ( الكركديه ) الداكنة وتزينت أطرافه بحبات الودع وجنيهات ذهبية مزيفة معقودة بإحكام بخيوط حمراء قانية ... كان المكان يموج بالأصوات والضحكات .. والترقب ... في المقدمة جلست المغنية بثوبها الأزرق الشفاف وشعرها المجدول ضفائر صغيرة وهي تنقر بأظافرها الطويلة على " الدلوكة " النائمة في حجرها بطاعة .. من مدخل المنزل ظهرت جاكلين تتقدمها عاصفة من بخور ( التيمان ) تندفع من ( المبخر ) الفخاري الضخم بين يديها .. من خلفها أتت رحمة تتعثر في خطوات خجولة ومرتبكة تسندها يدي منال ... تعالت الزغاريد حتى اهتز المكان برنينها ... كانت تنتهي لتبدا من جديد في مباراة حامية لإظهار البراعة وطول الأنفاس ... لم يقطع سيلها إلا صوت رخيم ترافق مع ضربات قوية على الجلد المشدود ..

من بعيد جات تمشي المها ...
كل زول قال وين امها ....
هدأ الصخب .. وتركزت الانظار على رحمة التي تهادت في البرش كفراشة ناعمة ... كانت قدماها المشبعتان بلون الحطب المحترق تدوران بحرفية اثارت حسد الكثيرات ... وباشارة سرية من عيني المغنية بدات رحمة تفك رباط ثوبها من وسطها بدلال ... رمته ارضاً وهي تبتسم بعيون مسدلة لكلمات التشجيع التي تطلقها شقيقتها وصديقاتها ... اشتعلت الايدي حماساً ... وغابت رحمة عن الواقع المحيط بها وسرح خيالها في المجهول الذي ينتظرها ....
داخل المنزل شبه الخالي طرقت بلقيس برفق على باب غرفة والدتها ثم فتحته قليلاً ومدت راسها لتجد السرة مستلقية على سريرها وهي تدخن سيجارتها ببطء ولذة .. وتتامل بعيون نصف مغلقة الخاتم الذهبي الضخم في يدها اليسرى ...

خاطبتها بلقيس باحترام ومحبة ...

- يمة !! انتي بتدخني هسة والبيت ملان ناس ؟؟ لو زول شافك يقول شنو ؟؟

رمقتها السرة بنظرة مؤنبة ..

- يا بت انا بدخن قـدام ابوك " حامد ود العمدة " شخصيـاً .. ناس شنو تاني البهتم بيهم ؟؟!! ( طظ ) في أي زول ... جهزتي الحاجات كلها ؟؟ العقربة جات ؟؟

ادركت بلقيس مقصد السرة من كلماتها الاخيرة ... كان العداء سافراً ومستمراً بينها وبين نعمات زوجة حامد الاخرى .. ومنذ انتقال نعمات الى المنزل بعد انجابها لابنتها الثالثة بدأت حرب السيطرة والاستقلال الخفية بين الزوجتين .. وبرغم محاولة نعمات تجنب الصدام مع السرة ... الا ان استفزازات ضرتها كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال ... وكان لابد لها ان ترد الصاع صاعين فتسلحت بجمالها وفارق السن بينها وبين ضرتها لتواجه به جبروت السرة وسطوتها المستمدة من صلة القرابة بينها وبين حامد وقوة دعم الاهل لابنتهم امام الغريبة الغازية ...

- يا امي الله يخليك ما تصطدمي بيها الليلة وخلي التعليمة تمر علي خير عشان خاطر رحمة ..

- اصطدم بيها ؟؟؟ هي دي منو دي خطافة الرجال دي الانا بعبرها ولا اهببوا ليها ؟؟ اها لابسة شنو ؟؟

- لابسة توب عادي يا امي .. يلا تعالي خلينا نطلع برة .. اكيد الناس بدوا يسالوا حبوبة العروس وامها وينهم ..

نهضت السرة من سريرها بصعوبة وتوكأت على كتف بلقيس حتى الباب المؤدي الى الحوش ثم انتزعت يدها منها بحدة ...

- خلاص خليني امشي براي .. ما عاوزة اللبوة دي تشوفني كدة وتشمت فيني وتقول انا عجزت وبقيت ما قادرة امشي ... هي قاعدة وين .. اريتها تقعد في النار ..

اومات بلقيس تجاه مكان نعمات .. وعندما التقت نظرات المراتين ضاقت عينا السرة بحقد وهي تتامل ثوب نعمات الجديد وكمية الحلى الذهبية التي تتزين بها ... فلكزت ابنتها ..

- ما قلتي توب عادي ؟؟ عايني ليها لابسة كيف ؟؟ هي قايلة روحها لسة عروس مدهبة قدر دة ؟؟ ولا التقول جايباهو من بيت ابوها ؟؟ ما كلو من خير راجلي السرقتو مني ..

جلست السرة في اول كرسي صادفها حتى لا يبدو عليها اعياء السبعين عاماً التي تحملها اضافة الى كميات الشحم الهائلة المتمركزة في بطنها وخلفيتها وساقيها ... دارت بنظراتها تتامل الحضور ... اتسعت ابتسامتها لرؤية جيرانها واقاربها الذين اتوا لمجاملتها ... اغمضت عينيها ورفعت راسها لتطلق زغرودة عالية طغت على كل ما عداها ..

الفصل الثالث

كان ظلام الليل يجثم على صدر ( إبراهيم ) وهو يتقلب في فراشه باضطراب ... ومن بين شفتيه المطبقتين تنبعث اصوات متقطعة .. مختنقة .. نائحة ... انه جحيمه المعتاد الذي ظن انه قد فر منه منذ زمن طويل لكنه تبعه متواريا في دثار الاحلام ..
حلكة الظلام لفت الكون بستائر عميقة من السكون المصبوغ برائحة الخوف .. وهناك خلف سور الاشجـار الذي يفصل بين البيت الكبيـر والمنـزل الصغير الذي تقطنه اسرة ( بخيت ) و زوجته ( العينة ) وأبناؤهما الثلاثة .. يتراءى ضوء واهن يتراقص مع هبات الريح مشكلاً صوراً مخيفة ... انهم ( السحاحير ) الذين ما تفتا السرة تحذره منهم ومن الذهاب الى المنزل المتواري خلف الاشجار حيث يقطنون ... لكنه بحدسه الطفولي ادرك ان امه تحاول منعه من الاختلاط باهل البيت الصغير لسبب لا يعلمه .. لذلك اعتاد التسلل الى هناك دون علمها ... نهاراً .. كان كل شئ يبدو على طبيعته لم يكن هناك ما يخيف ... لكن الليل هو المشكلة ... عندما يجافيه النوم فيغامر بتحدى الظلام ويقطع الحوش الواسع بخطوات وجلة وهو يتلفت في كل الاتجاهات حتى يصل الى الدغل الكثيف ويندس خلفه مستعيناً بضؤ القمر الباهت للبحث عن ممر الدخول .. كان اكثر ما يخيفه هو صوت صرير الباب الخشبي المتهالك المثبت بعشوائية في الحائط الطيني القصير .. صوتاً كئيباً يسرى في صمت الليل وكانه صرخات الشياطين ... هكذا اخبرته السرة ... بان صوت الشياطين يشبه صوت باب بيت بخيت والعينة ...

كان يتخطى هذا العائق بشق الانفس ليدخل الى الساحة الصغيرة على اطراف اصابعه ... يتراءى له من على البعد حوض المياه العميق المطلي بالطحالب الخضراء وماسورته اليتيمة التي أدمنت سكب القطرات رغماً عن قطع الاقمشة الملفوفة حولها لإيقاف نزيفها المتواصل .. كانت القطع المتدلية بعشوائية تتحرك مع أقل هبة ريح كاذرع العناكب التي تنتظر مروره لتتسلق جسده وتمتص دمه ... كان يكره العناكب وكل ما يذكره بها ... عادة يشيح بنظراته من جهة الحوض وهو يضع يديه على أذنيه الصغيرتين حتى لا يسمع صوت تساقـط قطرات الماء بلحن رتيب يصك أسنانه ... أمام المنزل الطيني انتصبت ( راكـوبة ) فسيحـة جٌدل سقفها بسعف النخيل المتكئ على اعواد القنا السميك ..تمددت ظلال الاعواد التي ترفعها واستطالت فصارت اذرع بمخالب واطراف باقدام معقوفة كان المنظـر يزداد سؤاً عندما تكون هناك بقايـا جمـر متخلف عن حـريق الحطب تحت الصاج الذي ( تعوس ) فيه العينة ( الكسرة ) فتشع كعين خبيثة تراقب تقدمه البطئ نحو باب المنزل المبنى من ( الجالوص ) بنوافذه الخشبية المشققة التي تبعد عن الأرض بمسافة اقل من امتداد ذراعه القصير
كان ابراهيم يستمد شجاعته من احساس الوحدة الذي يخنقه في البيت الكبير .. فلا احد هناك يلاعبه او يتكلم معه ... السرة مشغولة دوماً برعاية شقيقتيه .. بلقيس التي تصغره بخمس سنوات .. وبدور التي بلغت عامها الاول منذ ايام اما والده فهو لا يراه الا لماماً ... لم يحدث يوما ان لعب معه كما يفعل بخيت مع اولاده ... حتى في اوقات وجوده الشحيحة بالمنزل يبدو وكانه يتحاشى بقائهما في مكان واحد ... ما ان يراه حتى يدخل يده في جيبه لتخرج ممتلئة بعملات حديدية متنوعة يمنحها له وهو يربت على ظهره بعجلة كما يفعل مع جرو صغير يرغب في التخلص منه ثم يختفي مسرعاً من امامه .. كثيرا ما احس بالالم والحيرة من تجاهل والده له فكان يلجا الى امه ويسالها ..

- انتي يا السرة ... ابوي ليه ما بيحبني ؟؟

وتاتيه اجابتها المكررة المترافقة مع ضربة قوية من يدها على صدرها...

- سجمي ؟؟ يا ولد منو القال ليك الكلام الفارغ دة ؟؟ ابوك حامد بيحبك اكتر من روحو وبعدين انا مش قلت ليك قبال كدة ما تناديني باسمي ساكت كدة ؟؟ مش كلمتك انو كدة عيب وحرام والله حيدخلك النار لو ناديتني باسمي ؟؟ قول امي يا ابراهيم ... ما تقول السرة .. قول امي ... اوعاك اسمعك تاني تقول السرة ....

لكنه يتجاهل كلماتها كما كل مرة ويواصل اسئلته الحائرة ...

- طيب يا السرة هو ليه ما بشيلني ويلعب معاي زي ما بيعمل مع بلقيس وبدور .. ولا زي ما عم بخيت بيعمل مع عبد الرزاق وحبيبة ؟؟
وتاتي الاجابة المتوارية خلف الحقيقة المؤلمة ...

- عشان بلقيس وبدور بنات وانت راجل ... وعشان هم صغار وانت كبير ... وبعدين انا مش حذرتك ما تمشي بيت ناس بخيت ؟؟ ومش قلت ليك ما تقول ليهو عمي ؟؟ انت تناديهو بخيت وبس .. وما تلعب مع اولاده ديل لا زيك ولا بشبهوك ...

- كيف يعني ما زيي ولا بشبهوني ؟؟ قصدك عشان لونهم اسود وشعرهم خشن ؟؟

- لا ما عشان لونهم اسود وشعرهم خشن ... لكن هم بس ما بشبهوك والسلام ... انت لسة صغير وما فاهم حاجة وبكرة لمن تكبر حتفهم معنى كلامي دة ... يلا بطل غلبة كتيرة واتعلم تقول امي ...

لم تقنعه اجاباتها يوماً ولم تمنحه الراحة التي يحتاجها أوتبدد الحيرة التي يحسها ...

- اشمعنى انا عاوزاني اقول ليك امي ؟؟ ما كل الناس بتقول ليك السرة ..

ونكاية في اجاباتها التي لم تشف غليله كان يهرب من امامها تجاه بيت بخيت والعينة تتبعه صرخاتها المحذرة ...

- يا ولد تعال .. ما تمشي هناك ... عندهم سحاحير بياكلوك ..
في النهار .. لم يكن يهتم لتخويفها ...
لكنه الان في قبضة الليل .. خطواته المتسللة الصامتة ترتعش تجاوباً مع دقات قلبه الخائف ... لقد جفاه النوم وعززت صرخات بدور المريضة (بالحصبة) من دوافع صحوه فوجد نفسه وحيداً في الغرفة الواسعة بسقفها الخشبي المرتفع ... وصوّر له خياله ( العناقريب ) الضخمة بارجلها الرفيعة العالية كانها العناكب التي يكرهها فنزل من مكانه بهدوء حتى لا يوقظها من سباتها ... انسلّ من غرفته وركض تجاه غرفة السرة المضيئة ... من شق الباب الموارب سمع صوت بدور الباكي فاختلس النظر ليجدها بين ذراعي امه المتقرفصة في منتصف سريرها وهي تحملها وتهزها برفق بينما استكانت بلقيس بين ذراعي والده وهو يدور بها من اقصى الغرفة الى اقصاها ... يبدو ان لا مكان له هنا ... تسلل بهدوء من باب المطبخ الخلفي باتجاه بيت بخيت والعينة ... هناك دائما يجد مكانا يسعه واشخاصاً يلاعبونه ويهتمون لامره ...
عندما تخطى كل الصعاب ووصل اخيراً الى الباب ... إنفتح امامه بسلاسة ودون اصدار الصوت الشيطاني فركض تجاه المبنى الطيني ودفع بابه ودخل ... وقف في منتصف الصالة الطولية التي تطل عليها غرفتان صغيرتان .. واحدة تخص العينة وبخيت وتشاركهما فيها ( حبيبة ) التي تماثل بلقيس عمراً .. بينما خصصت الغرفة الاخرى لاستقبال الضيوف نهاراً ونوم عبد الرزاق وعبد الستار ليلاً ... كان يهم بالحركة عندما تناهت الى سمعه اصوات مبهمة تاتي من غرفة بخيت والعينة .. لم تكن واضحة بسبب الباب الموصد ... لكنه ميز بصعوبة صوت العينة المبحوح وهي تتاوه وتصرخ ... وفي لحظة صمتها يرتفع صوت بخيت الاجش وهو يتمتم بعبارات غامضة ... أخافته الأصوات وبدا عقله القاصر يتساءل عن السبب الذي يجعل بخيت يقدم على ضرب العينة ويؤلمها حتى تصرخ ... ركض فزعاً إلى الغرفة الاخرى ودلف من الباب الموارب على عجل .. اوقف اندفاعه اصطدام جسده الصغير بشبح يبدو كل ما فيه هائج ومتحفز ... كان عبد الستار ابن السبعة عشر عاماً واقفاً في منتصف الغرفة يتنصت على صرخات امه وهمهمات ابيه وكل شئ فيه يبدو غريباً .. اختفت من ملامحه الوداعة المعتادة وبدا كصقر جائع يبحث عن فريسة لينقض عليها تبادلا نظرات فزعة متفاجئة وبدأ المشهد غامضاً بسبب الاضاءة الصفراء الشاحبة التي تنبعث من لمبة صغيرة معلقة بسلك يتدلى بمحاذاة الحائط ... وقبل ان يدرك ابراهيم ما يحدث وجد يد عبد الستار التي تفوح منها رائحة نفاذة كريهة تغطي فمه وانفه وهو يجره تجاه سريره ... وفي لحظة بدأ الكابوس يجثم على ظهره بكل ثقله والمه وجموحه ... احس بانه يختنق .. وان روحه تتسلل منه بصمت .. وادخله الالم الحاد في غياهب اللاوعي ...
مرت فترة لا يعلم مداها .. وعندما استفاق كان لا يزال مستلقياً على بطنه يعتريه احساس مخيف بان عمود نار قد اخترق مؤخرته ... فتح عينيه بتعب لتصطدمان بوجه عبد الرزاق النائم باطمئنان في السرير المقابل وقد علت وجهه شبه ابتسامة ... كان ما حدث اكبر من قدرته على الاستيعاب ... وإجتاحته رعشة من الصمت المميت الذي اطبق على المكان ... لم تعد العينة تصرخ .. وتوقفت همهمات بخيت لم يعد هناك غير لون الظلام .. ورائحة الدم ...
عندما استطاع اخيرا ان يرفع راسه وجد عبد الستار جالساً بقلق على طرف السرير وهو يحمل قطعة صغيرة رطبة تبقعت بلون احمر قان ..كان يطويها ويفردها بحركات لا ارادية وعيناه الصغيرتان تدوران بخوف .. غادرته هيئة الصقر المتحفز وعاد الى وداعته المعتادة ... عادت اليه هيئة عبد الستار الذي يلاعبه ويحمله على ظهره جريا الى الدكان الصغير ليشتري الحلوى والالعاب ويساعده في استذكار دروسه وحفظ جداول الضرب وسور القرآن .. لقد استعاد شكله القديم .. شكل صديقه الذي يقوم بعقد الصلح بينه وبين عبد الرزاق عندما يتخاصما اثناء اللعب ... صديقه الذي يطلب منه ان يراقب شقيقته الصغيرة حبيبة عندما تغيب العينة اثناء ساعات خدمتها الطويلة في البيت الكبير ...

أحس بالم ممض عندما رفعه عبد الستار من السرير وطلب منه بهمس ان يتبعه الى الخارج ... خذلته قدماه ولم يستطع السير فاضطر عبد الستار لحمله حتى وصلا الى السور الشجري ... هناك انزله ببطء وجلس قبالته وهو يسنده بيديه وعيناه تنظران اليه بخجل وندم ...

- ابراهيم ؟؟ احنا اصحاب مش كدة ؟؟

اتت ايماءة الموافقة تلقائية وصامتة ..

- الحصل دة بيحصل بين الاصحاب لمن يكونوا بيحبوا بعض شديد ... مش انت عارف انا بحبك قدر شنو ؟؟ انا بحبك زي عبد الغفار وحبيبة ويمكن اكتر منهم كمان ... عشان كدة الحصل دة لازم يفضل سر بيننا انا وانت وبس ومافي أي زول تاني في الدنيا يعرفو ... اوعك يا ابراهيم تكلم زول والا حازعل منك وما حنبقى اصحاب ... وما حتلقى زول تاني يوديك الدكان ولا زول يذاكر ليك ويحل ليك الواجبات وحتبقى بليد في المدرسة وتطلع الطيش .. ولو امك وابوك عرفوا حيحبسوك في البيت الكبير وما حيخلوك تجي عندنا تاني .. ويمكن كمان السرة تحرش ود العمدة يطردنا من البيت لانها اصلاً ما بتحبنا .. انت عاوزهم يطردونا من البيت يا ابراهيم ؟؟؟

اتت هزة الرفض صامتة من الطفل الحائر المتالم .. كانت عينا عبد الستار مغروزتان في عينيه وهو يحشو راسه بمبررات قابلة للتصديق ... لماذا يكذب عليه صديقه ؟؟ ربما هو فعلا لعب لم يعتده لذلك احس بالالم .. ربما في المرة القادمة سيكون اقل الماً ...

حمله عبد الستار وقطع به مساحات الرعب حتى اوصله الى باب المطبخ الخلفي .. انزله برفق وهو يذكره بالكتمان ...
في تلك الليلة بدات اولى كوابيس ابراهيم واضطرابات نومه التي لازمته طيلة حياته .. عقب صلاة الفجر هرع حامد والسرة الى غرفة الفتى الصغير اثر صرخات هائلة اطلقها وهو يحاول محاربة الاشباح المرعبة التي غزت احلامه .. كان احدها يشبه عبد الستار وقد نبت له قرنان في مقدمة راسه واصبحت عيناه بلون الجمرة المتخلفة عن حريق الحطب تحت صاج الكسرة ..
عندما تحسس حامد جسده .. وجده يحترق بالحمى ... وفي الصباح غطت بثور ( الحصبة ) الصغيرة التي انتشرت في جسده على آثار اغتيال طفولته الذي تم ليلاً

جاكس
06-11-2012, 04:38 AM
الفصل الرابع

باقتراب موعد العرس ارتفعت حرارة الاستعدادات في حوش ود العمدة .. كانت جحافل النساء تغزو المكان دخولاً وخروجاً في كل الاوقات ... وترقّب سكان الاحياء المجاورة لحي ابوروف الموعد بلهفة .. كانوا يتوقون لحضور عرس آخر يذكرهم بما شهدوه في اعراس بنات ود العمدة السابقة ... بينما لم يعد احد يتذكر تفاصيل زواج ابراهيم من حبيبة ابنة بخيت والعينة الذي تم على عجل واقتصر على اقرب الاقربين .. لم يكن هناك حفل باذخ مثلما توقع الجميع لزواج الولد الوحيد في الحوش ... فبعد عقد القرآن المتواضع اخذ ابراهيم عروسه واختفى تاركاً جملة من التساؤلات والتكهنات عن سر هذا الزواج الغريب بين ابراهيم وهو من هو ... وحبيبة وهي من هي .. وانتشرت الشائعات عن وجود فضيحة محتملة كان لابد من سترها باسرع وقت ... وبدا الجميع في عد الايام لقدوم طفل حبيبة الاول حتى يتاكدوا من شكوكهم ... لكن ولادة فاطمة ابنة حبيبة البكر بعد سنة وثلاثة اشهر من زواجها دحضت الشائعة وجعلتها تنحصر في فرضية رفض السرة لهذه الزيجة والذي عبرت عنه صراحة بحزم امتعتها وسفرها الى القرية وبقاءها هناك لفترة طويلة بمرور السنين انمحت من الاذهان ذكرى هذا الزواج الباهت بينما بقيت صور زواج بلقيس وبسمة وبدور حاضرة بقوة ... كانت فرحة السرة لا توصف بزواج اولى حفيداتها .. فوزعت رسلها في كل مكان لتوجيه الدعوات والتاكيد على معارفها بالحضور ... اصبح حوش ود العمدة مهرجانا من الفرح المتواصل عندما اعلن حامد موافقته وانتشر الخبر فتوافدت جيوش المهنئين وبدات سلسلة من الطقوس التي ابدعت السرة في تنظيمها واخراجها ... حتى اول جلسة لرحمة في ( حفرة الدخان ) تحولت الى حفل مرتجل امتد الى ما بعد منتصف الليل ... وصار ايقاع ( الدلوكة ) موسيقى رسمية لا تنقطع في فضاء الحي ..
صبيحة يوم العرس فتحت الابواب على مصراعيها ووقف حامد في صدر المكان محاطاً باهله وجيرانه وهو يشرف على الذبائح التي نحرت بالجملة ... كان الصيوان الواسع يموج بحركة الاطفال المتراكضين هنا وهناك ... عمال ينظمون الطاولات والمقاعد ... آخرين يرفعون عقود الاضاءة لتثبيتها .. وفود من النساء تدخل وتخرج ... وبين الحين والاخر تتعالى زغرودة طويلة وتجاوبها اخرى بايقاع يهز القلوب ...
في غرفة بلقيس ارتمت رحمة بين ذراعي والدتها وهي تنتحب بصوت مكتوم وامها تحاول ان تتظاهر بالهدوء والحزم ...

- بس يا رحمة ... بطلي بكا .. انتي عاوزة عيونك تحمر وتورم وبعدين الناس تقول العروس مالا ؟؟ طيب وريني انتي هسة بتبكي ليه ؟؟ المفروض تكوني فرحانة .. مش محمود دة انتي الوافقتي عليهو وقلتي عاوزاهو ؟؟

رفعت رحمة وجهها الممتلئ بالدموع لدى ذكر رجلها الذي اختارته بعقلها ثم غزا قلبها .. وبصوت متحشرج سارعت تنفي عنه تهمة تسببه ببكائها...

- امي انا ببكي لاني ما متخيلة بعد يومين اقوم من النوم وما القاك انتي ومنال جنبي .. ما القى امي السرة وابوي حامد .. ما متخيلة اني اصحى في مكان غريب مع راجل غريب ... خايفة يمة ... خايفة شديد .. صحي محمود انسان طيب ومتدين والكل شهد ليهو بالاخلاق والاحترام ... لكن انتي قلتي لمن ابوي جا يتقدم ليك برضو كل الناس قالت ليكم انو زول كويس .. وانتي ما عرفتي عيوبو الا بعد ما خلاص بقى امر واقع ما منو مفر ...

تصاعد نحيبها مرة اخرى ...

- خايفة يمة بعد فترة محمود يبقى زي ابوي ويعذبني زي ما ابوي عذبك ...
على الفور تخلت بلقيس عن محاولتها التظاهر بالقوة والحزم ... احتضنت ابنتها بشدة وانهمرت دموعها كالسيل وهي تتذكر والد ابنتيها .. الرجل الذي تزوجته ارضاء لاهلها وتطلقت منه انتصارا لكرامتها بعد ان اذاقها صنوفا من الذل طيلة فترة زواجهما القصيرة التي خرجت منها حطام امراة..
كانت في التاسعة عشرة من عمرها وقد انهت للتو سنتها الجامعية الاولى بتفوق جعل والدها يطير فرحاً .. فبعد الخيبة التي لازمت ابراهيم في كل مراحل دراسته .. اصبح تفوقها مصدر فخر لاسرتها خصوصا بعد ان اعلنت بدور عن عدم رغبتها في مواصلة دراستها الجامعية وقررت الموافقة على الزواج من احد اقرباء والدتها عقب الانتهاء من امتحان الشهادة الثانوية مباشرة ...
بدات مأسآتها في الاجازة عندما قررت السرة اصطحاب بناتها لزيارة جدتهم المريضة في القرية التي تبعد مسافة قصيرة عن مدينة شندي ... كانت المرة الاولى التي يذهبون فيها جميعاً بعد الرحلة الحزينة التي تلت زواج حامد من نعمات منذ ثلاث سنوات عندما هجرت السرة منزلها وحزمت امتعتها وولدها الوحيد وبناتها الاربعة وعادت الى القرية لتؤجج مشاعر الغضب ضد حامد الغائب في شهر العسل مع عروسه ... رفضت كل محاولات الترضية والاصلاح ما لم يقم حامد بطلاق نعمات لكن عندما مرت خمسة اشهر دون ان ينفذ لها طلبها تغلب عليها حنينها لبيتها ولزوجها ولحياتها التي اعتادتها فابدت اشارة خفيفة عن رغبتها في العودة تلقاها حامد بلهفة واتي محملاً بكميات كبيرة من الحلى الذهبية والعطور والملابس لترضية الزوجة الغاضبة التي عادت وبداخلها احساس بالهزيمة والانكسار تمثل في كره شديد لضرتها ومحاولة دائمة للنيل منها...
في هذه الزيارة قررت بلقيس المنتشية بنجاحها ان تخلع رداء المراهقة وتظهر في مجتمع القرية بصفتها فتاة جامعية ناضجة .. لفت قامتها المربوعة بالثوب ورفعتها بالكعب العالي .. وضعت الكحل في عينيها مما اظهر جمال لونهما البني الفاتح .. ونثرت العطر بسخاء حول جسدها فبدت مثيرة ومختلفة عن بنات القرية اللائي يماثلنها سناً ولفتت اليها انظار الجميع ...
في عصر يوم غائم ايقظتها السرة من نومها بوجه يتهلل بشراً ..

- بلقيس ... يا بت يا بلقيس ... اصحي ... النوم الليك شنو زي المواعيد دي .. قومي عندنا ضيوف ..

كانت تهزها بعنف متجاهلة احتجاجاتها الناعسة

- عارفة برة في منو ؟؟ خالتك ( الزهوة ) مرة العمدة سعيد ... عارفاها جاية لشنو؟؟ عاوزة تخطبك لعبد العظيم ولدها ..

كانت الكلمات تندفع من فم السرة يرافقها رزاز من البصاق كما هو شانها في حالات الانفعال الشديد مسحت بلقيس وجهها براحة يدها وهي تتطلع الى امها بانزعاج شديد ...
- خطوبة شنو وعرس شنو ؟؟ انتي يا امي مش عارفة رائيي في الموضوع دة ؟؟ مش السنة الفاتت لمن جاني ولد صاحب ابوي يخطبني رفضت وقلت ليكم عاوزة اكمل دراستي واني ما حتزوج الا بعد اخلص الجامعة ؟؟ مش انتي وابوي قلتوا لي على كيفك وما حنجبرك ؟؟ ليه ما قلتي للناس ديل طوالي انو انا لسة بدري علي لغاية ما اخلص الجامعة وافكر في العرس ؟؟

ضربت السرة صدرها بيدها واتسعت عيناها استنكاراً ...

- سجمي يا بلقيس .. عاوزاني اقول للزهوة بت العمدة ومرة العمدة انو لسة بدري عليك ؟؟ بدري عليك لشنو ؟؟ انتي قايلة روحك صغيرة ؟؟ انا لمن كنت في عمرك كانوا عاقدين علي وبستعد للعرس ... واهي بدور الاصغر منك عرست وعلى وش ولادة ... وبعدين انتي لمن رفضتي العريس الجاك اول داك ما قلنا شئ ووافقناك على كلامك لانو ما كان شيتاً نتحسر عليهو والزيو كتار ... لكن عبد العظيم ولد العمدة سعيد دة الما بترفض .. اصل وفصل .. حسب ونسب .. قرش وجاه .. بنعرفو لغاية جدود جدودو عيلة تمام ما فيها شق ولا طق .. يا بت انتي ما عارفة انتي محظوظة قدر شنو لانو اختارك دوناً عن بنات الفريق كلهم ... تعرفي دة لو مشى لاي بيت من هنا لشندي بيدوهو بقلب قوي..
وفجاة اصبح رايها هامشيا ولا يعتد به ... وافق الجميع وباركوا وابتهجوا ..حتى والدها الذي كانت تعتمد على دعمه في الوقوف بجانبها لرفض هذه الزيجة .. اتي مسرعا بامر من والده الذي اعطاه العمر الطويل سطوة ومهابة .. وبرغم تنازله عن لقب العمدة لابنه الاوسط ( بله ) الا انه ظل صاحب الكلمة الاولى والاخيرة في كل الامور ..
لم تستطع الصمود في وجه الضغوط التي حاصرتها ليلاً ونهاراً .. خاصة بعد ان حضر العريس شخصيا وطلب الجلوس معها بحضور اسرتها .. احست امام طوله الفارع بضآلة حجمها .. وعندما صافحها كانت قبضته قوية ومسيطرة ... كان رجلاً يعرف ميزاته ويستمتع بعرضها.. برغم وسامته الظاهرة .. الا ان فيه شيئا لم تستطع تحديده اثار نفورها .. قطع كل حججها بعد ان تعهد امام الجميع بتركها تواصل دراستها الجامعية واستعداده للاستقرار في العاصمة اكراما لخاطرها وحتى تظل قريبة من اهلها .. وقبل ان تعود اسرة ود العمدة الى منزلها .. تم عقد القرآن وسط مظاهر فرح وبذخ لم تشهدها القرية منذ زواج السرة وإبراهيم ...
طارت الايام وهي ترجوها ان تتمهل .. وبعد شهر ونصف من عقد القرآن كانت تزف الى عبد العظيم .. الى رجل غريب لا تعرف عنه شيئاً ..كان شهر العسل هو بداية رحلة العذاب التي استمرت حتى نهاية الزواج القصير ... كانت معلوماتها عن العلاقة الخاصة بين الرجل والمراة قليلة وسطحية حصلت عليها من صديقاتها المتزوجات بالجامعة وكتب قرأتها خفية وعلى استحياء لتتعرف على اسباب مشاكلها الصحية التي بدات مع وصولها الى مرحلة البلوغ ... لم تكن مهيأة لطلبات عبد العظيم الشبقة ولا خبرته العميقة بعالم النساء .. في اول ليلة لهما معا دفعها خوفها للتعلل بالتعب ورغبتها في النوم بعد عناء النهار الطويل حتى تتفادى أي تواصل حميم بينهما .. كان نومها قلقاً متقطعا ً .. استيقظت منه مذعورة قرابة الفجر على ملمس شئ رطب يتجول ما بين وجهها وعنقها ...
فتحت فمها لتبدا بالصراخ لكن عبد العظيم اغلقه بشفتيه في قبلة طويلة انقطعت معها انفاسها .. حاولت ان تتملص من الهجوم العنيف لكن يبدو ان حركاتها المقاومة وهي ترزح تحت ثقل جسده الضخم جعلته يزداد ضراوة واصراراً ... وفي لحظات تحول قميصها الابيض الناعم الى قطع متناثرة ظل بعضها معلقاً بجسدها وتناثرت البقية على الارض .. توقف عبد العظيم عن هجومه وهو يطل عليها من عل متاملاً بعيون لامعة جسدها شبه العاري المصبوغ بلون البرتقال الناضج .. ابتسم برضا وبدا يحدثها همساً بغية تطمينها وازاحة نظرة الرعب المرتسمة على ملامحها ..
- تعرفي يا بلقيس .. انتي حلوة شديد .. انا ما كنت قايلك حلوة للدرجة دي ... اول ما جيتي البلد حكوا لي عنك لغاية ما اصريت اشوفك .. ومن اول لحظة قررت انك تبقي حقتي ..
جفلت بلقيس من جملته الاخيرة ... وحاولت جذب الغطاء لستر نفسها لكنه قبض عليه بيد بينما اتكا بالاخرى على جنبه وعيناه تقومان بعملية مسح كامل لجسدها المسجي امامه بلا حول ولا قوة .. وواصل همسه المحموم ..
- انتي عارفة لو ما كنت عرستك كنت جنيت .. ما عاوزك تخافي يا بلقيس .. سلميني نفسك بس .. انا عارف انو ما عندك خبرة برغم انك قاعدة في العاصمة ومشيتي الجامعة انا سالت عنك في كل مكان .. واكتر شئ عجبني انك بت خام وانا حكون الاول في أي شئ ..
خرجت ضحكته متحشرجة من فرط الاحاسيس التي تعتمل في صدره .. وبدا يفقد السيطرة على حركات يديه فانطلقت تجوب الجسد المتخشب بجراة وحرية ... كانت لمساته خبيرة ... متأنية .. شعرت بها احيانا رقيقة كلمسة الفراشة .. واحياناً مؤلمة ولاسعة كقرصات النحل ..
بدأ جسدها المتشنج يلين ويسترخى تحت تاثير الكلمات الناعمة واللمسات التي تعرف مكامن الاسرار ودخلت في مرحلة خدر لذيذ وانتابتها مشاعر لم تشعر بها قبلاً ... كانت قد بدات تستسلم للمتعة الغامضة عندما سمعت صرخة الاستنكار الصادرة من زوجها ... أحست كانها في بئر عميق وجاهدت كي تطفو على سطح وعيها مجدداً .. تحولت الكلمات الهامسة الى سيل من اللعنات جعلتها تنتفض مذعورة وتعود الى تشنجها .. رفعت رأسها بدهشة وهالها منظر زوجها .. كان ضوء الفجر الشاحب قد تسلل من النافذة وانعكس على ملامحه التي ارتسمت عليها تقطيبة حادة .. وتحول لون بشرته الذهبي الى لون داكن غير مميز ... تصلبت عضلاته وجمدت حركاته وهو ينظر اليها بغضب شديد ... وقبل ان تستطيع سؤاله عما حدث كان قد هب واقفاً .. ارتدى ملابسه على عجل .. وغادر الغرفة دون كلمة واحدة تبدد حيرتها وتهدئ خوفها ...
عادت بلقيس الى الحاضر بارتعاشة قوية من جسد ابنتها المستكين بين ذراعيها ... فاحتضنتها بقوة ثم افلتتها وهي تسمح دموعها بيد حنونة وانخفض صوتها حتى صار اقرب للهمس ..

- ما تخافي يا رحمة .. مستحيل محمود يكون زي ابوك ولا يعمل العملو ابوك .. احنا في زمن مختلف وظروف مختلفة ... محمود ولد متدين وبيخاف الله .. وفوق دة كلو بيحبك وبيحترمك .. وانا لو ما اتاكدت من الحتة دي مستحيل كنت حوافق انك تعرسيهو ... وبعدين انا حاسة انو انتي كمان حبيتيهو برغم نكرانك للشئ دة ... وعشان اكون حقانية يا رحمة في حاجة لازم تعرفيها .. فشل زواجنا انا وابوك ما كان هو براهو السبب فيهو .. انا كمان كان لي دور في الشئ الحصل .. يمكن دور ما اخترته بارادتي واتفرض علي غصباً عني لكن في النهاية النتيجة واحدة ... يا بتي انتي مختلفة عني وبالتاكيد تجربتك حتكون مختلفة عن تجربتي .. انا دخلت الحياة الزوجية وكنت صفحة بيضاء ما فيها أي شئ ... لكن انتي داخلاها وصفحتك مليانة ... انا وريتك وشرحت ليك وفهّمتك ... والما قدرت اشرحو ليك .. جبت ليك كتب عشان تقري وتعرفي .. انا لمن جيت اعرس كل القالتو لي حبوبتك السرة حاجتين .. خليك دائما نضيفة .. خليك دائما مطيعة .. بس وبدون زيادة .. ودخلت العالم دة وانا شبه جاهلة شنو الطريق الممكن يوصلني لبر الامان .. لكن يا رحمة انتي ماشة وانا محفظاك كل الطرق ... كنت عاملة حساب اليوم دة عشان كدة من يوم ما ولدتك ما اعتبرتك بتي .. اعتبرتك صاحبتي ... حتى لمن كنتي طفلة في اللفة كنت باحكي ليك كل حاجة وباشاورك في كل شئ .. كنت باشكي ليك همومي وباضحك معاك ساعة فرحي ... وعمري ما ختيت حاجز الامومة والبنوة بيني وبينك لاني ما عاوزاك تفشلي زي فشلي ... ومن هسة باقول ليك عمرك ما تخجلي مني .. أي حاجة ما تعرفي تتصرفي فيها اول ايام اساليني وانا بوريك .. لكن كمان في المقابل حاطلب منك طلب .. اوعك تحكي لاي زول مشاكلك الخاصة شديد مع راجلك مهما كانت صغيرة ولا كبيرة .. أي مشكلة تحصل ليك ما تطلع من باب اوضة نومك لانو تدخل الاهل بيزيد المشاكل .. فهمتي ؟؟
احتضنتها مرة اخرى ثم ابعدتها عنها وهي تتامل ملامحها الجميلة التي ورثت معظمها من والدها ... ابتسمت لها ومسحت بقايا دموعها باطراف اناملها ثم امرتها بحزم...

- يلا قومي غسلي عيونك بموية باردة وابدي اجهزي عشان تمشي الكوافير .. رسلي أي زول يفتش اختك .. اكيد محشورة عند ناس رجاء .. البت دي تقول انا دفنت صرتها هناك .. بس ما تلقى فرقة الا تشيل رجلينها وتجري عندهم .. شوفوا منو من بنات نعمات عاوزة تمشي معاكم وما تنسي بنات خالك ابراهيم انتي عارفاهم معقدين خلقة ولو ما كلمتيهم حتبقى مشكلة .. اطلعي واقفلي لي الباب دة وراك عاوزة ارقد شوية ... ولو أي زول سال مني قولي ليهم امي عندها صداع وما تزعجوها ... انا بعد شوية بطلع ..

نظرت رحمة الى والدتها بحب كبير .. قبلتها في جبينها ثم خرجت واغلقت الباب خلفها .. بعد رحيلها جلست بلقيس وحيدة في غرفتها وهي تجاهد لابعاد شبح الذكريات المريرة .. لكن يبدو ان الدوامة التي بدات خلسة اصبحت اقوى بمرور الدقائق ولم يعد لها القدرة على مقاومة الانجراف والسقوط في اعماقها حتى القاع ...
صبيحة زواجها غاب عبد العظيم طيلة النهار ..كانت تشعر بالخوف والالم والجوع لكنها لم تجرؤ على طلب خدمة الغرف ..كل ما فعلته هو الاستحمام وتبديل قميصها الممزق ثم الجلوس والتفكير فيما حدث .. ظلت ساعات طويلة تحدق في الباب وهي تامل دخول زوجها ليخبرها ما الخطا الذي ارتكبته ... كان الوقت يتمطى ببطء حقود ... فكرت في الاتصال بامها .. لكن ماذا ستخبرها ؟؟ بأن زوجها هجرها في ليلة زفافها ؟؟ اذا انتشر الخبر سوف تصبح فضيحة مدوية لها ولاسرتها .. كيف ستواجه ابيها ؟؟؟ لابد انها اخطات في شئ ما .. لابد انها فعلت او قالت شيئاً اغضبه .. كانت تحفر عقلها باصرار حتى تتذكر احداث الفجر الغريبة ... لكن معظم ذكرياتها كانت مطموسة ومشوشة وتشعرها بالخجل .. ربما هي قلة خبرتها ؟؟ ربما لانها رفضته وتعللت بالتعب لتتهرب منه في بداية الليلة ؟؟ غلبها النوم وهي متقرفصة في الكرسي الضخم المواجه للسرير ... استيقظت فزعة على وقع خبطة قوية فقفزت حتى كادت تسقط ارضاً... كان زوجها يقف في فتحة الباب مترنحاً بعينان دمويتان ... كانت ملابسه متسخة ومجعدة .. ملامحه مجهدة وجامدة ... اقتربت منه بحذر ..

- عبد العظيم ؟؟ انت كنت وين ؟؟ مشيت وين وخليتني براي الوقت دة كلو ؟؟ في شنو ؟؟ انا عملت ليك شنو زعلك مني ؟؟

خطا خطوة الى الداخل واغلق الباب بكعب حذاؤه .. تقدم نحوها بمشيته المهزوزة والكلمات تخرج من فمه ثقيلة ..

- كنت في السما الاحمر ... مشيت في ستين داهية ..

كانت تتراجع خلفاً وقد ازداد خوفها من اسلوبه ومظهره .. ورائحته ..

- عبد العظيم ؟؟ انت سكران ؟؟

- ايوة سكران ... عندك مانع ؟؟
تعثرت خطواته المترنحة بطرف السجادة المفروشة على الارض وكاد يسقط .. فسارعت اليه بيد ممدودة لتساعده لكنه نفضها عنه بقسوة ونظر اليها شزراً ... ابتعد عنها وارتمى على طرف السرير وهو ما زال مرتدياً حذاؤه ... ومنذ تلك اللحظة بدا يمارس هوايته المفضلة بصب قطرات الاسيد الحارق على روحها ...

- تعرفي يا حرمنا المصون انك طلعتي صفقة خسرانة ؟؟ بضاعة مغشوشة ؟؟

انعقد لسانها من قسوة الكلمات وسالت دموعها غزيرة ..

- بس يا بت السرة انا عاوز اسالك سؤال ... دة شنو ده العندك ده ... يعني عيب اتولدتي بيهو ولا شنو ؟؟ واهلك الطالعين بيك السما ديل وعاملين فيها انو بتهم مكملة .. ما عارفين انك مشوهة كدة وما بتنفعي تعرسي ؟؟ ما تقولي لي انك مطهرة فرعوني وكلام من النوع دة ... انتي ما اول مرا اشوفها .. شفت كتار قبلك ... والظاهر حشوف اكتر بعدك.. يا زولة اقول ليك كلام ؟؟ انتي ميح خالص .. انتي شئ ما مفهوم شئ مقرف ..

خرجت من لسانه اصوات رفض واستنكار بينما كانت يداه تطاردان اشباح وهمية تحوم في الهواء فوق راسه ... فجاة رفع كفه امام وجهها الشاحب ...

- عارفة كفة يدي دي فيها تضاريس اكتر من العندك ؟؟ ... انا في الاول كنت قايل المشكلة في يدي ... لكن بعد شوية عرفت انو المشكلة فيك انتي ... المشكلة فيك انتي المشكلة فيك انتي...
ظل يردد هذه الجملة لفترة طويلة حتى اصبحت معلقة في فضاء الغرفة الساكن .. وعندما صمت اخيراً رفعت رأسها لتجده غارقاً في النوم براس معوج وقدم متدلية خارج السرير ... إنهارت ارضاً وبدات ترتعش من الالم الذي اجتاحها وسلب كل قواها ... هل من الممكن ان تنتهي حياتها الزوجية قبل ان تبدأ بسبب خطا لم يكن لها يد فيه ؟؟!! ...
كانت في السابعة من عمرها عندما اخبرتها امها بان ختانها هي وبدور سوف يكون الاسبوع المقبل صورته لهما وكأنه شئ يستحق الاحتفاء به ... كانت تجهيزاته تشبه تجهيزات العيد ... حضرت الخياطة الى المنزل واحضرت الاقمشة فاختارت بلقيس اجمل الالوان .. وقبل يومين من تاريخ الختان حضر والدها مبكرا وهو يحمل اربع اساور ذهبية عريضة وقلادة طويلة واقراط لكل واحدة من ابنتيه فتوارى الخـوف خلف فرحة الهدايـا والملابس الجديدة ... في اليـوم المشهود حضرت ( الدايـة ) في وقت مبكر ومعها مساعدتها بحقيبتها السوداء الكبيرة ... تم الختان بسهولة بحضور السرة التي امسكت بيد بناتها بينما قامت المساعدة بتثبيت القدمين .. احست بلقيس بوخزة الحقنة ومن ثم تبعها وضع شريط لازق صغير في راس الجرح .. كان الختان ايذانا ببدء اسبوع من الدلال الزائد اصبحت فيه طلباتها هي وشقيقتها اوامر تنفذ بلا نقاش ... انهالت عليهما النقود التي تبارى الاهل والجيران بدسها تحت الوسائد ... كانت بدور ابنة السادسة سعيدة لدرجة انها طلبت من والدتها ان تجري لها عملية ختان كل شهر ...
بعد انقضاء ثلاثة اسابيع ذهبوا الى القرية لزيارة الجدود ... وهناك حصلوا على مزيد من الهدايا والنقود ... عقب وصولهم بيومين وبينما كانت بلقيس تستعد للنوم مع صغيراتها اتت الجدة وبدا فاصل جديد من الاحاديث والحكايات .. فجاة طلبت منها جدتها طلباً غريباً جعل بلقيس تنكمش خجلاً..

- كدي تعالي يا بت يا بلقيس خليني اشوف طهورتك ...

رفضت بلقيس واختبات خلف امها .. لكن الجدة اصرت فما كان من السرة الا ان نهرتها بعنف

- يا بت انتي بتخجلي من حبوبتك ؟؟ يلا امشي وريها طهورتك ...

عندما خلعت سروالها الداخلي وباعدت بين قدميها , ارتسمت نظرة رعب في وجه الجدة وضربت صدرها بكفها وهي تشهق ..

- سجمي يالسرة !!! دة شنو ؟؟ وينو الطهور ؟؟ ما تراها البت قاعدة زي ما هي !! انتي بتغشي على روحك ولا على الناس ؟؟ وافضيحتنا لو زول عرف بناتك ما مطهرات دي بكرة تبقى لينا نبزة .. تعالي يا بت يا بدور خليني اشوفك انتي كمان .. والله الداية دي ضحكت عليكم وشالت القروش ساكت ... انتي مالك يالسرة ؟؟ عميانة ؟؟ ما شفتيها ولا ما شفتي بناتك ؟؟

عندما استطاعت السرة الرد على سيل التانيب ردت بحرج ...

- يمة حامد هو الجاب الداية .. وحذرها قدامي انها ما تطهر البنات فرعوني ... والله انتي لو عرفتي هو حتى طهورة السنة دي ما كان راضي بيها الا انا اصريت عليهو شديد ..

اخاف شكل الجدة الصغيرات فاختبان وراء ظهر السرة التي عجزت عن تهدئة امها الغاضبة

- شوفي يالسرة .. ما تقولي لي حامد ولا ابوهو العمدة زاتو ... من متين الرجال بيتدخلوا في الحاجات دي ؟؟ كويس انك جيتيني عشان نصلح الغلط دة ..بكرة بدري انا حرسل للداية الليلنا عشان تجي تطهر البنات ديل طهورة زي الناس ..

حاولت السرة الاحتجاج لكن الام المتسلطة قاطعتها بلهجة لا تقبل النقاش

- بكرة حنعيد الطهور يا بلقيس .. ولو خايفة من راجلك ما تجيبي ليهو أي سيرة .. انا مستحيل اخلي البنات بالصورة دي ... يا غبيانة بكرة يكبروا ومافي زول يرضى يعرسهم ليك ...
لم يكن امام السرة الا الموافقة على اصرار امها باعادة الختان شريطة اخفاء الامر عن حامد ... وفي صبيحة اليوم التالي تمت المجزرة ... وبرغم حقنة البنج الكبيرة التي وزعتها المراة الغليظة في جميع الاماكن .. لكن بلقيس احست بضربات الموس وهي تقطع لحمها البض تحت ارشادات جدتها..

- اقطعي كويس شيلي من هنا ... واسي الجنبة دي ... ما تخلي أي حاجة بارزة .. عاوزاها طهورة صح .. خليو املس زي كفة يدي دي ... خيتي لتحت شديد ... ضيقي الفتحة اكتر من كدة ...

كان الالم اقوى من قدرة بلقيس على الاحتمال فوضعت السرة قطعة قماش بين فكيها حتى لا تصرخ حاولت ان تبدي اعتراضها على ما يحدث لابنتها ... لكن الجدة لم تعطها فرصة واسكتتها بصوتها الجهوري ....

- مالك يا السرة ؟؟ انتي قعدة امدرمان خربتك ولا شنو ؟؟ ما ياها دي الطهورة العملناها ليك ولكل اخواتك .. وقبل كدة عملوها لينا نحن ولاماتنا وحبوباتنا ... لو ما قادرة تحضري اطلعي برة وجهزي البت التانية ...

غاصت الابرة المعقوفة عميقا في اللحم الطري وانتشرت رائحة الدم وعبأت جو الغرفة فافلتت بلقيس قطعة القماش واطلقت صرخات داوية هزت اركان البيت فانهارت السرة وهي تبكي عذاب ابنتها ..

- كفاية يا امي .. عليك الله كفاية البت حتموت ..

لمدة اسبوع بعدها ظلت بلقيس ترتعش من الحمي .. خاصمت الاكل .. امتنعت عن شرب الماء والتبول حتى تتفادى الالم الحارق للسائل الذي يخرج بصعوبة ويكوي جراحها النازفة ... احتباس البول داخل بطنها جعلها تنتفخ وتتكور حتى باتت كالحبلى .. اصيب الجميع بالقلق .. وعادت الداية المذعورة مرات ومرات ... واقتصرت مهمة الجميع في حثها على التبول بالاقناع احيانا .. وبالتهديد احيانا اخرى ... لم تعد والدتها تتزحزح من جانبها وهي تستجديها باذلال ..

- يا بتي استريني الله يسترك دنيا وآخرة .. لو أبوك عرف حيطلقني ... انتي عاوزاني اتطلق يا بلقيس ؟؟ لو ما بقيتي كويسة دة الحيحصل .. انتي ما صغيرة وعارفة شنو معنى الطلاق مش كدة ؟؟ انا والله ندمانة وسافة التراب لاني وافقت حبوبتك على إعادة الطهور لكن خلاص الحصل حصل .. الله يرضى عليك يا بلقيس ما تبقي سبب طلاقي من ابوك ...
تعللت السرة بمرض والدتها حتى لا تعود الى بيتها ويكتشف حامد ما فعلته بابنتهما ... وكانت تدعو الله عدم حضوره .. بعد اسبوعين تماثلت بلقيس جسديا للشفاء ...لكن روحها كان قد اصابها شرخ غائر لم تشف منه ابداً ... لكن ما حدث لها اعفى شقيقتها الصغرى من مؤامرة المجزرة ..
بمرور الايام تناسى الجميع التجربة المؤلمة حتى وصلت بلقيس الى مرحلة البلوغ وبدات مشاكلها الصحية تتزايد ... كانت تعاني بصمت وخجل من التهابات متواصلة .. واصبحت ايام دورتها الشهرية فترة معاناة لا توصف ... لم تكن تشتكي .. لكن كثيراً ما تفضحها اهات المها ودموعها العاجزة .. في احدى المرات وبعد ان فشلت كل جهود السرة في تخفيف الآمها باكواب النعناع والحرجل المغلي ... سالتها بهمس ...

- بلقيس ؟؟ انتي بتبلعي حبوب المغص الجابها ليك ابوك ؟؟

- آي ببلعها.. لكن ما عاملة لي أي شئ .. انا اكتر شئ متعبني انو الدم ما بنزل كويس عشان الفتحة ضيقة شديد .. ومرات بتجمع وبيكون قطع لمن تجي تنزل بتالمني تعرفي انا مرات الا ادوس شديد عشان طرفها يطلع واقوم اجرها لبرة ... يمة ؟؟ ممكن توديني لدكتورة تعمل لي عملية توسع الفتحة دي شوية ؟؟؟ انا خلاص تعبت وما قادرة اتحمل الالم دة كل شهر ...

كانت المرة الاولى التي تناقش فيها بلقيس مشكلتها مع أي مخلوق آخر ... واتى رد فعل السرة الغاضب ليجعلها الاخيرة ...

- سجم خشمي .. كيفن يعني تعملي عملية وتوسعي الفتحة ؟؟ يا بت انتي جنيتي ولا شنو ؟؟ ما عاوزة اسمع كلام فاضي زي دة ... وما عافية منك لا دنيا ولا آخرة كان جبتي السيرة دي تاني .. انتي ما اول ولا آخر بت تتالم .. ياهو دة سلو البنات كلهن من الله خلق الدنيا ولمن تقوم القيامة .. اتحملي شوية ... بكرة تعرسي والمشكلة تخلص ...

لكن يبدو ان مشكلتها الحقيقية قد بدات بعد الزواج ولم تنته به ... كان راس بلقيس المتلصق بالارض ينبض الماً وهي تستمع الى شخير عبد العظيم الرتيب ... الحت عليها افكار يائسة ..كان اشدها إيلاماً ان التعاسة ستكون قدرها المسطور الذي لن تملك منه فراراً ...
مر الاسبوعين المقررين لبقائهما في الفندق ببطء السلحفاه ... واحست بلقيس كأن معاناتها تزيد من طول الزمن وتمدده الى ما لا نهاية ... وعندما اعلن زوجها برغبته في مغادرة الفندق احست بالفرح لاول مرة منذ فترة طويلة لان البقاء في غرفة الفندق المنعزلة اصبح عذابا يفوق الوصف ... كان عبد العظيم يغيب عنها بالساعات الطوال تاركاً لها حصيلة من الكلمات المهينة التي تجرحها بصورة لم تكن تتخيل انها قد تتحملها ... وعند حضوره يبدا فاصل العذاب الجسدي .. لم يعد للامر علاقة بالمتعة او الرغبة بعد ان تحول الى تحد وصراع بين رجل فخور بقدراته وامكاناته .. وحاجز منيع رفض الاستسلام ... كانت تستعد له كما الشاه التي تساق الى الذبح .. تستلقي في السرير جسدا بلا روح وتنتظر الهجوم الشرس الذي تزيده مناعة الحاجز شراسة ... احيانا كانت تضع طرف الغطاء بين اسنانها حتى لا تفضحها صرخاتها .. تماما كما علمتها امها يوم اعادة ختانها ... وكثيرا ما انقذها فقدانها للوعي من معايشة الالم الرهيب ...
عادت الى المنزل الفخم الذي اثثه لها زوجها قريبا من اهلها ... وهناك حاولت الحفاظ على الصورة المتوقعة للعروس السعيدة وبدات في استقبال المهنئين وتلبية الدعوات ... بعد عودتها بيومين زارتها امها واخواتها وهن محملات بالهدايا والحلويات ... حاولت اخفاء هزال جسدها بالثوب السميك ... ووضعت طبقات من مساحيق التجميل حتى تخفي شحوب وجهها والهالات السوداء التي ارتسمت تحت عينيها ... تظاهرت بالسعادة .. ضحكت للدعابات .. واستمعت للاخبار ببال شارد ... اخيرا انفردت بها السرة في غرفة نومها واغلقت الباب بوجه بناتها المحتجات وهي تحاول معرفة احوال ابنتها مع زوجها ...

- اها يا بلقيس انشاء الله مبسوطة مع عبد العظيم ؟؟ شكلك ما عاجبني .. ضعفتي ولونك غمق وبقيتي عاملة زي الليمونة الممصوصة ... يا بت هوي ما تخلي الراجل دة يعذبك شديد ..

واصلت كلامها بغمزة موحية ...

- باقي يا بتي رجالنا ديل ما شاء الله عليهم ما بيفتروا .. خصوصا اول ايام ... لكن انتو لسة صغار والعمر كلو قدامكم ... بكرة تزهجوا من بعض وتتذكروا الايام دي وتضحكوا على روحكم ..

انحدرت دموع بلقيس غزيرة فرسمت خطوط متعرجة على قناع البودرة السميك ... اندهشت السرة فهبت من مكانها وجلست بالقرب من ابنتها لفت ذراعها حول كتفيها وسالتها بانزعاج ...

- بلقيس ؟؟ مالك بتبكي ؟؟ في شنو ؟؟ عبد العظيم زعلك في شهر العسل ؟؟ قولي لي ما تدسي مني انا امك ومافي زول حيشيل همك اكتر مني ..

هزت بلقيس راسها ومسحت دموعها بسرعة

- لا يا امي مافي حاجة ... عبد العظيم كويس خالص معاي .. انا بس اشتقت ليكم شديد وفرحانة بشوفتكم ... صدقيني ما في حاجة ..

تاملتها السرة بنظرة فاحصة وخبيرة ثم تنهدت بعمق ...

- معليش يا بلقيس انا عارفة الايام دي صعبة عليك قدر شنو ... انتي بالذات لانو وضعك مختلف عن باقي اخواتك ... لكن اتحملي ..بعد شوية بتبقى الامور عادية .. اتحملي يا بتي .. اتحملي ...
حاولت ان تتمسك بنصيحة امها .. فتحملت شتى صنوف الالم الجسدي والمعنوي ... لكن يبدو ان تقدم عبد العظيم البطئ وعدم قدرته على اختراق السد المنيع اصبح اكبر من قدرته هو على التحمل خصوصا بعد ان فقدت الوعي ثلاث مرات خلال ثلاث محاولات متتالية .. في المرة الاخيرة وبعد ان افاقت اتجهت الى الحمام بخطوات واهنة ... عند عودتها وجدته جالسا على طرف السرير وهو ينفث دخان لفافة التبع بشراهة ... نظر اليها بحقد واحتقار ..

- تفتكري يا بت السرة انا اعمل معاك شنو ؟؟!! انا زهجت وقرفت وكرهت اليوم العرستك فيهو ..

قاطعته بهدوء ...

- وديني لدكتورة ...

هب صارخاً...

- اوديك دكتورة ؟؟ والدكتورة حتعمل ليك شنو ؟؟انتي عاوزة تفضحيني ؟؟ عاوزة الناس تقول علي ما قدرت ؟؟ لعلمك انا مافي ( مـرا ) قبـل كـدة غلبتني ... لكن انتي ما ( مرا ) انتي حاجة كدة مشوهة ومبتورة وما معروف ليها راس من قعر ... انتي ..

قاطعته بصوت حاد زاعق ... صوت امراة اصبح جرحها اكبر من قدرتها على السكوت ..

- كفاية حرام عليك يا عبد العظيم .. انت ما بتتعب من التجريح والاهانة ؟؟ يا اخي انا جبرتك تعرسني ؟؟ انا جريت وراك ؟؟ مش انت الجريت وراي واصريت برغم انك كنت عارف اني ما عاوزة اعرسك ؟؟ انت بتعاقبني على شنو ؟؟ وضعي دة انا ما لي ذنب فيهو ... دة شئ حصل وانا عمري سبعة سنين ... يا ود الناس قدامك حاجة من اتنين يا توديني لدكتورة تشوف لينا حل .. ولا ترجعني بيت ابوي .. ولغاية ما تقرر تاني ما تلمسني ولا تجي جنبي .. كفاية العذاب الانا عايشة فيهو لي شهر كامل ..كفاية يا عبد العظيم .. كفاية ..
خيار الانفصال بعد شهر واحد من الزواج لم يكن وارداً في حساباته ولا يستطيع تحمل تبعاته ... اخذها الى طبيبة معروفة في مجالها ... وبعد الكشف جلسا متقابلين امام مكتبها ...

- شوف يا سيد عبد العظيم ... حالة زوجتك دي ما اول حالة تجيني بالصورة دي .. وان كانت اصعب حالة ختان اشوفها لغاية الان ... يبدو انكم حاولتوا بالطرق العادية وفشلتوا ودة واضح من الجروح والتمزقات الشفتها ... انا عندي حلين للموضوع وانتو اختاروا البناسبكم .. الحل الاول اننا نعمل جراحة صغيرة نوسع بيها الفتحة لمستوى معقول والباقي الطبيعة حتتكفل بيهو ... الحل التاني انك تصبر لفترة ممكن تطول او تقصر حسب التجاوب والاستعداد وانا ممكن اديكم مراهم وملينات تحد من الالم وتساعد على سلاسة العملية .. القرار راجع ليكم انتو الاتنين فكروا وادوني ردكم ..

اتت كلمات بلقيس في شكل رجاء حار ..

- العملية

واتى رد عبد العظيم حاسماً

- عملية لا ..

نهضت الطبيبة من مقعدها ... ونظرت اليهما بتفهم ..

- انا حخليكم مع بعض شوية .. اتناقشوا وقرروا .. لمن ارجع وروني عاوزين شنو ..
حاولت بلقيس اقناع زوجها بالموافقة على العملية لكنه رفض بشدة .. خرجا من عيادة الطبيبة بروشتة طويلة قام عبد العظيم بشراءها من الصيدلية المجاورة ... ليلتها خف الالم قليلا كما قل تذمر عبد العظيم ... عندما اكتمل الشهر الثالث لزواجها ... بدات اعراض الحمل تظهر على بلقيس ... وانحصر وحمها في رفضها العنيف لزوجها .. لرائحته ولوجوده وكل ما يختص به ... كانت تصاب بالغثيان ما ان تراه وتغيب داخل الحمام فترات طويلة وهي تتقيا كل ما بداخلها حتى هزلت صحتها ولم تعد تقوى على الوقوف ... فوافق عبد العظيم على مضض بانتقالها الى بيت ابويها .. وظلت هناك اربعة اشهر وهي تحاول ان ترمم روحها المتصدعة ... بعد عودتها .. اعفاها زوجها من رؤيته الا فيما ندر ... يغيب طيلة النهار .... يعود عصراً ليتناول طعامه وحيداً .. يستحم ويتعطر ويخرج ... يعود بعد منتصف الليل منتشياً وتفوح منه روائح نساء أخريات ...
اتت رحمة الى الوجود فزرعت السعادة في قلب بلقيس المتقرح ومكثت اربعون يوما في منزل والديها وعندما عادت الى منزلها ملأها احساس بالغربة والخوف ...كانت اول ليلة هي الاسوأ ... عاد زوجها متاخراً كالمعتاد فتظاهرت بالنوم كي لا تواجهه .. لكنه اضاء نور الغرفة ووقف في نهاية السرير يراقبها بصمت حتى اضطرت الى رفع راسها والنظر اليه .. خاطبها بابتسامة ساخرة

- اهلاً يا حرمنا المصون .. حمد الله على السلامة .. شنو نايمة من بدري كدة ؟؟ مش تستنيني لمن ارجع ؟؟ ما اشتقتي لي بعد الغياب دة كلو ؟؟

اجابته ببرود وهي تشيح بنظراتها تجاه سرير ابنتها النائمة

- اهلاً عبد العظيم ... اتكلم براحة البت نايمة ... ما قدرت استناك لاني تعبانة .. وبعدين انت مش عارف اننا جايين الليلة .. اتاخرت برة قدر دة ليه ؟؟

وبذات اللهجة الساخرة اتى رده وهو يدنو من السرير

- آسفين ياستهن .. كان مفروض استناك وافرش ليك الارض ورد كمان ... ما رديتي على سؤالي .. ما اشتقتي لي ؟؟ انا شخصياً اشتقت للضيق ويباس الريق .

ردت بلقيس بلهجة منتصرة ...

- ما تتعب روحك يا عبد العظيم ... ما بقى في ضيق ولا يباس ريق ..

ابتسمت شامتة وهي تتذكر رفضها القاطع لمحاولات السرة بان تعيدها كما كانت قبل الانجاب وغضبها عليها عندما طردت الداية التي احضرتها خصيصا للقيام بالمهمة قبل ان تكمل اربعينها بيومين .. لقد اسكتتها بحدة لم تكن معهودة فيها ..

- امي .. عليك الله كفاية العملتي فيني زمان .. ارجوك ما تلحي كتير لاني مستحيل اكرر الغلطة دي تاني .. المرة الاولى ما كنت بقدر ارفض ولا اقول لا ... لكن المرة دي لو بقى التمن طلاقي من عبد العظيم ما بسويها ... انتي يا امي كيف ترضي لي اني اتعذب بالصورة دي عشان هو يستمتع ؟؟ انا ما انسانة ؟؟ ما عندي احساس ؟؟ انتي عاوزاني ابقى زي الغنماية رسني في يد غيري وما عندي رأي حتى في ادق خصوصياتي ؟؟ كلمة واحدة والله واحد يا امي .. لو السماء انطبقت على الارض عملية ما بسوي ... واي شئ حيحصل خليهو يحصل ما هاميني ...
يبدو ان ابتسامتها الشامتة ولهجتها المنتصرة قد اثارتا غضبه من ضمن اشياء اخرى .. فكان هجومه ساحقاً ... لكنه فوجئ بان الحصن المنيع قد اشرع ابوابه على مصراعيها واستسلم بلا مقاومة .. فتوغل بعنف الغازي الحانق من سرعة الاستسلام .. عندما انتهى من هجومه .. نظر اليها بغضب وخرجت كلماته محملة بالكراهية ..

- بالاول كنتي علّة لكن على الاقل كان فيك شئ يخلي الزول يتحملك ... هسة بقيتي مقرفة وخسارة الواحد يتعب فيك ... انعل ابو اليوم الاسود العرستك فيهو ...

بعد شهرين بدات تظهر آثار غزوة تلك الليلة في دورة جديدة من الوحم الرافض لوجود الزوج واللجؤ الى بيت والديها والعودة المتقطعة التي فوجئت في احداها بوجود امراة اخرى في بيتها ... مع زوجها .. وفي سريرها ... كانت في شهرها الثامن ترافقها بدور لاحضار بعض اغراض رحمة التي تركتها نائمة في احضان السرة ...
كان اصعب ما فعلته هو الجلوس مع والدها وشرح مجمل معاناتها مع زوجها دون التطرق للتفاصيل المخزية ... وطلبت منه ان يدعمها في طلب الطلاق ..

- طلاق ؟؟!! طلاق شنو يا بلقيس ؟؟!! احنا ما عندنا بنات بتتطلق .. وبعدين انتي ناسية انك حامل وعلى وش ولادة ؟؟ كدة استهدي بالله وخليك في الطفل الجاي دة .. انا حشوف الموضوع مع عبد العظيم وحخليو يجيك لغاية عندك ويبوس راسك كمان .. ولمن تتحلي بالسلامة انشاء الله ترجعي بيتك معززة مكرمة ..
لم يقتنع والدها بفكرة الطلاق الا بعد ان اتاه ابراهيم غاضبا من منزل عبد العظيم وهو يحمل رده الوقح على طلب والد زوجته بالحضور اليه ...
- لقيتو في البيت ومعاهو واحدة شكلها غريب كدة وقال انها مرتو مع اني اشك في الكلام دة .. المهم لمن قلت ليهو انك عاوزو رد علي بكل قلة ادب وقال لي مش ابوك العاوزني ؟؟ يبقى هو يجيني .. انا ما بمشي لزول .. وبعدين لو عاوزني عشان ارجع اختك ما حيحصل .. زي ما طلعت براها ترجع براها .. ولو عاوز يقول لي طلقها .. ما بطلقها حخليها كدة زي البيت الوقف ومعلقة بين السما والارض ... اها تاني عاوزين شنو ؟؟ عليكم الله ما تحمدوا ربكم اني راضي ببتكم دي وماسكها ليكم ... هي دي محسوبة مرا مع النسوان ... والله دي ربع مرا ما جاية ...
في صبيحة اليوم التالي غادر حامد في رحلة قصيرة الى القرية ... عاد وهو يحمل معه حرية ابنته التي اصبحت فعلية بعد انجابها لمنال ... يومها اقسمت بلقيس ان لا يدخل حياتها رجل آخر ... وبرغم الضغوط التي تعرضت لها على مرّ السنين .. وبرغم تميز كل من تقدم طالباً يدها .. كانت ترفض باصرار شديد وبجملة ثابتة لا تتغير ...
- انا الرجال ديل ختيتهم مكان حامد ابوي وابراهيم اخوي ...
ما ان اكملت منال سنتي رضاعتها حتى قررت بلقيس العودة الى دراستها الجامعية ... تفوقت بجدارة حصلت على شهادة الماجستير في الادب الانجليزي ثم تبعتها الدكتوراه ... هاهي الان ... تعمل استاذة بالجامعة ... رحمة على وشك الزواج .. ومنال في سنتها الاولى بكلية الطب ... كانت تفكر بان القدر قد تصالح معها اخيراً ...
توالت طرقات قوية على باب الغرفة فاعادت بلقيس الى واقعها .. فوجئت بصدرها المبلل بالدموع .. فمسحت عينيها وحاولت استعادة اكبر قدر من السيطرة على افكارها .. نهضت ببطء وفتحت الباب لتجد حبيبة زوجة ابراهيم منتصبة امامها بقوامها المتمرد ونظراتها الكسيرة

- بلقيس ؟؟ انتي هنا وحجة السرة قالبة عليك الدنيا برة ؟؟!!

- اهلاً يا حبيبة .. كان عندي حبة صداع وقلت ارقد اريح شوية .. قولي ليها جاية ... بناتك مشوا مع رحمة الكوافير ؟؟

رمقتها حبيبة بنظرة ممتنة

- ايوة .. رحمة اصرت تسوقهم كلهم معاها ..

اهدتها واحدة من ابتساماتها الشحيحة ثم غادرت بخطواتها الراقصة التي اورثتها لبناتها ... كانت بلقيس تراقبها والافكار تتضارب في راسها

- والله يا حبيبة انتي حكايتك حكاية !! اصلاً الزول ما بيطلع منك بحق ولا باطل .. لكن كونك اتحملتي امي وعمايلها فيك ما يوم ما عرستي ابراهيم .. انا بعتبرك بطلة .. وهي امي بس !! ابراهيم راجلك زاتو مشكلة ماشة على رجلين .. وما عارفة انتي بتحبي فيهو شنو ولا من الاساس وافقتي تعرسيهو ليه ؟؟

كانت تهم باغلاق الباب عندما اندفعت نحوها ابنتها الصغرى منال

- امي استني دقيقة ... اديني قروش زيادة .. العالم كلو مشى مع رحمة الكوافير ويمكن العريس ما يكون عامل حساب ناس كتار ونقوم نحرجو ..

اخرجت بلقيس محفظتها واعطت ابنتها رزمة من الاوراق المالية

- اسمعي يا منال ... ادفعي للبنات كلهم وخلي العريس يدفع لرحمة بس ... وما تاكليني زي كل مرة .. جيبي باقي القروش راجعة ...

اختطفت منال الرزمة ودستها في حقيبتها وهي تطبع قبلة قوية على خد امها

- حاضر يا احلى ام في الدنيا .. لو ... يعني باقول لو فضلت حاجة كتيرة بارجعها ليك ولو شوية حلال علي بتك الصغيرة ...

همت منال بالمسير فسالتها بلقيس ...

- انتي ماشة مع منو ؟؟ ما تركبي تكسي براكي سوقي معاك زول يتقلك في السكة ..

اجابت منال دون ان تلتفت لوالدتها بصوت بدا متردد ومهتز ..

- ما تخافي يا امي .. جمال ولد خالتي رجاء حيوصلني ... يلا مع السلامة .. اشوفك بعدين ..
فتحت منال باب السيارة وما ان استقرت داخلها واغلقت الباب حتى انطلق جمال بسرعة ...

- بسم الله .. مالك مستعجل كدة ؟؟

قالتها بلهجة تقطر رقة وعلى شفتيها ابتسامة حانية .. وكانت لهجة جمال لا تقل عنها رقة وابتسامته تضاهيها حنواً ..

- عشان عاوز اقعد معاك اطول فترة ممكنة قبل ما اوصلك الكوافير ... منال انا لي قريب اسبوع ما شفتك زي الناس ومشتاق ليك شديد .. ما كنت قايل قلبك قوي للدرجة دي وحتقدري تقعدي من غير ما تشوفيني !!

حرر يده اليمنى من عجلة القيادة وقبض بها على يدها اليسرى .. رفعها ببطء وطبع قبلة حارة على راس كل اصبع ... احست منال برعدة تجتاح جسدها من تاثير ملمس شفتيه .. احست بانها تذوب فهمست له ..

- جمال يا مجنون .. احنا في الشارع ..

انزل يده وهي ما تزال قابضة على يدها ووضعها على فخذه ... سحبت منال يدها .. قلبت كفه وبدات ترسم فيها خرائط وهمية وهي تتابع خطوطه المتقاطعة بلمسات خفيفة .. توقفت قليلاً في وشم الصليب المرسوم اعلى كفه واصبعها يدور حوله بشرود .. ثم تابعت رحلتها في مجاري عروقه النابضة بخربشة حانية من اظافرها القصيرة ... ارتعش جمال وتسارعت انفاسه وهو ينطق باسمها

- منال ... انا ما عدت قادر اتحمل الوضع دة ... لازم نقعد ونتكلم عشان نعرف حنعمل شنو ...

على الفور تغيرت ملامح منال الهائمة وارتسمت عليها تقطيبة حادة ... سارعت بوضع يدها على شفتيه برجاء

- جمال .. ارجوك ما الليلة ... حنتكلم بس ما الليلة ... خلينا نخلص من عرس رحمة وبعد كدة اوعدك اننا نقعد مع بعض قعدة طويلة ونناقش كل شئ ... انت ما حتقدر تتخيل انا تعبانة كيف من وضعنا دة ... لدرجة مرات باحس اني حاجن من التفكير الكتير .. ما عارفة حتصرف كيف ولا حاعمل شنو ... الشئ الوحيد المتاكدة منو يا جمال هو احساسي ناحيتك ... احساس نقي وصادق وقوي وعميق ... احساس اتجاوز من زمان عائق اني مسلمة وانت مسيحي..
تهدج صوتها وامتلات عيناها بالدموع ... ترك جمال يدها وبدا يلتفت يمينا ويسارا .. ابطا سيارته وانحرف في احد الازقة الضيقة وتوقف ... التفت الى منال الباكية .. فتح ذراعيه على اتساعهما .. احتواها بينهما وضمها الى صدره بحنان جارف وتغلغلت يداه بين خصلات شعرها الناعم تمسده بلمسات متتابعة ... بينما وضع شفتيه بالقرب من اذنها هامساً ...

- آسف يا منال .. صدقيني حبيبتي ما قصدت اعكنن عليك او ازعلك ... وحياتي ما تبكي انتي عارفة انا ما باتحمل اشوف دموعك ... انا بس كنت عاوز نقعد نتكلم مع بعض عاوز نلقى حل لوضعنا ... منال انتي عارفة انا بحبك قدر شنو ... انا مش بحبك وبس انا بعبدك بعد ربنا .. انا حبيتك من انتي طفلة عندك تلتاشر سنة .. يشهد ربنا اني حاولت اقاوم احساسي بيك ... حاربت نفسي ومشاعري .. حاولت المستحيل عشان ما اتورط معاك لدرجة اني سعيت ارتبط باي بت من جماعتنا ..كنت عارف انو أي علاقة بيننا مستحيلة وانو حبي ليك حيدخلنا احنا الاتنين في متاهات ومشاكل ما بنقدر نواجهها كنت بكتم احساسي بصعوبة خصوصا لمن اشوفك قدامي .. عشان كدة اول ما دخلت الجامعة قررت اقعد في الداخلية برغم احتجاج ماما اني اخلي البيت .. حاولت اركز كل تفكيري في الدراسة عشان انساك ... بس انتي بوظتي كل العملتو عشان اتفاداك لمن دخلتي انتي وجاكلين نفس الكلية معاي السنة الفاتت .. بقيت مسئول عنكم الاتنين وحاولت اتعامل معاك زي ما بتعامل مع جاكلين ... دخلت نفسي في دور الاخو الكبير عشان ما اتذكر حبي ليك .. وكنت مسيطر على الوضع كويس لغاية اليوم الجاتني فيهو جاكلين تجري وقالت انو اغمى عليك في المشرحة لمن بدا الدكتور درس التشريح على جثة حقيقية .. لمن وصلت ليك كنتي واعية لكن شكلك مخيف .. اصريت ارجعك البيت وخليت جاكلين تكمل محاضراتها عشان تجيب ليك الدفاتر وما يفوتك شئ .. متذكرة الحصل اليوم داك يا منال ؟؟ في نص السكة قلتي لي انك ما عاوزة ترجعي البيت بحالتك دي عشان امك وحبوبتك حيتخلعوا لو شافوك كدة .. طلبتي مني اني الف بيك شوية بالعربية لغاية ما تهدي ... ما تتخيلي فرحت قدر شنو للفرصة الجاتني من السما عشان اكون معاك براي ولو لفترة قصيرة ... لكن في نفس الوقت كنت خايف ... ايوة يا منال خفت افضح نفسي قدامك .. قلت اعمل فيها الولد جاد وعرضت عليك ندخل متحف التاريخ الطبيعي اهو في سكتنا ... دخلنا وبدينا نحوم .. ما عارف الحصل شنو ولا كيف حصل لكن فجاة اكتشفت اننا ماشيين وماسكين ايدين بعض .. قعدنا وبرضو ماسكين ايدين بعض ..كأنو دة الوضع الطبيعي المفروض يكون بيننا .. كاننأ متفقين ... كان تصرف تلقائي وبسيط لكن خلاني اطير من السعادة لانو لحظتها بس عرفت انك ممكن تكوني بتبادليني نفس الاحساس ....
انسلت منال من بين ذراعي جمال بعد ان وجدت فيهما السكينة التي كانت تحتاجها ... تاملت وجهه القلق وملامحه المقطبة .. رفعت يدها الناعمة وبدات تمسد مكان التقطيبة بين حاجبيه .. فانحبست انفاس جمال وقبض على يدها المرتعشة فتح كفها المتعرق ... طبع عليه قبلة طويلة وقوية .. ثم اغلقه .. اغمضت منال عينيها واسندت راسها على ظهر المقعد وقد لفهما صمت هائم .. وعندما استعادت منال قدرتها على الكلام كانت كان صوتها مبحوحاً ...

- تعرف يا جمال يمكن ما تصدق انا حبيتك متين ... من اول مرة شفتك فيها ... أي والله كان حب من اول نظرة ... لمن طلعت اقدم صحبتي ولقيتك واقف بتعاين للعمال البنزلوا عفشكم من اللوري ... لفت نظري شكلك .. كنت حزين شديد وزي البتبكي .. لحظتها حنيت عليك وقربت اجي اسالك مالك بس خجلت ... ولمن اتصاحبنا كلنا وبقيت اجي بيتكم كتير .. كان اعجابي بيك بيزيد يوم ورا يوم ... بعترف انو بالاول كان شكلك هو العاجبني ... لكن بعد فترة بقيت مبهورة بادبك واخلاقك وشطارتك واحساسك بالمسئولية ... وبالطريقة البتعاملني بيها .. حسستني كأني اميرة في واحدة من القصص الخرافية ... كنت قدام الناس كلها زول جاد وعرفت تدس مشاعرك كويس ... الا مني انا ... كنت حاسة بيك ... كنت عارفة انك بتبادلني نفس الاحساس ... مرات كتيرة وفي فورة اندفاع المراهقة داك قربت اصارحك .. لكن الخوف والخجل منعوني ... لمن مشيت الداخلية زعلت وفرحت في نفس الوقت ... زعلت لانو غيابك خلق جواي فراغ مافي أي شئ قدر يملاهو .. وما كنت باحس اني ملانة الا لمن تجي من الداخلية نهاية الاسبوع واشوفك ... فرحت لاني كنت خايفة من الاحساس الجواي ... وقلت اثناء غيابك حاقنع نفسي انو دي مشاعر عابرة ولازم اتخلص منها ... كنت عارفة شنو ممكن يحصل لو أي زول عرف بمشاعري الانا داساها بحرص ...لكن يا جمال المشكلة بقت انو انت في وجودك ولا غيابك كل يوم بتتزرع جواي اكتر ... وكل ما اكبر يوم احساسي بيك بيكبر معاي .. يوم مشينا المتحف داك كان اسعد يوم في حياتي برغم اننا ما قلنا ولا كلمة لبعض دخلنا ومشينـا وقعدنـا واحنا ساكتين تصدق انا حتى ما متذكرة منو فينا مسك ايد التاني !! لكن الشئ المتذكراهو انو ايدينا دي قالت كلام كتير كان اللسان خايف وعاجز يقولوا .. ومن اليوم ولغاية هسة مشاعرنا زادت الاف المرات وبقت اعمق وانضج ... انت عارف انو دي اول مرة تنناقش في موضوعنا ؟؟ انا كنت عارفة انو حتجي لحظة لازم نقعد ونتكلم ونحدد حنعمل شنو ... وكنت خايفة من اللحظة دي خوف الموت ... لاني بالجد محتارة احنا حنتصرف كيف ...

عندما صمتت بانفاس متهدجة .. ادار جمال محرك السيارة واصبحت تعابيره مصممة وجادة ...
- ما تخافي يا منال انشاء الله ربنا بيسهل علينا الامور لانو هو بس العالم بالاحساس الجوانا وقدر شنو هو نقي وصادق ... " الله محبة " وهو العادل ... ما حيرضى اننا نتظلم ... انا بس عاوزك تكوني قوية خالص ... وتقتنعي من جواك اننا حنكون لبعض مهما حصل وتختي في بالك انو قرار ارتباطنا حيكون اصعب قرار نتخذه في حياتنا كلها .. واننا لازم نحارب عشان ناخد حقنا ...

ساد بينهما صمت طويل حتى وصلت منال الى " الكوافير " وقبل ان تترك السيارة ضغطت على يده بقوة .. ثم ترجلت بخطوات تعبة تتابعها عينا جمال باشفاق حتى اختفت خلف الباب الزجاجي المظلل باللون الاسود ...

جاكس
06-11-2012, 04:39 AM
الفصل الخامس


تهادت رحمة بفستانها االابيض يتبعها ذيله الطويل على طول الممر المفروش بالسجاد الاحمر ... بدت فاتنة بطولها الفارع وتقاطيعها الجميلة ونظراتها الحالمة .. بين ذراعيها استكانت باقة ورد ناصعة ومزينة بشرائط زهرية لامعة ... تعلقت يدها بيد زوجها الفخور الذي بدت سعادته واضحة في الابتسامة الطفولية الجذلة .. بينما تابعته نظرات الفتيات وهن يتهامسن على اناقته الملفتة ... فقد بدا كأحد فرسان العصور الوسطى ببذته السوداء التي تضارب لونها مع قميصه الابيض والفراشة الحمراء التي تزين عنقه و يتماشى لونها مع حزام الستان العريض في خصره ...
تقدم الموكب صبي صغير يحمل مصحفاً وضع في وسادة من المخمل الاحمر ... تبعته قافلة من الصغيرات اللائي قمن بنثر اوراق الورد على طول الممر لتطاها اقدام الفتيات الاكبر سنا وهن يحملن الشموع البيضاء المزينة بالشرائط الزهرية ... ومن خلف رحمة كانت الاشبينات يدرن كالفراشات وقد احتار الناظرون اليهم في تحديد ايهن اكثر جمالا من الاخرى ... كان همس الحرير يتطاير حول اجسادهن المغرية في فساتين زهرية ناعمة وتكللت رؤوسهن بتيجان من الورد الطبيعي بنفس اللون ... تعالت الزغاريد وبدات موسيقى هادئة تعزف الحانها ووقف معظم الحضور حتى يحظى بمتابعة اوضح للموكب الفخم المتقدم ببطء في الممر الطويل ... من بعيد ظهر حامد ود العمدة وهو يسير برصانة الملوك .. احتضن العريس مهنئاً وقبل حفيدته في جبينها بحنو .. من خلفه وقفت بلقيس بهيئتها المتناقضة ... كانت دموعها تسيل بغزارة في وجه علته ابتسامة مشرقة كضوء الشمس اطلقت زغرودة طويلة بدت وكانها سوف تستمر للابد .. ثم احتضنت ابنتها في عناق قوي استغرقت منال وقتا كي تفصمه وهي تهمس في اذن امها ...

- امي .. فكيها عشان التسريحة ما تخرب ... وما تبكي عشان عشان رحمة حتبكي معاك وتبوظ المكياج ...
عندما وصل الموكب اخيرا الى (الكوشة) الفخمة ..كانت عينا رحمة تدوران بقلق وهي تتامل الحضور بحثا عن وجه بعينه ... عندما اعيتها المحاولة مالت على امها التي تمسك يدها بقوة وهي تسالها ..

- امي ؟؟ حبوبة السرة وينا ما شايفاها ؟؟!! ...

ردت بلقيس بخفوت وهي تتلقى سيل التهاني ...

- حبوبتك تعبت شوية ... اليوم كان طويل عليها وانتي عارفة صحتها ما بقت تستحمل قالت بترتاح حبة وتطلع ..

ظهر الفزع على ملامح رحمة وعلا صوتها بدون وعي وهي تخاطب امها ...

- حبوبة تعبانة وما شافتني لمن دخلت ؟؟ تعال يا محمود ارح جوة نسلم على حبوبة ..

ووسط دهشة الحضور امسكت رحمة بيد زوجها وهي تشق الجموع الى الباب الكبير المؤدي الى المنزل تتبعها بلقيس وهي تقديم التبريرات لتصرفات ابنتها ...

- ماشة تسلم على حبوبتها عشان ما قدرت تطلع تشوفها ...

كانت تلتفت خلفا بانزعاج وهي تبحث عن ابنتها الاخرى ..

- تعالي يا منال ارفعي فستان اختك عشان ما يتوسخ ...

على سرير في منتصف الباحة الخلفية بدت السرة المستلقية وهي تتامل النجوم بصمت وغارقة في خيالاتها كأنها في عالم آخر ... انتبهت على صوت الزغاريد والضجة المصاحبة للعروس .. ابتسمت بفرح وهي ترى حفيدتها تتقدم نحوها مسنودة بيد زوجها ونظرات القلق تملا عينيها ..

- حبوبة مالك ؟؟ سلامتك ... صحي تعبانة ؟؟

نهضت السرة وغطت راسها بثوبها واطلقت زغرودة عالية ثم احتضنت حفيدتها وانحدرت دموعها وهي تردد ...

- ما شاء الله تبارك الله .. الصلاة على النبي .. بتي القمرة عروس ؟؟ يا ولد يا محمود تخت رحمة دي جوة عيونك .. دي الغالية بت الغالية .. واوعى يوم تجي تشتكي لي منك ..

تحلّق الجميع حول سرير السرة التي اقنعت حفيدتها انها بخير وطلبت منها الخروج حتى يبدا الحفل وما ان غاب الموكب عن انظارها حتى دست يدها تحت الوسادة واخرجت علبة صغيرة تناولت منها لفافة تبغ رفيعة .. وضعتها على شفتيها باحتراف .. مالت وهي تحجز شعلة اللهب الصغيرة المتراقصة من تيار الهواء ... امتصت نفساً عميقاً حتى توهج طرف اللفافة ثم عاودت الاستلقاء على ظهرها ومراقبة النجوم ... لقد اعادتها فرحة رحمة الى ذكرى اخرى بعيدة ذكرى فرحتها وهي تزف الى حبيبها ابراهيم ... اخرجت الدخان من فمها ونفثته في الجو فتعالت حلقات متراصة تتسع كلما صعدت الى اعلى حتى تتلاشى مع هبات النسيم ... ابتسمت السرة بسخرية فقد كانت الحلقات الدخانية تشبه حياتها تماماً ... الان لم تعد تهتم بما آلت اليه ايامها .. فقد اصبحت كل اللحظات متشابهة ومكررة للحظات عاشتها قبلاً ... لحظات عاشتها بعمق ... صادقت فيها حزنها وتجاوبت مع فرحها ... تجاوزت الصعاب وتخطت الاحباطات ... هادنت الالم وتغلبت عليه .. كانت دروس مهادنة الالم هي الاصعب والاكثر قسوة لانها بدات باكراً ...

تذكرت صباحا شتويا دافئا تدثرت فيه بفانلة الصوف وهي ترسم خطوط لعبة ( الحجلة ) بعود صغير على ارض الحوش الجافة تناوبت بعدها هي وشقيقاتها الاكبر سناً في رمي الحجر ومحاولة تمريره من مربع لآخر وهن يقفزن بقدم واحدة ...كانت في منتصف اللعبة عندما اتت والدتها واقتلعتها من وسط ضجيج اللعب دون ان تابه لاحتجاجها ... ادخلتها غرفتها حيث ( الطشت ) الملئ بالماء الساخن .. فركت جسدها الصغير بالصابون المعطر ... جففتها وجدلت لها شعرها الطويل الكثيف ... البستها قميصاً جديدا زاهيا ... واقتادتها الى غرفة الضيوف المحرمة عليهم في الاحوال العادية ... احست ابنة السابعة بالحيرة .... وسرعان ما تحول احساسها الى الم حاد وصرخات مذعورة اطلقتها بينما كانت الداية تقتطع لحمها بحضور امها المراة القوية التي لقنتها في ذلك اليوم اول دروس مهادنة الالم وهي تهمس في اذنها...

- اسكتي يا بت ... اقفلي خشمك دة واوعاك تتعودي على الصريخ ... المرة التمام ما بتكورك ولو اكلت الجمر ... صوتك دة ما يطلع برة ابدا فاهمة ولا لا ؟؟

لم يتوقف صراخها ... لكنه انعكس واصبح موجه الى داخلها ... لم تعد تصدر صوتا ... بينما امتلات اعماقها بضجيج الالم ... كانت طفلة تضج بالحياة ... ممتلئة القوام بوجه مستدير كالقمر .. وشعر اسود طويل وكثيف .. عيون سوداء لامعة ولون مائل الى السمرة ولكنه يجافيها ... عندما بلغت العاشرة تجدد موعدها مع الالم ... لكن هذه المرة حرصت امها على تهياتها نفسياً لاستقبال ما هو آت ... حفزتها بكلمات مبهمة عن مدى اهمية هذا الطقس ودوره في ابراز جمالها ونقلها من دنيا الاطفال الى عالم النساء ...يبدو ان المها والشتاء كانا على وفاق ... فقد كان البرد قارساً .. وعندما اشتكت من حدته لامها نهرتها قائلة ...
- البرد احسن عشان الجرح يبرا سريع وما يحصل ليك شئ ...

كانت ( الشلاخة ) عجوز شامخة مشهورة بدقتها ومهارتها في قريتهم والقرى المجاورة ... تتميز بوجع مفلطح عريض لامع السواد احتل الانف الافطس مساحة كبيرة منه .. عيناها صغيرتان كحبات الخرز .. ومن اطراف المنديل الابيض المربوط باحكام على راسها ... ظهرت مقدمة شعرها خشنة ومبرومة كحبات الفلفل الاسود ... عندما تتحرك تتبعها موجة من روائح المحلبية المختلطة برائحة اخرى لم يستطع انفها الصغير تمييزها ...
في ذلك اليوم لم تستطع التمسك بنصيحة امها ... وهزت صرخاتها فضاء البيت عندما شرعت الشلاخة في شق خدودها بموس حاد ... بدات بالخد الايمن فرسمت فيه ثلاث خطوط طولية عميقة ثم انتقلت الى الخد الايسر لترسم شبيهتها ... حاولت ان تتملص وتفلت من الالم الذي مزقها لكن مساعدات الشلاخة القويات قمن بتثبيتها حتى خارت قواها ... لحظتها تمنت الموت حتى تتخلص من الالم ... عندما انتهت العملية غسلوا لها جروحها ووضعوا عليها قطع قطن مشبع بالمحلبية والقطران ظل الالم يلازمها قرابة الشهر عانت فيه ما عانت من حمى وهذيان .. تورم وجهها حتى صار كالبالون ... عافت نفسها الاكل وحرمت حتى من نعمة البكاء كي لا تنزل دموعها المالحة على جروحها المفتوحة وتزيد المها ... لم تنظر الى وجهها في المرآة الا بعد مرور شهرين واحست بسعادة غامرة عندما وجدته مزيناً بشلوخ عريضة ... عميقة ومنتفخة ... نسيت معاناتها السابقة واصبحت تتباهى بشلوخها المتقنة بين قريناتها .
عندما بلغت الخامسة عشرة كانت قد اصبحت امراة مكتملة الانوثة ... ووقتها سمعت لاول مرة جملة ( ابراهيم للسرة والسرة لابراهيم ) وانتفض قلبها طرباً لفكرة الزواج من ابن عمها الامين عمدة القرية ... كان يكبرها بثلاث سنوات ... تميز عن اخوانه بوسامة ظاهرة وذكاء حاد ... وبعد ان انهى دراسته الثانوية توقع الجميع ان يتفرغ لادارة تجارة ابيه الواسعة خصوصا بعد ترشيحه لمنصب العمدة خلفا لوالده بحكم انه اكبر الاولاد ... لكنه فاجا الجميع بقرار دخول الجامعة في العاصمة ... انقبض قلب السرة عندما سمعت بقراره ... انتابتها الهواجس وملات عقلها الوساوس خوفا من ان يغير ابن عمها رايه من الزواج بها اذا ما عاش في العاصمة ووجد اخرى تنسيه ابنة عمه القروية لكنه بدد مخاوفها وكان وفيا لارتباطه بها ... وعند عودته في اجازاته الدراسية التي كانت تمر بسرعة البرق .. كان يجلب لها الهدايا ويغمرها بالاهتمام ... اكمل دراسته بعد اربع سنوات مرت عليها كالدهر وجعلتها تزداد تعلقا به الى درجة مخيفة ... لقد احبته بكل جوارحها ومشاعرها البكر واختزل بوجوده كل الرجال ... بعد تخرجه عقد قرآنه عليها وامهلها سنة حتى تتهيا للزواج ....
في التاسعة عشرة كانت قد اصبحت من اجمل بنات القرية .. اكمل وجهها استدارته واصبحت شلوخها اعمق وادكن ... ظهرت اشراقة الحب جلية في ملامحها وحركاتها ... توزع امتلاء جسدها بشكل مغر ... نفر صدرها معلنا عن وجوده بافصح الطرق ... تضمر خصرها وبرزت خلفيتها بصورة جعلتها موضع حسد الكثيرات اللائي يتهامسن ما ان يرينها عند ظهورها في أي مجتمع ( السرة ام صلب جات ) ...
بدات طقوس الانتقال من عالم البنات الى دنيا النساء بكل حماس ... كانت تجلس في حفرة الدخان بالساعات الطوال حتى تفحم لونها وصار بسواد الشملة التي تتغطى بها ... جدلت شعرها الطويل في ضفائر صغيرة بعد ان اغرقته بدهن ( الكركار ) .. خاصمت الكحل الذي تعشقه ... واعتزلت الخروج من المنزل مهما كانت الاسباب ...
وقبل موعد العرس بثلاثة اشهر جددت عهدها مع الالم عندما خضعت لوشم شفتها السفلي ايذانا بانتقالها النهائي الى مجتمع النساء المتزوجات ... كتمت انفاسها بينما كانت الابر الصغيرة الحادة تغرز بسرعة وحرفية ... اغمضت عينيها حتى لا ترى الدم المندفع برغم طعمه الذي ملا فمها ... حاولت ان تلهي نفسها عن التفكير فيما يحدث لها بالغرق في تذكر حبيبها ولقاءتهما الخاطفة عند حضوره الى منزلهم ... نظراته الواعدة ولمساته المختلسة عندما يضمن اختفاء الاعين المراقبة ... كانت تتوق ليوم زواجهما .. وتتلهف كي يصبح كل منهما ملك للاخر ...
عندما انتهى الوخز المؤلم مسح الدم بقطعة نظيفة وذر نبات النيلج على شفتها المتقرحة التي تورمت حتى احست بانها تحمل شيئا غيرها في وجهها .. وكان الالم رهيبا خصوصا عندما تحاول شرب الماء .. فقط الغوص في خيالها مع ابراهيم كان يخفف المها ويجعلها تحتمل كل ما تمر به ليقينها بانها تفعله من اجله .. وكي تكون جميلة امام عينيه ...
في يوم العرس كان قلب السرة يتقافز في صدرها كقطة مشاغبة ... استيقظت فجرا وظلت في سريرها ساكنة ... تفكر ... وتحلم ... وعندما بدات الشمس تنشر ضياءها اصبح المكان حولها كخلية نحل .. لكنها ظلت مسجونة داخل الغرفة المظلمة ولا يسمح برؤيتها الا للمقربون .. كانت تتامل بدهشة وفرح نقوش الحنة السوداء التي رسمت باتقان من اطراف اصابعها وحتى منتصف ذراعيها ومن اصابع قدميها حتى منتصف ساقيها .. جسدها الذي توالت عليه ابخرة حطب الشاف والطلح والكليت والهبيل ... اكتسب نعومة مذهلة خصوصا بعد جلسات الفرك بعجينة ( اللخوخة ) المخلوطة ببودرة الكركم وقشور البرتقال المجفف المطحون والتي كانت تتم صبحاً ومساءَ على ايدي خادمات قويات ... بدا ضجيج الخارج بعيدا عنها وهي سارحة في امنياتها وخيالاتها .. مرت ساعات اليوم كالبرق وما ان مالت الشمس نحو الغروب حتى اتت امها وخالاتها وهن يحملن الصناديق الخشبية المشغولة بالاحجار الملونة والاصداف وبدات طقوس التزيين وارتداء الملابس المرهقة ... تولت شقيقاتها تعطير كامل جسدها بزيت الصندل حتى صار لامعاً متوهجاَ .. عطراً ... واحست بوخزات مؤلمة عندما شُد رباط ( الرحط ) حول خصرها باحكام لينزلق فوقه فستان الستان الاحمر القصير... صففت خالتها شعرها الطويل وتركته منسابا خلف ظهرها ليغطي خلفيتها المتوثبة ثم وضعت فوقه ( الجدلة ) المنضومة من جنيهات الذهب الخالص .. من اذنيها تدلت ( الفدو ) الضخمة .. وامتدت (الرشمة ) من خلف اذنها حتى انفها ليصبح وجهها المستدير بشلوخه العميقة مضيئاً بانعكاسات لون الذهب والستان الاحمر ..
تغطى صدرها الناهد ( باللبة ) الكبيرة المتوارثة في العائلة منذ اجيال .. وكاد عنقها ينحني من ثقل عقود ( القصيص ) و ( الفرجلات ) ... تراصت عشرات الاساور على يديها وأحاطت ثعابين ذات عيون حمراء لامعة بأعلى ذراعيها ... على الساقين وضعت ( حجول ) كبيرة اظهرت جمالهما وزاد الكحل الاسود عينيها عمقا واتساعاً ... وبعد انتهاء طقوس ارتداء الملابس والزينة احضرت احدى شقيقاتها ( مبخر ) ملتهب الجمرات ووضعت فيه قبضة من اعواد خشب الصندل المعطر ووقفت السرة فوقه بصبر حتى تشبعت به واصبحت رائحتها مزيج مثير يشاغب الخيال ويلهب المشاعر .. اخيراً لفت قوامها بثوب حـريـري احمـر مزين بـورود ذهبيـة لامعـة .. تغطت ( بالقرمصيص ) وتهادت في مشيتها مصحوبة بالزغاريد وأدعية الحفظ من امها وخالاتها .. وتنافست طلقات الرصاص المحتفية بمقدم العروس .. كانت تتقدم بخطوات بطيئة ومدروسة حتى وصلت الى المكان المعد لجلوسها مع زوجها .. عندما رفع ابراهيم ( الفركة ) عن وجهها احست باحتباس انفاسه فنظرت اليه بخجل ... كان يبدو رائعاً بطوله الفارع الملفوف في ( توب السرتي ) بلونيه البيج والاحمر ... توسط جبينه العريض هلال ذهبي مربوط بقطعة من المخمل الاحمر ... احست بدقات قلبها تتصاعد في اذنيها .. واصابها دوار خفيف جعل بقية احداث الليلة مشوشة ... تتذكر منها لمسة ابراهيم على فخذها عندما همَ بقطع شعرات الرحط المربوط على خصرها ... كانت لمسة خاطفة اشعلت النار في حواسها المرتعدة ووعدتها بالكثير ..جعلتها تهيم في عالـم آخـر فاصبحت طقوس ( الجرتق ) كانها حلم افاقت منه على رذاذ اللبن الذي رشه ابراهيم بسخاء على وجهها ..
بدا الحفل بغناء حماسي رفرفت له القلوب وارتفعت العصى والسيطان عالياً ... اغمضت عينيها خوفاً وهي ترى حبيبها ينهال ضربا على ظهور اخوانه واقرباؤه واصدقاؤه المتلفحين بشجاعتهم وصمودهم امام لسعات (سوط العنج ) اللاهبة وهي تصلي الجلود العارية .. حتى حامد شقيق زوجها الصغير وقف بشجاعة متحملاً الضربات التي مزقت جلده الغض بلا رحمة ... ارتفعت حرارة المشاركة وزادت الحماسة عندما تعالت زغاريد النساء الفخورات وهي تمجد شجاعة رجالهن في تحمل الالم .. كان ( بطان ) حامي الوطيس ولم يتخلف عنه احد ...
بعد انتهاء الحفل جلس زوجها بقربها وهمس في اذنها ...

- السرة ... احنا حنسافر بكرة انشاء الله الخرطوم ... عارفك تعبانة شديد عشان كدة حاصبر لغاية بكرة ... ارتاحي الليلة ونومي كويس .. لانو لمن نصل هناك مافي نوم..

اخجلتها كلماته الموحية فلم تستطع الرد ولا مواجهة نظراته ...ضغط على يدها برفق وابتسامته تملا وجهه الوسيم ...

- انتي لسة بتخجلي مني يا السرة ؟؟ بعد دة خلاص مافي خجل بينا .. بجيك بدري خليك جاهزة ..

اختار ابراهيم فندق جديد مشيد في منطقة هادئة وجميلة ... عاشت فيه السرة ايام لن تنساها ابدا كانت خليط من المتعة والالم .. اختبرت فيها احاسيس لم تكن تظن انها تملكها ... تعرفت فيها على نفسها وكنوزها بصورة لصيقة ... عاشت اوقات من السعادة الخالصة التي جعلتها تندم على كل لحظة من عمرها مرت بدون وجود ابراهيم فيها ...
بعد عودتها الى القرية انتقلت الى بيت العمدة في جزء خصص لها .. وبدات تتعمق في تفاصيل حياتها الزوجية حتى خيل اليها انها كانت زوجة لابراهيم منذ الازل ... عندما انقضت سنة على زواجها .. تقدم ( بلة ) شقيق زوجها الاصغر لخطبة شقيقتها الصغرى ... وعندما انجبا اول طفل لهما بعد سنة اخرى من زواجهما بدأ الجميع يتساءلون عن سبب عدم انجابها هي وابراهيم ... وكانت بداية رحلة طويلة من العلاج استمرت ثلاث سنوات رفض خلالها ابراهيم كل الضغوط التي مورست عليه للزواج مرة اخرى بحجة ان السرة عقيم ولن تنجب له اطفال ...
عندما بدات اعراض الحمل تظهر على السرة لم تصدق نفسها واصرت على استشارة الطبيبة قبل ان تبشر زوجها الصابر الملهوف ... بكت بحرارة عندما تاكد حملها .. وافرغ ابراهيم عشرون طلقة من مسدسه في فضاء المنزل ... ذبحت العجول ووزعت على فقراء القرية ... وعادت البسمة الى وجه السرة .. حرص زوجها على ملازمتها طيلة الوقت واقتصرت سفراته الى العاصمة على الامور التي لا يمكن تخليصها من القرية ... كان حمل السرة يتقدم سلسلاً بلا مشاكل وبطنها يتكور باندفاع تباهت به بين نسوة الحي ... في نهاية شهرها السادس سافر ابراهيم الى العاصمة لعقد صفقة مع احد التجار ... غاب عنها لمدة اسبوع مر عليها كالدهر ... وفي اليوم المقرر لعودته استعدت لاستقباله بلهفة امراة عاشقة .. كانت تجلس على كرسي امام المرآة وهي تتزين بحرص ... جدلت شعرها الطويل بالطريقة التي يحبها زوجها .. كانت تبتسم لانعكاس صورتها وهي تمرر يدها على بطنها المنتفخ بحنان عندما تناهت الى سمعها اولى الصرخات الملتاعة ..
ركضت خارجاً تستقصى الامر وقد انقبض قلبها من صدى الحرقة والمرارة التي شابت هذه الصرخة ... عندما وصلت الى الحوش وجدت والدة زوجها مرتمية على الارض وهي تحثو التراب على راسها ووجهها ... بينما جلس عمها العمدة منهارا وقد انحنت قامته التي كانت دوما منتصبة بفخر وكبرياء ... كانت شقيقات زوجها يبكين بحرقة اخافتها فاقشعر جلدها وانتابتها مشاعر غامضة .. ما ان رآها الجميع في طرف الحوش حتى تزايد العويل باصوات وهمهمات لم تميز منها غير اسم زوجها .. تسمرت قدماها على الارض وبدات تهز راسها بعنف حتى ينزاح الكابوس الذي يجثم على صدرها ويكاد يسلبها روحها لكنه لم يختف ... بل اذداد حدة بوصول جيوش من البشر الذين تحلقوا حولها دون ان يجرؤ احد منهم على الاقتراب منها ... فقد بدت كالشبح وهي تسمع نعي زوجها الذي كانت تنتظر وصوله بفارغ الصبر ... دارت عيناها بذهول فيمن حولها .. ثم نظرت الى قميصها الجديد بلونه الاخضر الزاهي .. لقد ارتدته خصيصاً لعودة حبيبها ... لابد ان يعود ليراها وهي ترتدي اللون الذي يحبه ... لابد ان يعود ليرى طفله ... لابد ان يعود ...
فجاة امسكت بمقدمة القميص بيديها الاثنتين وشقته بكل قواها ... وقعت ارضا وهي تتدحرج في تراب الظهيرة الحار ... كان بطنها العاري يهتز وهو يرتطم بالارض كانه بالون ممتلئ بالماء ... حاولت بعض النسوة ايقافها .. لكن حزنها امدها بطاقة زئبقية فافلتت من كل محاولات التثبيت ... واذداد العويل حدة على الزوجة المفجوعة حتى شق صوت العمدة حشد النساء قبل جسده ... خلع عبائته وستر بها الجسد العاري وهو يثبتها وينهرها بصوت حازم ...

- السرة ... استغفري ربك ... البتسوي فيهو دة حرام ... استغفري ربك ...

لم تستجب لكلماته لانها انهارت بين ذراعيه وفقدت الوعي ..
ظلت السرة تقاوم واقع موت زوجها بالغياب في عالم آخر .. اعترى الخوف الجميع عليها وعلى جنينها خصوصا بعد مرور اسبوع كامل لم تفتح فيه عيناها الا للحظات قليلة تنظر فيها الى من حولها بتوهان ثم تعود الى عالمها دون ان تنبس بحرف ... استدعى العمدة امهر الاطباء من العاصمة في محاولة يائسة للحفاظ على حياة ارملة ابنه وحفيده ... كانت التشخيصات متشابهة ...

- ما تقلقوا يا جماعة .. دي ردة فعل نفسية معروفة بتعبر بيها عن رفضها لخبر وفاة زوجها ... بس لازم ننقلها مستشفى ويتعمل ليها نظام تغذية بالوريد حفاظا على سلامة الجنين ... انشاء الله بعد فترة حيبدا عقلها يتقبل الحقيقة ويتعامل معاها ...

نقلت السرة الى المستشفى في شندي وهي ممعنة في غيابها ... وعندما استعادت كامل وعيها وغادرت المستشفى بعد عشرون يوما .. قرر جنينها ان يغادر ملاذه الآمن في احشائها ويواجه العالم مع امه الحزينة ... ولد في شهره السابع ..طفل خديج ضعيف بالكاد يستطيع الصراخ ... وضع داخل جهاز لمدة شهر كامل ظل فيه متارجحا على خيط رفيع طرفه بيد السرة التي تحارب للحافظ على رائحة زوجها التي اورثها لابنه ... وطرفه الآخر بيد ابراهيم المتلهف لرؤية ثمرة حبه لزوجته في النهاية انتصرت ارادة السرة وعادت الى بيت العمدة وهي تحمله لتبدا مراسم العزاء مرة اخرى وتعيد تجديد عهد السرة مع الالم ...
- حبوبة !! انتي بتبكي ؟؟!! ...

انتفضت السرة وتبادلت نظرات مندهشة مع منال التي كانت تحمل طبق ملئ بالطعام بيد وزجاجة المياه الغازية بالاخرى ... دهشة السرة التي ظهرت في ملامحها كانت اكبر من انزعاج الحفيدة .. فهي لم تكن تتوقع ان يكون مخزون الالم في اعماقها بهذا الزخم والتوهج ... ظنت ان السنين قد حولت جمرها الى رماد .. وان الذكريات اصبحت باهتة ومترهلة كجسدها ... لقد ظنت ان حياتها مع حامد والتي فاقت الاربعين عاما قد طمست ذكرى خمس سنوات عاشتها مع ابراهيم ... ابتسمت بسخرية وهي تفكر بان سنين العمر كلها .. او ما بقى منها لن تستطيع ان تمحو من عقلها ذكرى الرجل الوحيد الذي احبته بكل احاسيسها ...

- مافي حاجة يا منال .. انا بس ما هاين علي فراق رحمة ...

عبست منال وخاطبت جدتها بلهجة مازحة ...

- اعملي حسابك يا حبوبة .. انا كدة حغير واقول انك بتحبي رحمة اكتر مني .. هسة لمن اعرس حتبكي علي ولا حتقولي بركة الاتحليت من البت المزعجة دي ؟؟

نهرتها السرة وهي تحاول ان تتمالك نفسها ..

- يا بت انتو كلكم عندي واحد وباحبكم قدر بعض ... ما سمعتي المثل البيقول اعز من الولد ولد الولد ؟؟

- طيب يا حبوبة يلا قومي اتعشي انتي الليلة من الصباح ما اكلتي كويس وصحتك ما بتتحمل صيامك دة ... يلا انا حاقعد معاك لمن تاكلي عشان نطلع برة سوا ... رحمة عاوزة تشوفك في الخيمة .. وقالت لو ما بتقدري تطلعي هي حتجي تقعد معاك جوة ...

جاكس
06-11-2012, 04:40 AM
الفصل السادس


كان الحفل صاخبا كما هو متوقع من عرس في حوش ود العمدة .. انقسم الصيوان الكبير الى جزئين الرجال من جهة المدخل الرئيسي والنساء في الجزء الداخلي .. بينهما مساحة واسعة تعج بالاجساد التي تفرغ طاقتها في الرقص حيث تلاشت الحدود وتمازجت الانفاس وتلامست الكتوف وتباعدت
في منتصف الحلقة وقفت نعمات بجانب رحمة وزوجها وبلقيس وهي ترقص برزانة .. بقربها وقفت اميرة ابنتها الوسطى التي تماثلها قواماً وتميزت عن اختيها بلونها الذهبي الوهاج وتقاطيعها الجميلة لكزتها نعمات وهي تهمس في اذنها ..

- اخواتك وين ؟؟ ليه ما جوا يرقصوا مع بت اختهم ؟؟

- ما عارفة يا امي .. نادية ما شفتها من لحظة ما دخلنا مع رحمة .. وهادية انتي عارفاها بعد ما لبست الفستان ابت تمشي معانا للصورة وقاعدة جوة اوضتها وقالت ما طالعة الحفلة ..

ظهرت علامات الغيظ على وجه نعمات وهي ترفع يدها الممتلئة بالحى الذهبية وهمست مرة اخرى في اذن اميرة ...

- تعرفي البنات ديل حيعملوا لي جلطة ... امشي فتشي نادية وخليها تجيني هنا سريع وادخلي لهادية قولي ليها امي قالت ليك لو ما جيتي طالعة هسة دي شوفي الليلة حيحصل ليك شنو .
كان البحث عن نادية مهمة صعبة في الصيوان الكبير ووسط الجموع الراقصة .. لذلك قررت اميرة احضار هادية اولا حتى تطفي غضب امها ثم تتفرغ للبحث عن نادية التي اختفت بصورة غامضة عقب دخولهم مع رحمة .. بدات تشق الزحام تلاحقها العيون المعجبة بجمالها الآسر وجاذبيها الطاغية الكامنة في عيونها العسلية الواسعة وخطواتها الرشيقة والغمازتان العميقتان اللتان تنغرزان باغراء في خدودها عند اقل تعبير في وجهها .. بدات نظراتها تدور في مسح سريع بلا تركيز وهي تامل في مصادفة شقيقتها الكبري ... تعثرت خطواتها وكادت تسقط لولا يد قوية ثبتتها ... رفعت راسها لتشكر منقذها فاحتبست الكلمات في حلقها عندما تصادمت عيناها بعيني (عمار ) ابن شقيقة السرة ... لقد التقيا في عدة مناسبات عائلية .. واحست بشرارات تندلع كلما تصافحا ... لم يكن وسيماً بالمعنى المتعارف عليه ... لكنه محاط بجو رجولي غامض لفت انتباهها واثار اعجابها منذ زمن طويل .. لكنها لم تكن تجرؤ على التفكير فيه او الافصاح عن مشاعرها لاي كان ... فهو يحمل رائحة زوجة ابيها التي تبغضها امها اكثر من أي شئ آخر تعرفه ... سحبت يدها من قبضته القوية بنعومة وهي تهمس ..

- شكرا يا عمار .. معليش ما كنت منتبهة قدامي بفتش على نادية .. ما شفتها ؟؟

عندما هز راسه نفيا حاولت ان تواصل طريقها لكنه لم يتزحزح عن دربها وثبت نظراته في وجهها الفاتن وانتشرت ابتسامته حتى عمق عينيه وهو يتاملها بدقة ..

- كيفك يا اميرة ؟؟ .. انا من قبيل باحاول اوصل ليك وما قادر لانك واقفة جنب خالتي نعمات .. عاوز اتكلم معاك في موضوع مهم ..تعالي نرقص عشان تبقى وقفتنا مع بعض عادية ...
فزعت اميرة من طلبه ... نعمات غاضبة بما فيه الكفاية من اختفاء شقيقتيها ... ولن تغامر باثارة غضبها اكثر فاعتذرت بسرعة ...

- معليش يا عمار .. امي مرسلاني وما بقدر اتاخر عليها ... خليها وقت تاني ..

- خلاص موافق بس اوعديني ما تزوغي مني زي كل مرة .. انا محتاج فعلا اتكلم معاك والموضوع بيهمك زي ما بيهمني ...

نظرت خلفها بقلق وهي تامل ان لا تلتفت امها وتراها برفقة عمار ..حاولت اختصار الكلام..

- والله ما بزوغ يا عمار ولو ما لقيت فرصة الليلة بكرة حنتكلم .. انت حتقعد للصبحية ولا ماشي ؟؟

- حتى لو مشيت بجي راجع مخصوص عشانك .. خلاص اتفقنا ؟؟ وبرضو بتمنى تجي ترقصي معاي ..

هزت راسها بشرود وهي تتفادى جسده الذي يسد طريقها ... ارتعدت حواسها من عمق نظراته وما تحمله من حديث سري لم يغب معناه عن قلبها ... وكان هو ينظر الى غمازتيها العميقتين .. واحس برغبة قوية في ان يضع اصابعه داخلهما ... رفع يده بحركة لاشعورية .. لكن اميرة كانت قد هرولت واختفت خلف البوابة الكبيرة ...
كان منزلهم يبعد قرابة المائة متر من البيت الكبير الخاص بزوجة ابيها .. وبرغم محاولات نعمات المستمرة باقناع زوجها بناء سور يفصل البيتين عن بعضهما ... الا انه رفض بصورة قاطعة .. وكانت اجابته الحاسمة في كل مرة تعيد نعمات طلبها ..

- آخر شئ اعمله اني ابني حواجز اسمنت بين بناتي .. مش كفاية الحواجز العملتوها انتي والسرة ؟؟
كان منزل ابراهيم الاقرب اليهم فحرصت نعمات على توطيد علاقتها مع زوجته ( حبيبة ) نكاية في ضرتها ... حتى بنات ابراهيم كن اقرب اليهن من اخواتهن .. دخلت المنزل الهادئ واتجهت من فورها الى غرفة هادية ... وقبل ان تدخل من الباب المنفرج تناهى الى سمعها صوت بكاء مكتوم .. لابد ان شقيقتها الصغرى تمر باحدى نوبات اكتئآبها ... فتحت الباب ونظرت اليها باشفاق .. كانت تجلس على الارض باستسلام وقد اتكا ظهرها على خلفية السرير العالية .. امامها تناثرت اطباق الطعام وتبعثرت بقاياه حولها بفوضى ... سيطر على جو الغرفة رائحة البيض المسلوق فاصبحت خانقة .. انتشر فتات الخبز والجبن وملا الفستان الزهري الذي تلطخ ببقع زيت الاطعمة ... كان اوداجها منتفخة بالطعام الذي لم تكن تمضغه بل تبتلعه بسرعة تتبعها بجرعات متتالية من زجاجات المياه الغازية المتراصة حولها .. كانت تاكل وتبكي في نفس الوقت ... عندما احست بحركة الباب رفعت وجهها ونظرت الى شقيقتها بحقد وخاطبتها بتحدي ...

- عاوزة شنو يا اميرة ؟؟ خليتي الحفلة وجيتي ليه ؟؟ وبتعايني لي كدة مالك ؟؟ عمرك ما شفتي ليك زول بياكل ؟؟

حاولت اميرة ان تعتصم بهدوءها المعروف امام ثورة هادية ..

- امي بتسال عليك وقالت ليك تعالي برة .. واكيد هسة رحمة زعلانة منك لانك ما رضيتي تمشي مع الشباين ...ولا حتى جيتي باركتي ليها ...
نهضت هادية بتثاقل وهي تتكئ على ركبتيها ويديها .. وبدات تقطع المسافة بينها وبين اميرة بخطوات متكلفة ... وهي تتكلم بلهجة ممتلئة مرارة ...

- عاوزيني امشي مع الشباين ؟؟ طيب ايه رايك في المشية دي ؟؟ رهيبة مش كدة ؟؟ زي مشية الدب .. ولا اقول مشية الفيل احسن ؟؟ انتو عاوزين الناس كلها تضحك علي وتقول شوفوا خالة العروس السمينة ؟؟ ولا عاوزني امشي جنبكم عشان رشاقتكم وحلاوتكم تبين ؟؟ انا من الاول قلت ليكم ما عاوزة احضر العرس ولا ابقى شبينة .. انتو الاصريتو تخيطوا الفستان عشان تختوني امام الامر الواقع ... اها الفستان دة هاك ليهو ؟؟؟

مدت يدها الممتلئة وانتزعت بعنف الوردة المثبتة في اعلى الكتف .. رمتها ارضا وهي تدوس عليها بكلتا قدميها .. احمرت عيناها انفعالا وبدا جسدها الضخم يرتعش من الغضب ..

- امشي قولي لامك هادية قالت ما عاوزة تحضر الحفلة وما حتطلع برة مهما حصل .. وما تنسي تقولي ليها اني قاعدة آكل وعدي ليها الصحون وقزاز البيبسي .. اجري يا رشيقة يا حلوة احضري الحفلة وارقصي وخلي اختك الدبة قاعدة في مكانها ...
احست اميرة بالم ينغرز في احشائها كالسكين وهي ترى بؤس هادية وكآبتها ... كانت طفلة عادية ممتلئة قليلا عن قريناتها اللائي يماثلنها سناً ولكن ليس بصورة شاذة ... بدات مشاكلها مع اعتاب مراهقتها عندما زاد وزنها تدريجيا حتى وصلت الى حجم مخيف مما جعلها انطوائية وعدوانية وتفضل العزلة ... واصبحت تتحدى قرارات نعمات لتنظيم وجباتها بمزيد من الافراط في الطعام ... بمرور السنين تفاقمت مشكلتها النفسية والجسدية ... وزاد الامر سوءاً الاسلوب الساخر الذي تعامل به الناس مع حجمها خاصة زميلات المدرسة حتى باتت تكره الدراسة وتتعلل بالمرض معظم ايام الاسبوع .. تتابع هبوط مستواها الدراسي حتى وصلت الى آخر القائمة .. ثم قررت هجر المدرسة والبقاء في المنزل دون ان تهتم بالضغوط التي مارسها عليها الجميع للعدول عن رائيها ... حتى حامد المتباعد عن مشاكل بناته تدخل بناء على الحاح نعمات وامرها بالذهاب الى المدرسة .. يومها استشاطت هادية غضبا وواجهت والدها بما لم تستطع أي واحدة من بناته قوله له ...

- غريبة يا ابوي !! اول مرة اشوفك تهتم بمشكلة تحصل في البيت دة لواحدة فينا ... الحصل شنو ؟؟ ما كنت دائما بتخلي امي تحل مشاكلنا وتشوف طلباتنا ... دة حتى احنا ما بنشوفك معانا هنا الا كل وين ووين ..كأننا ما بناتك .. كأننا اغراب انت مكلف بس تصرف عليهم ... اها المرة دي يا ابوي القروش ما حتحل ليك مشكلتي ... لا انت ولا امي ولا أي زول في الدنيا دي حيقدر يجبرني امشي المدرسة تاني ..

وكانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب احدى بناته ... صفعها بقوة حتى وقعت ارضاً وهي تبكي بحرقة .. ولم يجرؤ احد على الاعتراض ... وحسم هذا الموقف النقاش للابد .. لقد مرت مرت سنتان على هذه الحادثة لازمت فيهما هادية المنزل لا تفعل شيئا سوى الاكل ... والبكاء ...
عدلت اميرة عن محاولة اقناع شقيقتها بحضور الحفل عندما رات لمعة الغضب والتحدي تطل من عينيها .. فتركتها واتجهت الى الباب وهي تتمتم ..

- على كيفك يا هادية ... اعملي الشئ البيريحك ..

واتاها الرد المتهكم من خلفها ..

- ما اصلوا على كيفي .. وبعمل الشئ البيريحني .. اقفلي الباب دة وراك وتاني ما تدخلي اوضتي لو ما خبطتي الباب ..

المواجهة مع هادية ملاتها ياساً فخرجت بخطوات بطيئة وهي تفكر ماذا طلبت منها والدتها ؟؟!! ..
ثم تذكرت ... نادية .. يجب ان تبحث عن نادية المختفية منذ بداية الحفل ..كانت تقطع المساحة المزروعة بالحشيش بخطوات سارحة عندما اصطدمت بها فتاة منطلقة بسرعة ..كانت زينب ابنة حبيبة تلعب مع مجموعة من البنات وهن يتقافزن هنا وهناك ويملان الارض بقطرات المطر المصنوع من فوران زجاجات المياه الغازية المرجوجة بعنف ... امسكتها اميرة من كتفيها ..

- زينب .. ما شفتي عمتو نادية ؟؟...

هزت ابنة العشر سنوات راسها بعجلة وهي تحاول التملص من قبضة اميرة واللحاق بقريناتها .. ثم فجاة رفعت راسها ...

- ايوة اتذكرت يا عمتي ... قبيل شفتها ماشة على جهة بيت الاشباح ..
اتجهت اميرة بحذر وخطوات قلقة تجاه البناء البعيد في اقصى الساحة .. لم تكن تؤمن بالخزعبلات عن وجود اشباح في المنزل الذي شيده والدها لزوجته الثالثة ( امونة ) ... كان موقع المنزل عبارة عن قطعة ارض خالية اشتراها ود العمدة لزيادة مساحة الحديقة .. وعندما قرر الزواج شيد فيها منزلا صغيرا جميلا وبعيداً عن زوجتيه ... كان مختلفا عن بقية البيوت الاخرى المتناثرة على ابعاد مختلفة من الحوش الكبير بلونه الابيض الناصع والسور العالي الذي يفصله ويعطيه خصوصية الانفراد كانه لا ينتمي الى نفس الحوش ... هذا السور الذي اشعل النار في قلب نعمات عند بنائه وكانت المرة الاولى التي ترفع فيها صوتها على زوجها امام بناتها ...

- بنيت ليها حيطة يا حامد ؟؟ ... نسيت لمن قلت ليك افصل لي بيتي من بيت السرة قلت لي شنو ؟؟ اذكرك بكلامك ؟؟ قلت لي ما عاوز تعمل حواجز بين بناتك ... هسة مالك عاوز تبني حواجز ؟؟ اشمعنى دي يعني ؟؟ ولا عشان هي حبيبة القلب ؟؟ ولا يمكن قايلها حتجيب ليك الولد الساكيهو عمرك كلو ؟؟ خلاص من هسة كتفك مال يا حامد ؟؟ ما كنت عامل فيها رب العدل بيني وبين العجوز الشمطاء ديك؟؟

اتى رد حامد سريعا .. بارداً .. حاسماً ...

- علي الطلاق بالتلاتة يا نعمات ... اسمع منك كلمة زيادة في الموضوع دة .. الليلة تبيتي في بيت ابوك ..

يومها ظلت نعمات تبكي حتى الفجر ... كانت المرة الاولى في حياتهما معا التي يقسم فيها حامد بالطلاق ... المرة الاولى التي تدرك فيها نعمات انها قد وطأت المنطقة المحرمة في اعماق زوجها...
وصلت اميرة الى الباب الذي يربط المنزل الصغير بالبيت الكبير .. فوجئت به مغلقا من الجهة الاخرى .. لحظتها تاكدت من وجود نادية بالداخل فهي الوحيدة التي تملك الشجاعة لدخول المكان واغلاق ابوابه عليها ... نظرت حولها لترى ان كان هناك من يستطيع مساعدتها في فتح الباب ... لكن على مدّ بصرها لم تجد احداً ... كان الكل قد خرج الى الحفلة التي ارتفعت حماستها الى اقصى درجة ... استدارت وعادت ادراجها .. خرجت مرة اخرى الى الصيوان الصاخب وهي تبحث بنظراتها على امل ان تلمح شقيقتها .. فرجوعها الى امها بدون صحبة اختيها سوف يعرضها الى غضبها وربما عقاب جماعي قد تطول فترته .. التقت عيناها بعيني والدها الجالس بهيبة في صدر المكان متلفحاً بعبائته الداكنة وعصاه الابنوسية السوداء المطعمة بالعاج والفضة ونظراته السارحة التي كانت تعبرها الى مكان لا مرئي ... كانت عيناه تتموجان باطياف الالوان التي تعكس تفكيره نظرت اليه اميرة بحب وفخر وهي تفكر كم تتمنى ان تتزوج رجلا مثله ...
افاقت من سرحانها على صوت زغرودة عالية فتحركت من مكانها وبدات تشق طريقها الى خارج الصيوان ... استجمعت شجاعتها وانعطفت في الزقاق الضيق حيث يوجد الباب الخارجي لبيت زوجة ابيها الراحلة ..احست برعشة باردة تعبر عمودها الفقري وهي تبحث باصابعها عن السلك الصغير الموصول بالقفل ... شدته بكل قواها حتى سمعت صوت انسحابه من مكانه .. دفعت الباب بحذر وهي تتعوذ وتقرا القرآن بصوت مسموع ... قطعت المساحة الصغيرة التي تفصل الباب من المبنى الانيق بخطوات مهتزة وهي تركز نظراتها على الضوء الخافت المنبعث من داخل المنزل .. كانت تهمس بانزعاج ..

- " الله ينعلك يا نادية .. انا ما بتجيني من وراك الا المشاكل .. بس اموت واعرف انتي البيجيبك البيت المخيف دة شنو .. وبالليل كمان ؟؟ ... والله الليلة الا اخوفك واقطع قلبك عشان تاني تتوبي ما تجي هنا " ...

خلعت حذائها العالي حتى لا يصدر صوتا ينبه شقيقتها لحضورها ..حاولت فتح الباب لكنه كان موصدا من الداخل .. وقفت حائرة وهي تحاول استراق النظر من خلف الستائر الشفافة المسدلة ... الضؤ الخافت المنبعث من غرفة نوم والدها اكد لها وجود نادية بالداخل .. فهي اعتادت الحضور هنا ايام امتحاناتها حتى تتجنب ضوضاء البيت الكبير .. كانت احيانا تاتي معها بعد الحاح شديد ... ثم تذكرت المخبا السري للمفتاح الاحتياطي الذي تخبئه شقيقتها تحت قطعة السجاد الصغيرة المحاذية للمدخل .. احست بانتصار عندما دست يدها واخرجته وهي تبتسم بشقاوة لفكرة اخافة نادية ... دست المفتاح في القفل وادارته ببطء شديد .. فتحت الباب بهدوء وتسللت على اطراف اصابعها الحافية وهي تحاذر ان تصدر صوتا ... كانت الصالة الواسعة مفروشة بذوق مترف ... وتضارب لون الطلاء الفاتح مع الاثاث الغامق والديكور الناعم مشكلا لوحة مريحة للنظر .. انتشرت رائحة البخور واختلطت مع رائحة النباتات الطبيعية التي ملات الاركان ... كان الجو العام للمنزل يوحي بان صاحبته قد غابت عنه لمدة قصيرة .. وانها ستعود لا محالة ... فكرة مقابلة شبح زوجة ابيها جعلت اميرة تسرع الخطى تجاه غرفة النوم ..كان الباب موارباً فمدت راسها وهي تتهيا لاطلاق الاصوات المخيفة حتى تفزع نادية النائمة .
كان اول ما وقع عليه بصرها شبح عملاق بلون الليل يلمع جسده العاري تحت الاضواء الصفراء الخافتة مغطيا جسد شقيقتها التي تصدر اصواتا مخنوقة .. متقطعة ... مرتعدة .. وجسدها العاري يتلوى باحتجاج على حمله الثقيل ...
لابد وانه احد الاشباح التي تسكن المنزل قد هاجم نادية اثناء نومها ... اطلقت اميرة صرخة مدوية وهي تقذف حذائها تجاه الشبح وتقرا آية الكرسي بصوت مرتفع ... تبعت صرختها صرخات اخرى من الشبح الذي اصابه الحذاء بضربة قوية في ظهره فافلت نادية التي صرخت دهشة وفزعاً ... ثم تجمد الجميع وهم يتبادلون النظرات ...
كانت اميرة ترتعش كعود قصب ضعيف وسط ريح هائج ... عيناها تدوران بخوف وهي تبحث عن أي شئ يعينها في الهجوم على هذا المارد الاسود بينما لم يتوقف لسانها عن قراءة القرآن وهي تتمنى ان يتبخر في أي لحظة ... سكن جسد نادية عن الحركة ..واصبح يشبه احد التماثيل الاغريقية الماجنة عارياً مبتلاً .. معبراً عن حالة الشبق التي عاشتها ببراعة تعجز عن وصفها الكلمات ..اما جسد العملاق فقد بدا يتلوى الماً وهو يمد يده خلف ظهره محاولا وقف نزيف الدم الذي تسبب به كعب الحذاء الرفيع عندما اغرز فيه ..
تحركت اميرة بسرعة استمدتها من خوفها على شقيقتها فسحبت المقعد الصغير امام المرآة في محاولة يائسة لتخليص نادية المستسلمة لسيطرة الجني الذي رفع يده محاولا تفادي الضربة القادمة ...عندها صرخت نادية ...

- اميرة اقيفي ما تضربيهو ... دة راجلي يا اميرة ... دة راجلي .
توقفت يد اميرة بحملها الثقيل في منتصف المسافة ... التفتت بذهول لتتامل نادية التي كانت تحاول ان تستر جسدها بالاغطية المرمية على طرف السرير وهي تمد بعضها للرجل الذي انزلق ارضاً ليخفي جسده من عيني اميرة اللتين امتلاتا بالدموع وهي تتراجع خلفا بخطوات مترددة بينما نظراتها تدور بحيرة في المشهد الماثل امامها ... كان فستان نادية الزهري قد وضع بحرص على احد الكراسي وفوقه رصت ملابسها الداخلية وتربع فوقها تاج الورد والسلاسل والخواتم وساعة يدها .. وفي الكرسي الاخر وضعت ملابس رجالية بترتيب مشابه ... عادت نظراتها مرة اخرى الى شقيقتها التي كانت ما تزال تبحث عن كلمات ولا تجدها ... هب العملاق من مخبئه بعد ان لف جسده بالشرشف الابيض فبدا وكان الليل والنهار قد تجاورا ..
ظلت اميرة تتراجع ونشيجها يزداد علوا وهي تحاول استيعاب ما يحدث .. واخيرا نطقت نادية التي غطاها الخوف والحرج برداء من الذلة فخرجت كلماتها ضعيفة ومفككة ..

- اميرة ... انا عارفة انتي هسة مصدومة قدر شنو من الشفتيهو ... لكن والله والله والله يا اميرة ( زاهر ) دة راجلي ... انا ما عملت حاجة حرام .. احنا معرسين لينا سنة .. صح هو زواج عرفي لكن زواج ما حاجة تانية .. والورقة عندي في البيت داساها في دولابي .. انا حامشي معاك البيت هسة اوريك ليها ... انا عارفة اني غلطت ... لكن غصبا عني ... انا عاوزاك تسمعيني كويس يا اميرة لانو انتي اقرب زول لي في الدنيا دي واكتر واحدة بتفهمني ... انا وزاهر حبينا بعض من سنة اولى جامعة وكل يوم كان احساسنا ببعض بيكبر لمن بقينا ما قادرين نسيطر عليهو ... كان احسن نعمل شنو ؟؟ نغلط وندخل في الحرام ؟؟ ولا نتزوج حتى لو زواج عرفي ؟؟ حتقولي لي ليه ما مشينا بالدرب العديل وجا طلب يدي من ابوي ؟؟ .. حقول ليك انو ظروف زاهر ما بتسمح ليهو بالدخول في مشروع زواج حاليا لانو لسة طالب وما شغال .. والاهم من دة انا وانتي عارفين امي وابوي وطريقة تفكيرهم في الزواج بزول ما مننا .. مستحيل كانوا حيوافقوا على زاهر حتى لو كان مليونير .. عشان كدة احنا قررنا نتزوج بالطريقة دي لكن دة زواج صحيح يا اميرة ... انا سالت شيخ وقال لي صحيح طالما كان في شهود واشهار .. اصحابنا القريبين لينا ومعايشين قصتنا شهدوا على العقد ... يعني زواج صحيح يا اميرة وانا ما عملت شئ حرام ... يمكن غلط لكن ما حرام ..
انقطعت انفاس نادية من فرط الانفعال وتدافع الكلمات وانخرطت في بكاء عنيف جعل العملاق المتلفح ينتفض من مكانه بسرعة مقتربا منها .. واحاطها بذراعيه بحنان ورقة تتناقض مع مظهره الخشن ... تاملته اميرة من خلال ستار دموعها ... توقفت عند اذنيه الصغيرتين وشعره الاجعد ... ملامحه المصمتة وجسده الاجرد ... التقت نظراتهما وهو يضع مقدمة ذقنه على راس نادية بينما كانت يداه تتخللان شعرها الحريري المنساب خلف ضهرها مربتا عليه في محاولة لتهدئتها ... بدت نظراته قوية متحدية ... منتصرة وتلمع ببريق غريب ...
تابعت اميرة تراجعها حتى وصلت الى باب الغرفة ... التفتت وبدات تركض بقدمين حافيتين ... وعيون عمياء ... لم تدرك كيف استطاعت ان تقطع المسافة بين البيتين دون ان تتهاوى .. عندما وصلت الى الباب الصغير وفتحته .. صفعها الصخب الذي يسيطر على الجهة المقابلة ... احست بدوار فاسندت ظهرها على الحائط البارد ..فقدت الاحساس بكل شئ ... اصبح عقلها صفحة بيضاء الا من ذكرى جسد نادية العاري وهي تتلوى تحت ثقل زاهر .. وكلماتها الجوفاء " زاهر دة راجلي "
جرّت قدميها وهي تحس بملمس العشب المبلل بين اصابعها .. دخلت منزلهم دون ان توصد بابه خلفها ... اتجهت الى غرفتها وهي تسمع صوت بكاء يأتيها متقطعا من غرفة هادية ... أوصدت باب غرفتها من الداخل وارتمت على سريرها وهي تحس بخواء يحتل روحها ويمتص كل شئ داخلها..

جاكس
06-11-2012, 04:41 AM
الفصل السابع


جلس حامد ود العمدة على الطاولة المربعة وسط مجموعة من معارفه واصدقاؤه وتجار السوق .. كان يحاول ان يركز في احاديثهم عن احوال السوق وغلاء الاسعار والمنافسين والكساد ... ثم ينحرف الكلام ويصبح همسا متآمراً عن النساء والمغامرات السرية فتعلو الضحكات المتخابثة لتخرجه من شروده للحظات قصيرة تدور فيها عيناه بين الحضور فيبستم لاحدهم .. ويرفع يده بتحية مجاملة لآخر ... ثم تعود نظراته دائما الى الطاولة المقابلة له حيث يجلس ابراهيم بنظراته الجائعة وجسده المتوتر ... تأمله حامد طويلاً وهو يحس بالحسرة على الولد الذي لم يكن له يوما ... ابتسم بسخرية متحدياً احاسيسه المتقلبة تجاه من غير له مجرى حياته حتى قبل ان يولد ... لا عجب انه لم يحس يوما تجاهه بابوة ولو كاذبة .. لقد حاول ان يخلق هذا الاحساس لكنه فشل .. حاول ان يجبر نفسه على قبول ابن اخيه كابن له .. لكنه لم يستطع .. كانت اعماقه قد تشبعت برفضه منذ طفولته ... كانت مجرد رؤيته تشعره بالالم والغضب خصوصا عندما يرى الحيرة في عينيه البرئيتين وهما تواجهان صده ونفوره الذي يزداد ضراوة مع كل محاولة يقوم بها ابراهيم للتقرب منه او الحصول على انتباهه وحبه ... كان في اعماقه يحس برغبة عارمة في معاقبة هذا الكائن الصغير الذي اجبره على هجر امونة والزواج بالسرة ...
ظل حامد يتابع نظرات ابراهيم فوجدها مركزة على مجموعة من الصبية الذين شكلوا حلقة متراصة يتبادلون فيها الرقص بحماس .. بدا ان اهتزاز الاجساد اليافعة كان اكبر من قدرة ابن اخيه على التحمل فهب واقفاً وقطع المسافة التي تفصله عن المخرج بخطوات عجولة .. عندما مرّ بجواره لم تفت حامد رؤية قطرات العرق المنحدرة على صدغيه برغم نسمات الهواء الباردة .. ولا لمعات عيونه ونظراته الشبيهة بنظرات صياد يبحث عن فريسة ... ولطمت انفه رائحة عطره النفاذ المخلوط برائحة عرقه لتصنع مزيجا غريباً وخانقاً ... تجاهل حامد الغمزات التي تبادلها ضيوفه عند مرور ابراهيم فاطرق وهو يفكر بغضب ان لا سر يخفى في مجتمع السوق الذي يعشق افراده نبش الصناديق المغلقة وتداول الحكايات الممنوعة ... وتظاهر بعدم ملاحظة ما يدور حوله ... لقد بات خبيرا في التظاهر و علمته تجاربه في الحياة ان يحبس انفعالاته بداخله ولا يبدي منها الا ما يرغب الناس في رؤيته ... منذ متى وهو يتظاهر ؟؟!! لم يعد يدري .. فقد توقف عن العد منذ زمن طويل لم يعد يجدي عد الايام والسنين بعد ان ضاع كل شئ ... بعد ان اصبحت كل الاشياء باهتة ... خاوية .. لا طعم لها ولا لون ولا معنى ... احيانا عندما يجلس وحيدا مع نفسه .. يتشوق لفترة من حياته كان فيها لكل شئ لذته حتى الاحساس بالالم كانت له لذته الغامضة ... وبحركة لا شعورية امتدت يد حامد خلف ظهره تبحث عن الآثار التي خلفها ضرب السوط على جلده يوم زواج ابراهيم شقيقه الذي يكبره بعشر سنوات من السرة ابنه عمهم واجمل فتيات القرية ... كان يومها في الثالثة عشرة من عمره ويخطو على عتبات الرجولة بثقة تعززها ملامحه الوسيمة وحبه لامونة ابنة خالته التي تصغره بعامين .. تعلق بها منذ ولادتها وادمن التواجد في منزل خالته ليلعبا معا ..
كانت طفلة رقيقة ... نحيلة .. وهشة .. عندما تعلمت المشي اصبحت تتبعه كظله وتتعلق باذياله في اصرار ناعم جعله يحس بالمسئولية تجاهها وبرغبة قوية في حمايتها .. وكلما تقدما في العمر زادت احاسيسه عندما اصبح في التاسعة اخبر امه وخالته بانه يريد الزواج بامونة .. تلقتا الخبر بابتسامة عريضة كانت الضوء الاخضر لاحلامه ومشاعره كي تنطلق ... اصبح تعلقه بامونة مثار تندر وسط العائلة ومثار فخر لابنة السابعة التي اصبح حامد الهها في الارض ... كانت مشاعرهما اكبر من اعمارهما الغضة حتى اصبح الجميع يتعامل مع ارتباطهما كانه امر واقع لا محالة .. واصبح اقتران اسميهما يأتي تلقائيا وطبيعيا ...
جعله حبه لها اكثر نضجا من اقرانه فاصبح يتصرف كالرجال وهو ما زال في طور الطفولة .. لذلك اصر ان يشارك في " البطان " يوم عرس ابراهيم .. وعندما رفض شقيقه بحجة صغر سنه وخوفه من عدم تحمله لضربات السوط القاسية .. هدده حامد بمقاطعة العرس فوافق ابراهيم على مضض .. كان السبب الوحيد وراء رغبته المتقدة بالخضوع لهذا الطقس المؤلم هو ان تراه امونة وسط الرجال وان تفخر به.. يومها كشف عن ظهره بشجاعة ووقف ثابتاً بينما ضربات السوط تحفر بعمق في لحمه الطري ... امتلات خياشيمه برائحة الدماء لكنه لم يتزعزع مستعينا على الصمود بزغاريد النساء ونظرات امونة المبهورة به ... يومها كانت المرة الاولى التي يتذوق فيها طعم دموعها ... فبعد ان انتهى دوره واثبت قوة تحمله .. غطى ظهره الدامي واتجه بخطوات ثابتة الى داخل المنزل احس بخطواتها الخائفة تتبعه خلسة خوف العيون المراقبة المنتقدة ... كان الفزع قد احتل مكان الفخر في عينيها الحالمتين ... وعندما دخل غرفته ورفع جلبابه اجهشت بالبكاء وهي ترى خطوط الدم المتقاطعة في ظهره... فنسي حامد الآمه واحتضنها برفق محاولا طمانتها وهو يؤكد لها عدم شعوره بالالم ... لكن كلماته جعلت دموعها تزداد غزارة .. فامسك بوجهها بين يديه .. وقبل عينيها بشفتين وضع فيهما كل ما اختزنه لها من حب وحنان .. بدا له طعم دموعها المالحة كاشهى عصير في الكون كله .. واستكانت الصغيرة بين يدي حبيبها حتى هدا نحيبها .. وعاد اليها خوفها من اكتشاف امرها فطبعت قبلة حانية اعلى كتفه وخرجت مسرعة وهي تتعثر بخجلها ...
لم يستطع النوم على ظهره بارتياح لمدة اسبوع او يزيد .. وكلما اشتد عليه الوجع داواه بذكرى نظرة فخورة وطعم دموع شهي وملمس قبلة حانية ..
مرت الايام كالحلم .. وتسارعت الشهور لتصبح سنين ... كان يوزع وقته بين دراسته ومساعدة والده واخويه في شئون التجارة .. كان يحرص على التفوق في كل شئ من اجل عيني حبيبته وحتى يكون جديرا بها ... استغل تقدمه عليها في مرحلة الدراسة ليقضي معها وقتا اطول بدعوى مساعدتها فيما يستعصى عليها من دروس في الجلسات التي كانت تتم تحت مراقبة صارمة ... استطاع ان يكتسب ثقة الجميع بتصرفاته المسؤولة حتى تخطى حاجز الممنوع المتعارف عليه بحظر اللقاء ... اصر على اداء مهمة تدريسها بجدية تشتكي منها امونة التي تتوق لكلماته الجميلة فينهرها بهمس رقيق ان تنتبه حتى لا تعطي أي كان سبب لحرمانهما من هذا اللقاء .. فتنصاع له بابتسامة تشتت بها تركيزه لفترة طويلة ..
تم الاتفاق بين الاسرتين على ان يتم عقد القرآن ما ان ينتهي حامد من امتحان الشهادة على ان يحدد الزواج بعد حصول امونة على شهادتها .. وعندما حصل حامد على مجموع يؤهله لدخول اعرق الجامعات بالعاصمة زغردت امونة بفرح جرئ .. وبدات تجهز نفسها لعقد القرآن الذي سيتم فور عودة ابراهيم من رحلته الى الخرطوم ... اصيب حامد بالتوتر عندما تاخر شقيقه عن مواعيد حضوره المعتادة .. فقد نفذ صبره ولم يعد يطيق لحظة تاخير واحدة تبعده عن حبيبته ... وحين استقبل الاتصال الذي يبشره فيه ابراهيم بعودته في اليوم التالي .. استاذن والده وتوجه الى بيت خالته ليعلنهم بمواعيد حضورهم في الغد ... سالت دموع امونة عند سماعها البشارة بقرب تحقيق حلمها واختفت من امامه بحياء ... راودته رغبة قوية في تذوق طعم هذه الدموع مرة اخرى لكنه لم يجرؤ على اللحاق بها امام عيون اسرتها المراقبة .. فاكتفى بالقاء التحية بصوت جهوري وخرج وهو يكاد يطير فرحا .. وبدا يحسب الساعات المتبقية التي تفصله عن اليوم الذي قضى نصف عمره بانتظاره
في صبيحة اليوم التالي ذهب الى الحلاق ورتب خصلات شعره الناعم .. حف لحيته وجعلها تستدير باناقة حول حنكه فظهرت الغمازات العميقة على خديه واصبح وجهه الفتّي اشد وسامة واشراقا ... كان قد ورث عن والده طوله الفارع وقوامه النحيل شانه شان اخويه ... بينما اعطته والدته لونها الذهبي الوهاج وعيناها المتموجتان بدرجات البني والعسلي ... في الثامنة عشرة من عمره ... اصبح حامد ود العمدة رجلا فخورا باصله ونسبه ... مليئا بالثقة والحب ... متطلعاً لسعادته القادمة بكل لهفة ...
في ذلك اليوم مارس اعماله الروتينية بذهن شارد .. وعندما ارتفع صوت آذان الظهر قرر ان يعود الى المنزل مباشرة بعد الصلاة حتى يريح اعصابه المتوترة .. لم يكن قد انهى وضؤوه عندما اندفع الصبي الذي يرافق ابراهيم في كل سفراته من مدخل الدكان وقد بدا منهكا ومذعورا ... بعيون دامعة وجسد يرتعش بعنف داخل الجلباب الابيض الملطخ ببقع دم طازجة ... خرجت الكلمات بصعوبة من بين شفتين داميتين ...

- ابوي العمدة ... الحق .. عملنا حادث في السكة وابراهيم شالوهو ودودهو مستشفى شندي ...

انتشر الخبر كالنار في الهشيم .. اغلقت معظم المحال ابوابها وسرعان ما تكون موكب من السيارات المختلفة التي اذدحمت بركابها ... عند وصولهم الى باب المستشفى تدافع الجميع لمساعدة العمدة الذي خانته قدماه بعد ان اخبره قلبه قبل الطبيب بوفاة ابنه البكر ... وشهد زوار مستشفى شندي على رجال بكوا بحرقة هزت الجدران والارض والبشر ...

كان حامد يعيش حالة من الذهول وعدم التصديق طيلة ايام العزاء التي تمددت مع وصول افواج جديدة من المعزين يوميا من جميع المدن والقرى المجاورة وحتى العاصمة ... مضى قرابة الشهر وتقلصت مساحة الصيوان المنصوب امام بيت العمدة حتى انتقلت الجلسة الى الديوان الكبير واقتصرت على الاقارب والاصدقاء الذين شهدوا في عصر يوم غائم انطلاق صرخات قوية من داخل المنزل جعلت القلوب تقفز توجسا ... تدافع الجميع داخلين ليجدوا زوجة العمدة تسد الباب بجسدها وهي تمتم بفزع ...

- حاج الامين ... الحقنا ... السرة بتولد ..

اصيب الجميع بالدهشة وارتفع صوت العمدة بانزعاج ...

- بتولد ؟؟ كيف تولد هسة ؟؟ هي مش في شهرها السابع ؟؟

في فجر اليوم التالي خرج الكائن الصغير الى العالم ..كان قطعة مجعدة من اللحم الازرق .. امتنع عن الصراخ وظل يتارجح بين الحياة والموت لفترة طويلة قبل ان يختار البقاء لمواساة امه التي احالها الحزن الى شبح صامت ... اصرت على اعطاؤه اسم ابيه الراحل وكانت تحمله طيلة الوقت وتنطق اسمه بحنان مخلوط بالحزن ...
عندما اكمل ابراهيم شهره الثالث بدات الاحداث التي عصفت بحياة حامد ...
اتى عمه والد السرة قبل صلاة العشاء ... جلس على طرف الكرسي متململاً وهو يتنحنح طيلة الوقت كأن شيئا ما علق في حلقه ... بعد الصلاة جلس ملاصقا لاخيه العمدة .. وضع عصاه امامه واتكأ عليها بكلتا يديه .. بدا كلامه بصوت ضعيف متردد ...

- اللمين يا اخوي ... انا جيت اسوق السرة وولدها ...

انتفض الجميع لدى سماع العبارة والتقت نظراتهم المندهشة للحظات قبل ان يستجمع العمدة نفسه ويرد بصوت حاد زاعق ...

- تسوق السرة وولدها ؟؟ تسوقهم وين ؟؟ وليه ؟؟ ...

انكمش الاخ الاصغر من رد فعل شقيقه ورد بخفوت ..

- اسوقهم بيتي يا اخوي ... مش أي مرة بيموت راجلها بترجع بيت ابوها ؟؟ حتى حبسها مفروض يكون في بيت ابوها ... والسرة ما عليها عدة لانها ولدت بعد وفاة ابراهيم الله يرحمه .. وهسة كملت تلاتة شهور معاكم ... والناس بدت ترمي لي في الكلام عن قعدتها هنا .. و ...

هب العمدة واقفاً وضرب بعصاه الارض فقفز جميع من في الغرفة وقوفاً .. خرج صوته هادراً وتبدلت ملامحه بصورة مخيفة ...

- عدة شنو وناس شنو الجاي تكلمني عنهم يا محمد احمد ؟؟ انت جنيت ولا شنو ؟؟ الكلام دة يتقال لمن البت تكون معرسة راجل غريب وقاعدة مع ناس غربا .. لكن السرة قاعدة في بيت عمها ومقطوع لسان أي زول يقول كلمة واحدة في قعدتها هنا .. دة مكانها ومكان ولدها الطبيعي ... وابراهيم لازم يتربى في بيت ابوه وجده مع اعمامه واولاد اعمامه..

ارتفع الصوت الخفيض .. واكتسب حدة غذاها العناد بقوة وتصميم ...

- اللمين انت عارفني ... لو علي انا ما عندي مشكلة بخلي السرة تقعد عندكم انشاء الله لاخر عمرها .. لكن انا وانت عارفين انو دة وضع ما صحيح ... والناس حتاكل لحمي انت اخوي الكبير .. وكلمتك على راسي من فوق بس السرة لازم ترجع بيتي ... لا عرف ولا شرع بيحلل قعادها هنا بعد ما راجلها مات .. والولد حيفضل ولدكم زي ما هو ولدنا ..وبيتي ما بعيد من بيتك وحيكون معاكم الليل والنهار .. تاني في شنو يخليها تقعد هنا ؟؟

اذدادت ثورة العمدة وهزّ صوته جدران البيت بينما اصبحت مفاصله التي تقبض على عصاته بيضاء ومتنشنجة...

- انت يا ولد جاي تعلمني العرف والشرع ؟؟السرة دي انا عمها .. وبله ود عمها و راجل اختها..

كانت ثورة العمدة تزكي نار العناد في قلب شقيقه فاصبحت ردوده اكثر حدة ...

- انت نسيت حامد ولا شنو يا اللمين ؟؟ حامد دة ما راجل .. وما محرم للسرة .. وما بيصح تقعد معاهو في بيت واحد ...
فجاة تركزت الانظار على حامد الواقف بجمود يتامل الجميع بدهشة وافكار شاردة ... احس برعشة باردة تعبر جسده عند سماعه لكلمات عمه المتحدية ... بينما ظهرت لمعة استدراك غامضة في عيني العمدة ... عمّ الصمت في الغرفة بعد العبارة الموحية التي تحمل معان لم يفكر فيها احدهم من قبل عاد العمدة الى كرسيه وتبعه الباقون ... اطرق صامتاً لفترة طويلة والجميع يرقبه بتحفز ... عندما رفع راسه كان هناك شبح ابتسامة يراود شفتيه ويحجم ... وعندما تكلم اخيراً كان الهدوء قد عاد الى صوته وملامحه ..

- خلاص يا اخوي ... خلي الموضوع يوم يومين وانشاء الله يكون خير ..ارجع لي بعد بكرة وما حتلقى عندي الا الرد البرضيك ويرضينا كلنا...

ليلتها اصيب حامد بارق منعه من النوم وظل يدور في ارجاء المنزل متحاشياً الاقتراب من الحوش الصغير المفصول عن باقي المكان بجدار قصير حيث ينوم والديه .. ظل النور الاصفر الكئيب مضيئا حتى الفجر .. وعندما هبت الريح حملت اليه اصوات نقاش خافت ارتفع فيه صوت ابيه بينما بدا له صوت امه وكانها تبكي ...
عندما دخل العمدة الديوان مع اذان الفجر فوجئ بوجود حامد بعيونه المتقدة من السهر ... وكانت المرة الاولى في حياته التي يلمح فيها حامد علامات التردد على وجه ابيه وهو يحاول ايجاد الكلمات المناسبة للبدء بحديث ... اقلقه الامر وشعر بانكماش مؤلم في صدره ... انقذ حضور شقيقه الموقف وتهيأ الجميع للصلاة ... عندما همَ حامد بمغادرة المكان استوقفه العمدة بذات الصوت المتردد ..

- حامد .. ما تمشي .. تعال انا بدورك في كلام .. وانت كمان يا بلة تعال اقعد ..

اتت كلمات العمدة مختصرة ومندفعة كأنه يخاف أن تابى الخروج إن ابطاها

- حامد ... انت لازم تعرس السرة ..

قفز حامد على قدميه ووقف في منتصف المسافة ما بين ابيه والباب ...اتسعت عيناه وتسارعت انفاسه من خلال فمه المفتوح بذهول ..

- قلت شنو يا ابوي ؟؟ انا اعرس السرة ؟؟ اعرس السرة كيف يعني ؟؟ السرة دي ما مرة ابراهيم !! وبعدين انا حعرس امونة .. كيف اعرس السرة وامونة في نفس الوقت ؟؟ امونة ما حترضى .. وانا زاتي ما بقدر ...

اصبحت كلماته متقطعة ومفككة كانها هذيان محموم .. وبدا صوته يرتعش .. ثم انتقلت الرعشة الى كامل جسده ... اقترب منه "بلة " وقاده من ذراعه حتى اجلسه في المقعد القريب وظل واقفا بجانبه وهو يحس بالاشفاق عليه .. لم يكن يستطيع التفوه بكلمة في حضرة ابيه فالتزم الصمت بينما كان العمدة يحاول جاهدا منع امواج العطف ان تغزو عقله .. استجمع ارادته وتكلم بحدة حتى يخفي تردده وضعفه امام حزن ابنه الاصغر ...

- حامد يا ولدي ... احيانا الواجب بيبقى فوق كل شئ ... فوق القلب والمشاعر .. وحتى فوق الصح ... انت لازم تعرس السرة عشان دي الطريقة الوحيدة الممكن نخليها بيها تقعد عندنا هنا ونقدر نربي ولد اخوك وسطنا ... ولا انت عاوزها ترجع بيت ابوها وبكرة تعرس وولد اخوك يريبهو راجل غريب ؟؟ دة اقل شئ نقدر نعملو لابراهيم ( الله يرحمه ) اننا نحافظ على مرتو وولدو .. السرة لسة صغيرة وسمحة .. ومليون زول بيتمناها ... لو رجعت بيت ابوها ما بيبقى لينا حكم عليها ولا نقدر نمنعها من الزواج .. ولو اتزوجت ما بنقدر نقلع منها الولد ... يبقى الحل الوحيد انك تعرسها .. ما في زول غيرك حيحل الموضوع دة ... لو كان بلة معرس أي واحدة تانية غير اختها انا كنت خليتو يعرسها لاني عارف انو امونة حلم حياتك من انت صغير .. عشان كدة ما حقول ليك ما تعرسها بس لازم تعرس السرة بالاول وبعد ما نحسم الموضوع دة نشوف موضوع امونة ... دة قرار نهائي وما عاوز أي نقاش ...وقف حامد مترنحا وقد انحدرت الدموع ساخنة من عينيه .. اتجه الى الباب بخطوات آلية لا حياة فيها ... قبل ان يخرج استدار وخاطب والده بصوت متحشرج ..
- شوف يا ابوي .. مهما قلت وعملت انا ما حخلي امونة عشان السرة ... شوف ليك زول غيري .. اقتلني لو عاوز .. لكن ما تقول لي خلي امونة وعرس السرة ...
وخرج تاركا الغرفة تسبح في جو خانق من الحزن والغضب والتحدي ... يومها قاد سيارة والده بلا هدى كان يسابق الريح وافكاره .. لم يوقفه الا نفاذ الوقود ليجد نفسه في منطقة موحشة لا يوجد فيها غيره والنيل والصحراء التي اعطاها ظهره وجلس ساعات طوال وهو يتامل تضارب قطرات المياه في صفحة النيل المضطرب ... ثم استسلامها لقوة التيار وضغط الاتجاه الواحد ... كانت حركة الدوامات الصغيرة تتمرد على رتابة الانسياب وتتراقص بخبث وهي تبتلع الاعشاب وفروع الاشجار الصغيرة الطافية ... افاق من غيابه على صوت محرك سيارة بدد سكون المكان وهي تقترب منه من خلف الزجاج الاغبش تعرف على ملامح شقيقه القلقة ... كانت الشمس قد بدات رحلتها نحو المغيب بجلال مهيب .. جلس بلة بقربه و ترافقا مراقبة احتضار الضوء بصمت .. هبت نسمة ناعمة لاطفت الوجوه الحزينة المجهدة من عبء الافكار التي تحلق حولها ...
بعد ان ساد الظلام انسحب بلة بهدوء .. اخرج خرطوش صغير وجالون ملىء بالوقود.. عبأ سيارة شقيقه وادار محركها ثم جلس في سيارته في انتظار حامد الذي غزا صوت المحرك عقله المستكين لصمت الصحراء وهدير الماء .. هب واقفا وتبع سيارة بله عائدين الى الديار ...

اتجه بله الى منزلهم مباشرة .. بينما واصل حامد سيره حتى منزل خالته ليجد ان نبأ إختفاؤه منذ الصباح قد وصل اليهم ... عندما واجه نظرات امونة الجزعة انهارت كل حصون القوة التي كان يحتمي خلفها .. تجاهل كل من حوله .. واتجه اليها .. احتضنها بعنف .. وبكى في صدرها كطفل صغير ... كانت نظرات الحزن والاشفاق تحيط بهما بعد ان انتشر خبر قرار العمدة ... وانفطر قلب الام على ابنتها التي كانت ترى في حامد كل الرجال .. لم تجرؤ على اخبارها بنوايا زوج خالتها ... فقط اخبرتها باختفاء حامد بعد شجار دار بينه وبين ابيه .. وظلت طيلة النهار تراقب الفتاة النحيلة التي جعلها خوفها على حبيبها بركان من القلق يقذف حممه في كل الاتجاهات امتنعت عن الاكل والشرب .. والجلوس .. كلّت قدماها وهي تزرع ارض البيت طولا وعرضا .. تركض بلهفة كلما سمعت صوت الباب يفتح .. وتعود خائبة باكية لتواصل تجوالها القلق ... عندما راته امامها تهاوت فيه واصبح العالم كله متمركزا بين ذراعيه .. سالته بهمس عن سبب اختفاؤه طيلة النهار ... حاول ان يوصل اليها قرار العمدة باسلوب ناعم تستطيع تقبله ... عندما انهى كلماته جاوبه الصمت المطبق ... لقد انهارت امونة وسقطت ارضا فاقدة الوعى ..
رجع حامد الى منزله وهو اكثر تصميما على رفض الزواج المفروض عليه واكثر اصراراً على التمسك بالفتاة التي احبها منذ طفولته ... كانت مواجهة عاصفة بينه وبين الاب المتعنت ... وعندما احس العمدة باصرار حامد على موقفه .. لجأ الى اسلوب التهديد ...

- شوف يا حامد .. كلمة واحدة والله واحد ... لو ما عرست السرة لا انت ولدي ولا انا ابوك .. واتبرا منك ليوم القيامة ..

- ابوي .. انت ما هاميك كمية الناس الحيتظلموا في الموضوع دة ؟؟!! انت ما حتظلمني انا وامونة بس .. حتى السرة حتظلمها لانها طول عمرها بتتعامل معاي زي اخوها الصغير ... انت نسيت فرق العمر البيننا ؟؟ نسيت انو السرة اكبر مني بسبعة سنين ؟؟ نسيتها حبت ابراهيم قدر شنو ؟؟ انت منو القال ليك انها عاوزة تعرس تاني بعد ابراهيم سواء انا ولا أي زول تاني ؟؟ انت ما قادر تحس بيها حزينة قدر شنو ؟؟ خليها على الاقل تعيش حزنها بصورة طبيعية بدون ما تحاول انت وعمي تختزلوهو ليها بسبب افكار ما عندها معنى ... ابوي انا عمري ما عصيتك ولا غضبتك ... طول عمري جاي على طوعك وباعمل أي حاجة بتامرني بيها .. ولا مرة في حياتي قلت ليك لا .. لكن المرة دي حقول ليك لا .. لانك عاوز تشيل مني حياتي كلها ... لا يا ابوي ما بعرس السرة ... وبكرة حامشي اعقد على امونة حتى بدون موافقتك ... ولو اتبريت مني زي ما بتقول .. ما بتفرق معاي ... انا ما كنت عاوز غير رضاك عني .. لكن قروشك ما بتهمني .. واسمك حافضل شايلو لغاية ما اخش التراب .. وطول ما انا عايش حتفضل ابوي بالنسبة لي ...

كان رد العمدة صفعة قوية على خد حامد رمته ارضاً .. فقفز بله مذهولاً من تصرف ابيه الذي لم تمتد يده الى ابناؤه حتى اثناء طفولتهم ... وخرجت كلمات العمدة اشد ايلاماً من صفعته ...

- انت يا ولد قايل روحك بقيت زول عشان قريت ليك حبة قراية وعملت فيها متعلم ؟؟!! ولا يمكن متخيل انك بتبقى حاجة بدوني ؟؟ انت من غيري ومن غير اسمي الشايلو دة ما بتسوى عتوت جربان ... عاوز تعملها لي فلسفة فارغة قايلني ما باقدر ارد عليك ؟؟ ظلم وحزن وكلام فاضي ؟؟ انا العدل الوحيد البعرفو انو ولد ولدي يتربى هنا في بيتي وانو مرت ولدي ما تمشي لراجل غريب من بعدو .. بتحب بت خالتك وعاوز تعرسها ؟؟ طيب مالو .. حبها وعرسها زي ما عاوز .. بس بعد ما تعرس السرة ... بت عمك لحمك ودمك الما هاميك ... واقول ليك قول ؟؟ حتعرسها يا حامد ... حتعرسها ورجلك فوق رقبتك .. عليّ الطـلاق بالتلاتـة وتبقى امك حرمانة عليّ ليوم الدين ان ما عرستها .. اها دة آخر كلام عندي .. وشـوف انت يا راجل يا كبير يا متعلم يا فاهـم شـن قولك وشن بتسوي ؟؟

لف العمدة عبائته حول جسده بعصبية واندفع خارجاً تاركاً خلفه صدى دقات عصاته وهي تحفر الارض غضباً .. انهار حامد على اقرب كرسي وهو يحس كانه حيوان محاصر من كل الجهات ... لقد حمله والده اقصى مما يستطيع .. زواجه من امونة مقابل طلاق امه ...يا لها من معادلة !! وياله من اختبار !! .. سيطر التوتر والغضب على اجواء المنزل كاتما انفاس كل المقيمين فيه ..

اصبحت السرة كالشبح متسربلة بحزنها وصمتها الا من دموع لا تنقطع كتعبير عن رفضها الذي لم تستطع المجاهرة به خوفا من غضب ابيها وعمها ..
بينما اعتصمت الام المنكسرة من يمين الطلاق الذي يحوم حول راسها وهي تتقطع حيرة بين رغبتها في سعادة ولدها وابنة شقيقتها .. وبين خوفها من فضيحة الطلاق في هذا العمر ...
اما بله فقد تقبل كل ما حوله بخنوع كما اعتاد ان يفعل مع كل اوامر العمدة .. وان تنازعته الشفقة والتعاطف مع شقيقه الاصغر ...
تسلح حامد المتمرد على قرارات العمدة بحبه لامونة وتقدم الى زوج خالته طالبا يد حبيبته .. وعاد خائبا عندما رفض والد امونة طلبه بصرامة وكبرياء واعلنه بانه لن يزوج ابنته لرجل ياتيه وحيدا بلا اهله .. ومنعه من العودة مرة اخرى او محاولة رؤية امونة والتحدث معها .. ضاقت به الدنيا فهجر المنزل واصبح يهيم على وجهه بلا هدى .. تساوى ليله مع نهاره وبدات خطواته تقوده الى الشوراع الخلفية للقرية حيث بائعات الخمور اللاتي يمارسن تجارهن سراً ... اصبح زبون دائم لهن .. ووجد في الخمر وسيلة فعالة لالغاء عقله ونسيان همومه ... بعد اسبوعين من الشراب المتواصل انهار جسده الذي لم يعتد على الخمر .. ووقع على عتبة احدى البيوت .. كان الجميع يعرف من هو .. ووصل الخبر الى اهله لياتي بله مسرعا وحمل الجسد الهزيل الى المستشفى ...
احتاج الاطباء فترة طويلة لاخراج آثار الكحول من جسده
وقبل اليوم المحدد لخروجه من المستشفى سمع بله الذي كان يرافقه طرقات واهنة على باب الغرفة ... عندما فتح الباب فوجئ بامونة تقف امامه باعياء تسندها امها .. وخلفهم زوج خالته بقامته الضخمة تعلو وجهه نظرة غاضبة الجمته الدهشة من حضورهم في هذا الوقت .. كانت الساعة قد اقتربت من العاشرة مساء وساد الهدوء ممرات وغرف المستشفى بعد ان خلد معظم المرضى ومرافقيهم للنوم .. جمود حركة بلة امام الباب دفعت حامد لسؤاله بصوت مبحوح ..

- في شنو يا بله ؟؟ منو في الباب ؟؟

عندما سمعت امونة صوت حامد ازاحت شقيقه المندهش عن طريقها واتجهت نحو مصدر الصوت بلهفة .. وتبعها الجميع .. حاول حامد ان ينهض من رقدته لكنها اسرعت واعادته الى مكانه .. جلست في الكرسي المواجه له دون ان تتكلم ... تبادلا نظرة طويلة ... انغرزت عيونهما داخل بعضها البعض وسالت دموعهما حارقة .. بدت امونة ابنة الستة عشر ربيعاً كانها امراة في العشرين بعد ان اكسب الحزن ملامحها نضوجاً وعمقاً بينما بدا قوامها اكثر نحولاً خلف الثوب ... ارتسمت دوائر سوداء حول عينيها الغائرتين .. كانت تحاول ان تخفي رعشة يديها بوضعهما تحت ثوبها ... عندما نطقت .. خرج صوتها ضعيفا .. ناعما..
- سلامتك يا حامد ... دة شنو السويتو في نفسك دة ؟؟ ليه عملت كدة ؟؟ انت ما عارف انا حالتي كانت شنو الفترة الفاتت دي كلها ... كنت بموت كل يوم الف مرة وانا بسمع عن مشيك لبيوت الشراب ومبيتك برة البيت ووقيعك في الشوارع .. حرام عليك يا حامد والله حرام عليك ..

وانخرطت في بكاء مكتوم أدمى قلوب الحاضرين .. تحامل حامد على نفسه ورفع ظهره وهو يحاول الوصول اليها .. خذله جسده الضعيف فارتمى على السرير وهو يطلق آهة الم .. كان ينطق اسمها بلا انقطاع ... يضغط على كل حرف من حروفه ... وغرقت الغرفة في حزن عميق لم يستطع بله تحمله فخرج مسرعا وهو يمسح دموعه خلسة ..
رفعت امونة راسها والتفتت الى والديها .. خاطبتهما برجاء ...

- ابوي سوق امي وانتظروني برة شوية ... عندي كلام عاوزة اقوله لحامد .. ما بتاخر..

تردد الاب في قبول طلب ابنته .. لكن الام العالمة ببواطن الامور امسكت بذراعه وقادته خارجا واغلقت الباب بهدوء .. مدت امونة يدها المرتعشة وقبضت بقوة على يد حامد المتهاوية على جانب السرير .. فتح عينيه على اتساعهما عندما احس بلمستها السحرية التي ظن انه قد حرم منها الى الابد تسارعت انفاسه حتى اختلط شهيقه بزفيره .. انتفض جسده بعنف .. لم تكن امونة احسن حالا منه لكنها لملمت حواسها وبدات تحدثه بصوت خفيض وثابت ...

- حامد ... اسمعني كويس ... وافهم كلامي الحقولو ليك ... انت ما محتاج اوريك انت شنو بالنسبة لي ولا اوصف ليك مشاعري لانو الجواي جواك .. والشئ البينا اكبر بكتير من أي كلام ممكن اقوله ... انا عمري ما اتخيلت في يوم من الايام اني حاكون لانسان غيرك .. ولا انك ممكن تتزوج واحدة تانية غيري لاني اتعلمت الحب على ايدك وعاوزاك تتاكد من حاجة مهمة شديد .. طول ما انا حية مافي راجل في الدنيا دي حيقدر يحتل مكانتك جواي ...

كان صوتها يزداد خفوتاً ويقل ثباته كلما تكلمت اكثر ... بينما اذدادت قوة قبضتها وما ترسله لكفه من احاسيس ...

- حامد .. انا عاوزاك تسمع كلام عمي العمدة وتعرس السرة ...

صدرت منه شهقة الم وعدم تصديق عندما سمع جملتها .. حاول ان يتكلم لكنها قاطعته بلهجة اقرب للبكاء ...

- انا عارفة اني السبب في كل البيحصل ليك ... عارفة انو تمسكك بي هو الوصلك للانت فيهو هسة ده ...

حاول مقاطعتها لينفي عنها التهمة لكنها وضعت اصابع يدها الحرة على فمه لتسكته .. فاغمض عينيه واستسلم لهذه الهبة وبدات شفتاه ترسلان الاف الرسائل السرية لاطراف الانامل الرقيقة .. ارتعشت امونة وبدات دموعها تسيل مرة اخرى من فرط الاحسايس التي غمرتها ..حاولت ان تسحب يدها لكنه قبض عليها بقوة وابقاها في مكانها ...

- حامد ... انا اهون علي اشوفك معرس واحدة تانية من اني اشوفك بتدمر نفسم بالصورة دي ... اهون علي انك تعرس السرة من انو ابوك يتبرا منك ويطلق خالتي ... احنا خلاص ارتباطنا بقى مستحيل .. عمي ما حيوافق .. وابوي ما حيوافق بدون موافقة عمي يبقى ربنا ما اراد نكون مع لبعض .. ومافي داعي ناس تانيين احنا بنحبهم يتعاقبوا بسببنا ... حامد لو بتحبني صحي صحي عرس السرة .. وخليك متاكد ومقتنع انو البيني وبينك لو عرست نسوان الدنيا كلهم ما بيتاثر ولا بتغير ولا بنتهي الا بالموت لازم تعرف انك جواي زي دمي الجاري في عروقي .. زي نفسّي الطالع ونازل في صدري وزي دقات قلبي .. يعني طول ما انا عايشة في الدنيا دي انت حتفضل جواي وانا عارفة اني جواك بنفس المستوى ... لكن مرات القدر ببقى اقوى مننا .. والانسان الغبي بس هو البتحدى القدر .. وافق يا حامد وعرس السرة .. وافق عشان خاطري وبرضاي .. وافق لو بتحبني .. دي رغبتي وعاوزاك تنفذها لي .. انت عمرك ما رفضت لي طلب .. ودة آخر طلب حطلبو منك ... نفذ لي طلبي يا حامد ..

اجهشت امونة بالبكاء ... وبكى حامد لبكائها .. للحلم الذي تبدد ... للالم القادم حتى آخر العمر نظر اليها من خلف دموعه بحسرة ودهشة من النضج الذي اعتراها في فترة وجيزة .. من الحكمة التي تتكلم بها .. احس بالفخر لقوتها في مواجهة ضعفه ...اصبح حزنه غمامة سوداء تغطي افق حياته لان هذه المراة لن تكون له .. سوف يفقدها الى الابد ... عندما خرجت امونة من الغرفة بدت شاحبة كالاموات .. لكن كلماتها خرجت واضحة ...

- خلاص حامد وافق يعرس السرة ... بشَر ابوك يا بله ... قول ليهو امونة بتقول ليك مبروك ..

اعطتهم ظهرها وبدات تمشي بخطوات آلية لا حياة فيها ...
" ابشر يا ود العمدة ... ابشر بالخير " ...
رفع حامد يده وتجاوب تلقائيا مع العبارة .. ثم هب واقفاً عندما وجد نفسه محاطاً بحفيدته وزوجها وثلة من اهله .. احس بيد احدهم تندس تحت ذراعه وتقوده تجاه حلبة الرقص المزدحمة .. ترك نفسه تنساب مع تيار البشر .. رفع عصاه الى اعلى في رقصة وقورة افسح لها الجميع المجال حتى اصبح وسط دائرة هو مركزها .. كان الجميع يتابع حركاته الرشيقة بتصفيق متحمس ..
في ركنها البعيد جلست السرة تراقبه ..كانت الوحيدة التي تدرك بان الفرح ليس جزءا من هذه الحركات ... الوحيدة التي تعلم مدى الحزن الذي يتلبس هذه الرقصة ... دمعت عيناها عندما التقتا في صدفة خاطفة بعيني زوجها اللتان عكستا رهق روحه وعذابها ..
نهضت ببطء وهي ترمي بحملها على ظهر الكرسي الذي ناء بثقله وكاد ينكفئ بها ... امتدت يد قوية ودعمت الكرسي بينما احاطت بها الاخرى ...

- اقيفي يا خالتي .. انا حاسندك لغاية ما تدخلي ..

ابتسمت السرة في وجه عمار ابن شقيقتها بحنان امومي جعلها تتذكر ابراهيم .. الذكرى الحية من حبيب عمرها .. ولدها المتباعد عنها حتى يخيل اليها احيانا انه يبغضها ... احست بالاسى يعتصر قلبها وهي تتمنى لو كانت يده هي التي تسندها وتقودها .. بدات تمشي بخطوات متئدة وهي تتمتم بالحمد لان ابراهيم لم يعش ليراه في هذه الحال .. ثم تنهدت بعمق وهي تفكر ...ربما لو عاش والده لما وصل ابدا الى ما هو عليه الان ...


ظهرت رجاء فجاة امامها بوجهها المبتسم ...

- شاردة وين يا ام ابراهيم ؟؟ ... لسة الحفلة في بدايتها ... اوعي تقولي لي حتنومي من دلوقت ...

ابتسمت السرة في وجه رجاء التي تحبها كإحدى بناتها ..

- انتي الوين يا ولية ؟؟ انا من بداية الحفلة بافتش عليك ... يعني لا شفتك باركتي لرحمة ولا رقصتي مع بلقيس .. ووين التومات وجمال ؟؟

اجابتها رجاء بصوتها الجرسي وابتسامتها الراقصة ..

- البت مقصوفة الرقبة جانيت ما جات .. قالت عندها دروس حتقدمها في الكنيسة بكرة ولازم تحضر ليها من الليلة ... هسة انا ماشة اودي ليها العشا وراجعة .. لكن جاكلين مهيصة مع منال في نص حلبة الرقيص .. وجمال واقف في توزيع العشا ... اسمعي يا السرة ... عليك الله ما تنومي انا بس حامشي البيت خمسة دقائق وارجع .. انتي عارفاني ما عندي كبير غرض في الحفلات بجي اقعد معاك جوة ونتونس ...

كان عمار ينتظر بصبر انتهاء حديث خالته مع جارتها .. انه يحبها مثل امه وهي تعامله بحنان لا يقل عن حنان امه .. كان يعتمد على رصيد على هذا الحب عندما يفاتحها برغبته في الزواج من ابنة ضرتها ... دق قلبه دقات سريعة متتابعة عندما تذكر اميرة بوجهها الفتان وقوامها البديع وهاتين الغمازتين اللتين تفقدانه صوابه ويشعر برغبة في لمسهما كلما رآها .. استفاق من افكاره على يد خالته وهي تربت علي كتفه ..

- يلا يا عمار دخلني جوة .. ولا اقول ليك خلاص اهي ديك بدرية جاية وبتوصلني .. ارجع انت للحفلة ...

تهللت اسارير بدرية عندما رأت عمار .. شدت فستانها حول جسدها ورفعت يدها تتحسس تسريحة شعرها ... يجب ان يراها ابن خالتها في اجمل هيئة ... تمايلت في مشيتها وبرز صدرها العارم امامها وهي تتقدم بخطوات ضيقة .. تاملتها السرة بتمعن وهي ترى فيها نسخة عنها عندما كانت بعمرها حتى نظرات الوله التي تملا وجهها عندما تنظر لعمار ذكرتها بنظراتها لابراهيم ... احست بفرحة تتسلل الى قلبها وهي تفكر بان ابنتها مغرمة بابن خالتها ... ليس هناك من يستحق بدرية اكثر منه ... وسوف يكون زواجهما صورة اخرى من زواجها بابراهيم ... سوف تنتظر اللحظة التي يفاتحها فيها عمار برغبته في الزواج من بدرية بفارغ الصبر .

جاكس
06-11-2012, 04:43 AM
الفصل الثامن

فتحت رجاء باب بيتها الصغير ودلفت الى الداخل وهي تحمل طبق الطعام لابنتها العنيدة التي رفضت حضور الحفل وفضلت البقاء وحيدة في المنزل ...كانت يدها تمتد الى ازرار الاضاءة تلقائيا وهي تشق طريقها الى الداخل وتتمتم ...

- بسم الصليب ... يا يسوع ... يا عدرا يا ام النور ...

ثم رفعت صوتها منادية ..

- يا بت يا جانيت انتي قاعدة في الضلمة ليه ؟؟!! ...

اتاها صوت ابنتها من داخل غرفتها ...

- انا هنا يا ماما ...

دخلت رجاء وهي تحمل ابتسامتها الحانية وبلهجة عاتبة خاطبت ابنتها ..

- جانيت انتي لسة ما خلصتي تحضير الدرس بتاعك ؟؟ يا بتي ما تستهدي بالله وتقومي تلبسي وتمشي معاي .. خالتك السرة بتسال عليك ...
ردت الابنة بعناد ..

- خلصت لكن ما حامشي .. وخالتي السرة كفاية عليها انتي وخالو وجمال وجاكلين .. انا عاوزين بي شنو ؟؟ ..
وضعت رجاء طبق الطعام على طرف الطاولة .. اختفت ابتسامتها .. تاملت ابنتها بغيظ .. سحبت الكرسي من تحت المكتبة الصغيرة المحملة بكتب جاكلين وجلست...

- في شنو يا جانيت ؟؟ انتي مالك يا بتي معقدة الدنيا كدة ؟؟ ليه ما تبقي زي اختك واخوك وتتعاملي مع الحياة ببساطة ؟؟ ..
قاطعتها جانيت بثورة غير متوقعة ...

- قصدك يا ماما اكون سبهللية وماشية في حياتي كدة ساكت بدون التزام ؟؟

فوجئت رجاء برد ابنتها ونهرتها بحدة ..

- جانيت !! احفظي ادبك يا بت .. انتي قايلة روحك كبرتي خلاص وممكن تكلميني بالصورة دي ؟؟ والله لو ما احترمتي نفسك لاضربك بالشبشب لمن روحك تطلع في ايدي .. كيف تقولي على اخوانك سبهللية وما ملتزمين ؟؟ اخوك ما شاء الله عليهو في الامتياز ومتفوق من اول سنة .. ادبه واخلاقه بيحكوا بيها الناس .. واختك كمان دخلت الطب من غير ما تتعبني ولا تكلفني قرش احمر .. وريني شنو السبهللية الهم عاملينها ولا عدم الالتزام في شنو ؟؟!! ...

- قصدك شنو يا ماما بكلامك دة ؟؟؟ انتي بتعايريني عشان ما دخلت جامعة زيهم ؟؟ يعني غلطتي اني ما طلعت شاطرة زي باقي اولادك ؟؟

- يا بت يا مجنونة في ام بتعاير بتها ؟؟ يشهد ربنا انا كنت باتمنى اشوفك زيهم واحسن منهم كمان ... انتي براكي الرفضتي تواصلي ... قلنا ليك عيدي السنة عشان تجيبي مجموع كويس يدخلك الكلية الانتي عاوزاها قلتي لا ما عاوزة واصريتي تشتغلي بشهادة الثانوي ...وعشان ما تزعلي سقتك ومشيت لقسيس نجيب وهو ما قصر جاب ليك وظيفة كويسة بمرتب حلو ... لكن انا ما كنت عاوزاك تشتغلي ... واتمنيت اشوفك تدخلي الجامعة زيك زي اخوانك ... وقلت ليك احنا ما محتاجين لمرتبك ... شغلي وشغل خالك مكفينا وزيادة ...
- يا ماما افهميني .. انا ما عاوزة ادخل الجامعة .. ما عندي رغبة فيها ... انا عاوزة اكرس نفسي للكنيسة وبس .. ومن زمان اتمنيت اخش الدير وابقى راهبة .. لكن عشان عارفاك ما حتوافقي اشتغلت في الكنيسة .. شغلي دة هو الشئ الفيهو الفايدة مش زي ولدك وبتك المباريين المسلمين وناسيين الكنيسة خالص ..... ما بيمشوها الا في الاعياد والاعراس .. هي دي السبهللية وعدم الالتزام الانا باقول ليك عليهو يا ماما ... جاكلين وجمال عاملين لي احراج شديد في مجتمع الكنيسة لا بيحضروا القداس ولا الصلاة ولا الاجتماعات ولا بيشتركوا في النشاطات ... وزيادة على كدة بيقولوا حتى في الجامعة مصاحبين المسلمين وبيمشوا معاهم وخالص ما مختلطين بجماعتنا ... بتك ما بتحلف بيسوع والعدرا قدر ما بتحلف بالنبي والرسول ... وولدك لمن يمشي عزا مسلمين بشيل الفاتحة .. باقي شنو تاني يا ماما ؟؟ .. ديل شوية كدة ويبقوا مسلمين وانتي ولا انتي هنا ...

نظرت رجاء الى ابنتها بدهشة حقيقية .. كانت كأنها تراها للمرة الاولى .. ظلت فترة طويلة صامتة وهي تتامل وجهها المضرج بحمرة الانفعال وانفاسها اللاهثة وحركات يديها العصبية المتوترة ...

- يا يسوع يا جانيت !! انتي معبية قدر دة يا بتي ؟؟ جبتي التعصب دة من وين ؟؟ اياكي تقولي من الكنيسة ولا من تعاليم المسيح .. لانو تعاليم ديننا كلها تسامح ومحبة وسلام .. ويسوع كان بيتعايش بكل سلام حتى مع اليهود الما لقى منهم غير الاذية ... جاية انتي تقولي لي مسلمين ومسيحيين ؟؟ المسلمين ديل بقوا زي الاهل واحد .. اتربينا معاهم شاركناهم اعيادهم وافراحهم واحزانهم زي ما هم شاركونا كل حاجاتنا .. ... طول عمرنا حلوين مع بعض ..كل زول محترم دين التاني وما بنتعدى على بعض ... لكن الليلة انتي بكلامك دة جد خوفتيني ... شنو الضلمة الجواك دي يا بت ..جبتي السواد الماليك دة من وين ؟؟ اذا دي الكنيسة البتعلمك كدة انا بكرة حامشي اقابل ابونا واشوف منو البيزرع ليكم الكلام الغريب دة جوة عقولكم ...
نتفضت جانيت من مكانها وهي تصرخ بهستريا ..

- اياك يا ماما تفكري تجي الكنيسة ولا تقابلي ابونا ... انتي كمان عاوزة تفضحيني زي اولادك ؟؟ دة بدل ما تتكلمي معاهم وتعقليهم ؟؟؟ عاوزة تخربي علي في مكان شغلي ؟؟ وحياة المسيح لو عملتيها لاخلي ليكم البيت وامشي اقعد عند اعمامي ...

احست رجاء وكان احدا لطمها على وجهها .. فرفعت راسها وكانت عيناها ممتلئتان بالدموع ...

- تخلي البيت وتمشي عند اعمامك ؟؟!! .. اعمامك ياتهم ؟؟ !! المن يوم ما مات ابوكي ما شفناهم ولا سالوا عننا ؟؟!! بقى هو الموضوع كدة يا جانيت ؟؟ دي افكار اعمامك المتعصبين الفاهمين الدنيا والدين غلط ... بس انا عاوزة اعرف انتي بتلاقيهم وين ؟؟؟ بتمشي ليهم من ورا ضهري ؟؟؟ وبتمشي ليهم ليه ؟؟؟ ديل اتهربوا من مسؤليتكم لمن كنا في اشد الاحتياج ليهم .. هسة بعد ما كبرتوا واتعلمتوا وبقيتوا ناس جايين يعملوا فيها حٌنان معاكم ؟؟ .. وكمان بتهدديني بيهم ؟؟ لعلمك هم ما ليهم أي جميلة عليّ وانا ما خايفة منهم ... وعشان كلامك دة انا بكرة بدري حامشي الكنيسة واقابل ابونا واحكي ليهو عن قلة ادبك وطريقة تفكيرك المعووجة ..

خرجت رجاء من غرفة ابنتها وهي تصفع الباب خلفها بقوة ... كانت قد وصلت الى منتصف الصالة عندما ادركت بانها قد فقدت رغبتها في العودة الى الحفل .. تراجعت الى غرفتها واغلقت بابها باحكام كانها تود ان تضع حاجز بينها وبين افكار ابنتها وكلماتها المؤلمة ... استلقت على سريرها بكامل ملابسها وتركت لدموعها العنان ...

الفصل التاسع

جلست " حبيبة " في ركن منعزل من الصيوان الكبير وهي تراقب الحفل بشرود ..كانت ترتدي ثوباً فاخراً ساعدتها نعمات في اختياره .. يداها مليئتان بالحلى الذهبية .. هيئتها ترفل في النعمة وتدل على الثراء ...بينما ارتسمت على ملامحها سمات الفقر ... والجوع ... كان التناقض الذي يلفها واضحاً وملفتاً ... ابتسمت بغموض عندما وقعت عيناها على " فاطمة " ابنتها البكر ذات السبع عشرة ربيعاً وهي ترقص بحماس وسط الدائرة التي تحيط بالعروس ... بدت جميلة بسمرتها الابنوسية وجسدها المخملي اللامع وقد تضارب لونه مع لون فستان الساتان الزهري .. تحايلت على شعرها القصير بتسريحة مبتكرة احاطت بوجهها الجميل الذي مثل ميراثها الوحيد من والدها ... اما هي فقد اورثتها لونها الداكن وشعرها الاكرت وقوامها الممشوق .. وروحها المشبعة بعقدة الدونية ...
دارت عينا حبيبة وهي تبحث عن زوجها الذي وطنت نفسها على تقبله بكل ما فيه من عيوب .. اصيبت بخيبة امل عندما لم تجده وسط الحشود .. وانبأها حدسها بمكانه ... شعرت بغصة تسد حلقها كأن شيئا ما يخنقها .. رفعت يدها الى عنقها وهي تحاول ان تتلمس مجرى الهواء فتصادمت اساورها واصدرت رنينا لفت انتباه بعض النسوة الجالسات على مقربة منها ... نظرن اليها بحقد وتقاربت رؤسهن فعلمت انها ستكون مثار الحديث بين اقارب زوجها اللائي يبغضنها بمجاهرة مستفزة .. لم تعد تشعر بالراحة في مكانها المنعزل فهبت واقفة وبدات تسير على عجل محاولة تفادي المرور بهن وبرغم ذلك سمعت الجملة التي تعمدت احداهن قولها بصوت عال حتى تصل اليها ...

- والله الدنيا دي غريبة جد ... عليكم الله عاينوا التوب وكمية الدهب اللابساهم ؟؟!! ... متضّرعة بيهم زي التقول جايباهم من بيت ابوها ... سبحان المعطي الاداها عزّ عمرها ما كانت تحلم بيهو ... مش كان اولى منها واحدة تستاهلوا ؟؟ الا بس دة الزمن الكعب الخلى ولد القبايل المأصّل المفصّل يعرس الفرخة بت الخادم ... الحمد لله الابوهو مات قبل ما يحضر اليوم دة ولا كان مات حسرة عليهو ...
وتعالت مصمصات الشفاة من بقية الجالسات تعبيرا عن تضامهن مع الكلمات التي كانت تقطر سما زعافا في روح حبيبة ... تجاوزتهن بخطوات مقهورة وقطعت المساحة التي تفصل بقية الحوش عن بيت والديها بعيون غائمة .. اندست خلف سور الاشجار ودفعت الباب الخشبي بنزق ثم دلفت الى الحوش الذي لم تتغير معالمه منذ ان كانت طفلة صغيرة تركض خلف اخويها وابراهيم ... في منتصف الحوش اخذت ثلاث ( عناقريب ) شكل مربع انتزع ضلعه الرابع ... كانت نسمات الهواء تحرك الشراشف الخفيفة برقة فتطير الى اعلى حتى تحجب معالم الجسد النحيل الذي يحتل احدها ثم تهبط الى الاسفل بنعومة لتلامس الارض ... وقفت حبيبة بهدوء وهي تتامل العجوز النائمة بجلدها المجعد وعروقها النافرة ... كان شعرها الاكرت مجدول في ضفائر قصيرة ناصعة البياض بالكاد تصل الى حدود اذنيها ... بدت كالطفلة بيدها التي تحتضن خدها .. طفلة نال منها التعب والمرض والحزن .. همت حبيبة بوضع يدها على راس امها فايقظ صوت تصادم الحلى العينة من نومها الخفيف .. فتحت عينيها لتقعا مباشرة في عيني ابنتها الدامعتين فرفعت راسها بدهشة ...

- حبيبة !! .. الحفلة خلاص انتهت ؟؟ .. مالك عيونك مدمعة ؟؟ انتي كنتي بتبكي ولا شنو ؟؟ اوعي تكوني اتشاكلتي مع نسيبتك ولا زول من اهلها ؟؟ انا مش وصيتك الناس ديل تبعدي منهم ؟؟

كانت الكلمات تخرج من فمها الخالي من الاسنان بنغمة غريبة .. بدأ الانزعاج واضحاً في ملامحها الهرمة ... هزت حبيبة راسها وجلست في العنقريب القصير المواجه لامها وهي تخاطبها بحنو ..

- يمة انتي لسة مصرة تتعبي نفسك وتفرشي التلاتة عناقريب كل يوم ؟؟ .. كفاية عليك تفرشي حقك بس .. ولو كمان رضيتي تجي تقعدي معاي يكون احسن عشان اراعيك اكتر انا طول الوقت قلقانة عليك وانتي قاعدة هنا براك ...
تحاملت العينة على نفسها ورفعت يدها لتسند بها راسها وهي ترتكز على شقها الايمن وتواجه ابنتها...

- يا حبيبة عنقريب ابوك دة بيونسني .. وطول ما هو مفروش انا باحس انو ابوك حي ما مات ... تصدقي يا بتي مرات باصحى نص الليل وباعاين جهته وبتخيل لي انو بخيت راقد فيهو بعراقي الدمورية البيحبه داك .. ومرات باسمع طقطقة خشب العنقريب كانو بيتقلب في نومو .. ومرات بيجيني صوت شخيرو .. ابوك ما خلاني يا حبيبة ..كيفن عاوزاني اخليهو واجي عندك ؟؟ .. بعدين انتي وبناتك طول النهار عندي .. البجيني شنو ؟؟ بخيت حارسني .. واخوك حيرجع قريب .. عشان كدة انا مخلية عنقريبو مفروش .. عشان لمن يجي يلقاهو جاهز ..
اطرقت حبيبة حتى لا ترى امها لمعات دموعها التي تهدد بالسقوط في أي لحظة ... ما زالت العجوز تامل بعودة عبد الرزاق رغم غيابه الذي امتد الى قرابة العشرين عاما بلا خبر او اثر يدل على حياته.. اعتبره الجميع ميتاً الا العينة التي ظلت تردد بعناد ...

- ولدي حي ما مات .. انا قلبي بيحدثني وبيقول انو حي ... قلب الام ما بيكذب ... حيرجع ... لو طال الزمن ولا قصر حيرجع ..بس الله يديني العمر عشان اشوفه تاني قبل ما اموت ...

ظل سبب اختفاؤه الغامض سرا لا يعلمه سوى حبيبة ... وابراهيم ... سر اسود قبيح حملته حبيبة كجرح متقيح ينفث سمومه بداخلها كل يوم ...
استعادت حبيبة ذكرى ليلة شتوية قارسة البرودة ... صوت الريح يعوي بضراوة في الخارج .. تصده الجدران الطينية فيناور ويتسلل من شقوق الابواب والنوافذ الخشبية مشيعاً البرودة في المنزل الصغير محتدياً كومة الفحم التي اشعلتها العينة ووضعتها في ( الكانون ) القصير وغذتها باعواد سميكة من اخشاب الشاف والطلح .. فصمدت الرائحة وانهزمت الجمرات بعد ان تغطت بطبقة كثيفة من الرماد حجب حرارتها .. احتست حبيبة العشرات من كؤوس الشاي الاحمر المخلوط بالقرنفل في محاولة يائسة لمحاربة البرد والنعاس .. لا مجال للنوم فامتحانات سنتها قبل الاخيرة بكلية التربية على الابواب وما زال امامها الكثير لتستذكره .. كانت تجلس في منتصف سريرها محاطة بالكتب والدفاتر بينما تقترب الساعة من الحادية عشر ليلاً... لقد ظلت من المتفوقات منذ ان وطات قدماها ارض الجامعة برغم العوامل المحبطة التي تعيشها .. ارادت الحصول على شهادتها حتى تخرج من اسر الظروف التي تحيط بها ولكي تزرع الفرحة في قلب والديها بعد ان رفض شقيقها الاكبر عبد الستار مواصلة الدراسة وفضل الالتحاق بالجيش ... كانت قد احست بامتلاء مثانتها منذ وقت طويل لكنها تجاهلت الامر حتى تؤجل المشوار الصعب الى دورة المياه في آخر الحوش خوفا من مواجهة البرد والظلام في الخارج ... مع مرور الدقائق اصبح نداء الطبيعة اكثر الحاحاً ولم يعد بامكانها تاجيل المشوار البغيض ... كانت قد سطت على خزانة والدها واستولت على بنطلون قديم ربطته في وسطها تحت الرداء السميك باحدى احزمة عبد الستار .. استعارت جوارب عبد الرزاق المدرسية ودست قدميها في الخف الجلدي ... حملت غطاء سريرها وتدثرت به ثم استجمعت شجاعتها وفتحت الباب المؤدي الى الحوش ...
كان القمر بدراً ينعكس نوره على قمم الاشجار ويمدد الظلال المتراقصة على عزف الريح المجنون ... اصطكت اسنان حبيبة عندما صفعها الهواء الثلجي فرفعت الغطاء حتى راسها وامسكته بقوة تحت ذقنها وهي تقطع المسافة عدواً ... اضاءت النور الاصفر الشاحب وهي تتمتم بآيات قرآنية في سرها ثم دخلت ... عندما خرجت كانت تلعن نفسها على شرب هذه الكمية الكبيرة من الشاي ... فوجئت بالسكون الغريب لصوت الريح .. اخافها الصمت فبدات تركض رجوعا عندما تناهت الى سمعها صرخة مكتومة متالمة ... بدا لها الصوت شبيها بصوت شقيقها عبد الرزاق ... تجمدت خوفاً وهي تتساءل ان كانت واهمة لان شقيقها خرج برفقة ابراهيم منذ العصر لزيارة بعض الاصدقاء ... فبعد التحاق عبد الستار بالجيش توطدت العلاقة بين ابراهيم وعبد الرزاق بصورة غريبة واصبحا كالجسد وظله لا يفرقهما الا النوم ... كانت اكثر الناس سعادة بهذه العلاقة التي تتيح لها رؤية ابراهيم كل يوم .. حبيبها الغافل عن مشاعرها نحوه .. لم تستطع لومه على غفلته ... الفارق بينهما يغطي نظره ويحجز احاسيسها عن الوصول اليه ... قد يصادق اخوانها .. لكنه ابدا لن يفكر فيها .. هي بالنسبة اليه فقط حبيبة ابنة بخيت والعينة ...
اتتها الصرخة مرة اخرى مصحوبة باحتجاجات مبهمة حجبها صوت الريح التي استعادت نشاطها وسيطرتها على الجو .. ترددت حبيبة وهي تقدم قدم وتؤخر الاخرى في محاولة لاقناع نفسها بان الاصوات التي تسمعها مجرد خيال .. لكن الريح بين سكونها وهبوبها حملت اليها الاصوات مرة اخرى أكثر وضوحاً .. فحسمت ترددها وبدات تخطو نحو مصدرها ..
كانت تسير بمحاذاة الحائط على اطراف اصابعها .. واستدارت مع الزاوية دون ان تعرف سببا لحذرها ... واجهتها راكوبة القنا المتقاطع التي شيدها عبد الستار منذ زمن بعيد وخصصها مكانا للعب وحفظ حاجياته البسيطة ومن خلال الفتحات المثلثية رات المشهد الذي غيّر حياتها الى الابد ..
كان ابراهيم وعبد الرزاق ملتحمان في رقصة عنيفة ... غامضة ... لم تر من هيكل شقيقها غير يداه المرفوعتان اعلى راسه على الحائط المواجه له وهما تنقبضان وتنبسطان تبعا لحركات ابراهيم المحمومة بينما اختفى بقية جسده الضئيل خلف جسد ابراهيم الفارع الذي بدا غريبا بقميصه القصير وبنطاله الواقع تحت قدميه .. تسببت شهقتها العالية في بتر الرقصة المتناغمة وانفصال الجسدين من التحامهما الحميم ... تسمرت قدماها ولم تستطع الهرب وتفادي المشهد المخزي الذي يدور امامها .. عندما التفت الاثنان برعب وجداها تقف كالتمثال بعيون باكية وفم مفتوح .. برغم البرد القارس كانت قطرات العرق تلمع في جبين ابراهيم وتنحدر ببطء على عنقه وصدره ... بينما بدا عبد الرزاق بسنوات عمره التي تجاوزت العشرين بعدة سنوات كطفل صغير حطم اواني امه المفضلة ... امتلات عيناه الصغيرتان بالدهشة ... والخوف والخجل .. تدلت شفتاه الغليظلتان ببلاهة بينما كانت يداه المرتعشتان تجاهدان لالتقاط بنطاله ووضع حاجز بين نظرات اخته الخاوية وجسده العاري .. باءت محاولته لستر نفسه بالفشل وظل فترة من الزمن يحجل حائرا ... اخيرا حمل بنطاله الملئ بالتراب غطى به موضع خجله وفر هارباً خلف سور الاشجار الذي يفصل بين عالمهم ... وعالم ابراهيم ..
اصبحت المواجهة بينها وبين الرجل الذي احبته بصمت منذ سنوات مراهقتها الاولى ... كانت تنظر اليه دون ان تراه .. لقد غرقت داخل روحها وهي تحس بالصنم الذي بنته له في احاسيسها يتفتت ويتهاوى ويملا اعماقها بتراب نتن .. كان يقابل نظراتها بعيون مفتوحة على اتساعها .. جامدة لا يرف لها جفن .. عيون ميتة لا حياة فيها ... احست بالريح تخترق مساماتها وتتغلغل الى دواخلها وصمّ عوائها اذنيها .. ارتعشت بعنف وسياط دموعها تجلد خديها بحرارة تتحدى البرد الذي استوطنها ... خفض ابراهيم عينيه ورفع بنطاله بهدوء ... غطى صدره المفتوح و تحرك بخطوات ثابتة ... تجاوزها مطرقاً ثم اختفى خلف سور الاشجار يتبعه مزيج غريب وخانق من رائحة عطر نفاذ مخلوطاً برائحة العرق ...
لم تدر كم من الوقت ظلت مسمرة في مكانها .. لقد فقدت الاحساس بالزمان والمكان وكل الاشياء التي تحيط بها ... لذلك اصابتها الدهشة صبيحة اليوم الثاني عندما اكتشفت انها في سريرها ...لم تتذكر كيف ولا متى عادت الى الداخل ..اوهمت نفسها بان ما راته لم يكن حقيقيا ... انه مجرد كابوس مخيف وقد انتهى باستيقاظها ... لكن رائحة ابراهيم ما زالت عالقة بانفها ... نظرات شقيقهاوالاصوات التي سمعتها ... كل هذه الاشياء تؤكد انه لم يكن حلماً .. بل واقع مؤلم ..جارح .. قبيح ..
كانت تلك الليلة آخر مرة ترى فيها عبد الرزاق ... لقد اختفى شقيقها ولم يترك وراءه اثر يقتفى .. كانه لم يكن يوما موجودا ... واصلت الشرطة البحث لفترة طويلة بتشجيع من ود العمدة المشفق على بخيت والعينة .. كان ياتي يوميا للسؤال عنهم يرافقه ابراهيم الذي نفى علمه بمكان صديقه المختفي والعينة تساله كل مرة بالحاح الام المفجوعة ...

- ابراهيم يا ولدي انت متاكد انو ما قال ليك ماشي وين ؟؟ انتو كنتوا اصحاب ما بتتفارقوا وسرو كلو معاك .. ما وراك لو في زول شاكلو من اصحابكم ؟؟ ..

كان يرد عليها بثقة وهو ينفي علمه بمكان عبد الرزاق او اسباب اختفاؤه بينما عيناه تواجهان عيني حبيبة الصامتة بتحدى وحذر ... كانت احيانا تلحظ نظرة متواطئة بين ابراهيم وعبد الستار الذي حضر من ثكنته للمشاركة في البحث عن شقيقه .. كانت نظرة غريبة ..تعبر الفضاء بينهما وهي تطلق شرارات من الحقد والتسامح والكراهية والحب ...مما جعل حبيبة تتساءل عما يدور بينهما ...
مرت الايام .. وتقلصت حدة المرارة الاولى لغياب شقيقها ... تخرجت من الجامعة بتقدير متوسط بعد ان هدم ما حدث رغبتها في التفوق ودافعها للنجاح ... فمنذ تلك الليلة ... فقدت الاشياء بريقها .. انكسرت روحها وتبعثرت احلامها وخيمت على حياتها سحابة رمادية كئيبة .. لقد خنقها السر الاسود الذي تحمله وصبغ عالمها بطعم مالح ... فجيعتها المزدوجة في شقيقها والرجل الذي احبته كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال ... اجبرت نفسها على قبول وظيفة معلمة في المدرسة الثانوية المجاورة لبيتهم حتى تشغل نفسها عن التفكير واستعادة تلك الذكريات التي قلبت عالمها راسا على عقب ...
كانت الذكرى الثانية لاختفاء عبد الرزاق موعداً لانفجار قنبلة اخرى بعثرت ما تبقى من حياتها ... حضر ابراهيم بمفرده وطلب يدها من والدها ... كانت دهشتها اكبر من فرحة العينة وخوف بخيت فرفضته بلا تردد ... برغم ان حبها له لا زال يراود قلبها بين حين وآخر ... الا ان ذكرى الرقصة المخزية التي شهدتها كانت تغمرها بحضورها كلما حاولت نسيانها ... تزيح الحب لتترك قلبها مليئا بالغضب والمراراة ...
جزعت امها لرفضها الفوري المقرون باستهجان رمته في وجه ابراهيم الذي جلس هادئا وهو يحاول طمانة بخيت المتوجس من هذا الطلب وظل يسال بالحاح ...

- ابراهيم يا ولدي .. امك وابوك عارفين انك جاي تخطب حبيبة ؟؟؟ موافقين على الموضوع دة ؟؟ ليه ود العمدة ما كلمني ؟؟ لو كان ناداني انا كنت مشيت ليهو لغاية عندو ...

لحظتها انفجر غضب حبيبة من الذلة الواضحة في ملامح والدها فصاحت ..

- ابوي !! .. كيف يعني تمشي ليهو ؟؟ ولدو عاوز يخطب بتك وانت التمشي ليهو ؟؟ وبعدين لا تمشي ولا يجيك ... انا ما موافقة .. وما عاوزة اعرسك يا ابراهيم .. ولو بقيت آخر راجل في الدنيا دي ما حعرسك ... انسى الموضوع دة تماما وشيلو من راسك ...

نهرها بخيت بفزع ...

- اسكتي يا بت يا قليلة الادب يا عديمة التربية .. معليش يا ابراهيم البت دي غبيانة ساكت وما عارفة بتقول شنو ... والله ود العمدة يناديني الا اجري ليهو حفيان ... دة سيدي وولد سيدي وتاج راسي ولحم اكتافي من خيرو .. وجمايلوا مغرقاني من راسي لرجليني ...

قاطعه ابراهيم وهو يواجه حبيبة بنظرات متحدية ...

- عم بخيت ... اهدا وخلي حبيبة دي عليَ .. انا بعرف كيف اقنعها ... المهم انت وخالتي العينة موافقين ؟؟

همس بخيت بانكسار ...

- عاد يا ابراهيم يا ولدي إنت بتترفض ؟؟ إنت ولد الحسب والنسب ... لكن بس انا عاوز اعرف امك وابوك موافقين ؟؟ ...

رد ابراهيم بلامبالاة ...

- امي وعم حامد عاوزين سعادتي .. والشئ البرضيني لازم يرضيهم ... انا شايف سعادتي ورضاي مع حبيبة ... احنا اتربينا مع بعض وانا باعرف كل حاجة عنها وهي بتعرف كل حاجة عني ...

ضغط على كلماته الاخيرة ونطقها ببطء متعمد وهو يغرز نظراته المتحدية في عمق عينيها ...

- يعني يا عم بخيت انا ما محتاج افتشكم ولا انتوا حتفتشوني ... وانا ما حالقي احسن من حبيبة وهي ما حتلقى احسن مني .. اها قلتوا شنو ؟؟ ...

ردت العينة بفرحة لم تستطع اخفاءها ..

- بالحيل يا ولدي .. حبيبة ما بتلقى احسن منك ..

صدرت صرخة غيظ وتمرد من حبيبة الغاضبة التي رمقت الجميع بحدة ثم اعطتهم ظهرها وغادرت الغرفة على عجل ..
في اليوم التالي لزيارته فوجئت به واقفا امام باب المدرسة حيث تعمل .. كان متكئا على سيارته باهمال وهو يلهو بسيجارته بين اصابعه متجاهلاً نظرات الاعجاب الموجهة اليه من الطالبات المفتونات بوسامته وسيارته الفارهة ... تبادلا نظرة طويلة قبل ان يرمي بعقب السيجارة ويسحقه بقدمه وهو يتجه اليها .. تكلمت معه عبر اسنان مطبقة فأتت عبارتها هامسة .. حانقة ...

- بتعمل شنو هنا يا ابراهيم ؟؟ .. الجابك شغلي شنو .. انت عاوز تحرجني قدام الناس وتعمل لي فضيحة ؟؟ انا مش قلت ليك امبارح اني ما حعرسك ؟؟

رد عليها بلامبالته التي تبغضها ...

- انتي عاوزة تناقشي الموضوع دة هنا ؟؟؟ في نص الشارع وقدام الناس ديل كلهم ؟؟ !!

دارت نظراتها لتصطدم بالكثير من العيون الفضولية المندهشة ...واحست بالحرج الشديد عندما تناهت الى سمعها العبارات الهامسة ...

- دة منو الزول السمح الوافقة معاهو ست حبيبة دة ؟؟!! ...

كانت المقارنة بين مظهريهما محبطة .. هي بلونها الداكن وشعرها الاكرت القصير وانفها الافطس وهو بلونه الذهبي وشعره الناعم .. ملامحه الوسيمة وقامته الفارعة ... أحست بالضآلة وغرقت داخل احساسها بالدونية امامه ... استدارت لتنصرف فامسك بذراعها بقوة جعلتها تشهق ... حاولت ان لاتثير مشهدا امام طالباتها وزميلاتها فالتفتت اليه برجاء ...

- ابراهيم .. فك ايدي وخليني امشي .. كفاية العملتو لغاية هسة ... هسة الناس حيقولوا عليّ شنو ؟؟ تلميذاتي حيفكروا فيني كيف ؟؟ ...

تمسك بذراعها اكثر وهو يقودها تجاه السيارة ..

- ولا شئ .. قولي ليهم دة خطيبي وجا عشان يرجعني البيت .. أنا متاكد كتار منهم حيحسدوك ... اركبي خلينا نمشي لاني ماناوي امشي من غيرك ... انا عاوز اتكلم معاك شوية وفي مكان هادئ ..
اذعنت لامره على مضض حتى لا يزداد الوضع سوءاً وهي تفكر في التبرايرات التي يجب ان تقدمها غداً لزميلاتها عن ابراهيم واسباب ركوبها سيارته ... رفضت بعناد ان تنزل الى أي كافتريا اختارها .. فاوقف ابراهيم سيارته تحت شجرة ضخمة في بقعة هادئة مواجهة للنيل .. اشعل لفافة تبغ ثم استدار ليواجهها ...

- حبيبة انتي ليه رفضتي تتزوجيني ؟؟!!...

ردت عليه بحدة ...

- انت بتستهبل ولا شنو يا ابراهيم ؟؟!! يعني ما عارف رفضتك ليه ؟؟ طيب خليني انا اسالك سؤال ... انت ليه اخترتني انا بالذات دونا عن باقي بنات الدنيا كلها عشان تتزوجني وانت عارف الفروقات البينا ؟؟ ولمن انت عاوز تتزوج ليه ما خليت امك تخطب ليك واحدة من بنات الحسب والنسب الفالقة بيهم راسنا ؟؟ وليه مصر عليَ انا بالتحديد خصوصاً بعد الشئ الانا شفتو وبسببه عبد الرزاق هرب ؟؟ انت قايلني عويرة ؟؟ جاهلة ؟؟ ما بفهم ؟؟

كان هوانها يتصاعد وذكرى الرقصة المحمومة تقفز امام عينيها باصرار ... تهدج صوتها وصار اقرب للبكاء .. كانت ترغب في ايلامه لانه تسبب في هروب شقيقها ... ارادت ان تعاقبه لانه قام بتدمير الصنم الذي بنته له بداخها وظلت تعبده سراً لسنوات طوال ... هاجمته بضراوة ...

- هو انت اصلاً ياابراهيم بنفع تعرس ؟؟ يعني ممكن تعيش حياة زوجية طبيعية مع أي واحدة ؟؟؟ ولا يمكن عشان كدة اخترتني وقررت تتزوجني ... حبيبة المسكينة بت خادم ابوك وجدك... البت الشافتك مع اخوها في احقر وضع ممكن يتشاف فيهو بني آدم وبعد داك سكتت وما قالت كلمة واحدة .. يمكن قلت لنفسك طالما هي سكتت عن الموضوع دة يبقى ما بيهمها ؟؟!! ... ويمكن كمان قلت دي ما حتصدق اني اقول عاوزها وحتوافق طوالي ؟؟ ... لا يا سليل الحسب والنسب .. اول شئ انا ما سكت عن موضوع عبد الرزاق عشان خاطرك ولا خوفا منك .. انا سكت عشان خاطر امي وابوي لانهم لو عرفوا الحقيقة ممكن يموتوا فيها ... وتاني شئ اذا انت مفتكر انك اول ما تقول دايرني حجيك جارية واقول ليك شبيك لبيك انا بين ايديك تكون غلطان .. تالت شئ اذا انت متخيل انكم لسة بتملوكنا ولازم ننصاع لاوامركم تكون واهم .. عهد الاقطاع دة انتهى زمان ... واحنا قاعدين معاكم بس عشان ابوي مصر ما يفارق ابوك بدافع ولاء غبي وما عندو معنى ... وبعدين يا ابراهيم انا لمن اجي اعرس بكون عاوزة ارتبط براجل كامل مش نص راجل .. راجل احترمه واثق فيه ... وانت فاقد لكل الحاجات دي ...
انقطعت انفاسها وفقدت السيطرة على دموعها فسالت باندفاع ... دل ارتعاش جسدها على غضبها العارم فغطت وجهها بيديها وانخرطت في بكاء حاد ... تركها تفرغ انفعالاتها حتى هدأت ... ساد السيارة صمت ثقيل لا يبدده سوى هسيس احتراق لفافة التبغ التي يدخنها ابراهيم بعصبية .. عندما رفعت وجهها اخيرا ونظرت اليه هالها وجهه الشاحب الممتقع ... كانت يداه ترتعشان وهما تشعلان اللفافة الخامسة منذ بداية الجلسة المؤلمة ... نظر اليها بامعان ..

- خلاص خلصتي كلامك يا حبيبة ؟؟!! .. ممكن انا اتكلم ؟؟...

هزت راسها بصمت وركزت نظراتها على مركب شراعي صغير يتهادى بعيدا عن الشاطئ ... بدا حديثه بصوت خفيض وبلهجة تتمايل بين الحدة ... والضراعة ...

- عارفة يا حبيبة انا عاوز اعرسك ليه ؟؟ .. عشان اكون على طبيعتي .. بدون ما البس قناع يدس حقيقتي .. بدون ما اتظاهر اني انسان تاني ... معاك بحس بالامان وبدون خوف من انو سري يتكشف ولا اتفضح ... انا عاوز اعرسك انتي بالتحديد لانك جزء من مأساتي الانا عايشها من طفولتي ... تفتكري يا حبيبة انا اتولدت كدة ؟؟؟ لا .. لانو مافي انسان بتولد كدة ... احنا اتربينا مع بعض في حوش واحد .. وانا قعدت في بيتكم اكتر مما قعدت في بيتنا ... يعني لو الوصلت ليهو هسة دة بسبب غلط في تربيتي يبقى من بيتكم ما من بيتنا ... واذا بتفتكري اني ولد بايظ حقول ليك ايوة انا ولد بايظ .. ومن زمان شديد ... لكن ختي في بالك انو الاولاد هم البيبوظوا الاولاد وانتي عارفة بيتنا كلو بنات .. ما تتخيلي اني بقول ليك الكلام دة عشان الوم اخوانك ولا ابرئ نفسي الحصل حصل من زمان وخلاص انتهينا منو ... المهم اني بقيت كدة .. وما بقدر اتغير دة بس عشان تكوني عارفة انو حتى بعد ما نتزوج انا حافضل كدة الا اذا انتي قدرتي تغيريني وتطلعيني من الشئ دة ...

استنشق نفساً طويلا من لفافته .. واخرجه بتدرج من فمه وهو ينظر في عينيها مباشرة ..

- السبب التاني الخلاني افكر فيك انتي بالتحديد هو حبك لي ..
شهقت حبيبة بصوت عال عندما سمعت جملته الاخيرة .. التفتت لتنكر الاتهام الصحيح الذي ظنت انه سرها وحدها .. فرفع ابراهيم يده مقاطعا نيتها ..

- انتي كنتي قايلاني ما عارف ؟؟ قايلاني ما حاسي بيك ؟؟ انا عارف وحاسي من زمان يا حبيبة وكنت مبسوط بحبك لي لاني كنت متاكد انك بتحبيني انا ابراهيم .. لشخصي مش عشان ابوي منو .. ولا عمي منو .. ولاعندنا شنو ... حبيبة .. انا لو عاوز اعرس أي بت من اجعص البيوت هنا ولا في البلد بقدر .. عارفة ليه ؟؟ لانو الناس ليها بالظاهر .. وانا قدام الناس فارس الاحلام .. امنية أي بت .. لكن انا ما عاوز أي بت انا عاوزك انتي ... لانو انتي الوحيدة الحتفهميني ...

اصطبغ صوته بسخرية غريبة وهو يواجهها ..

- يا زولة احنا بينا حاجات مشتركة كتيرة ما محتاج اعدها ليك .. لكن حاقول ليك بس كفاية يكون بينا عبد الرزاق وعبد الستار ...

انتاب حبيبة خوف مبهم من اسلوبه وردت عليه بوهن ...

- عرفنا عبد الرزاق !! .. مالك كمان بعبد الستار ؟؟!! .. دة حتى لمن خلى البيت ومشى الجيش انت كنت شافع .. عاوز تقول عليهو شنو ؟؟ ...

لمعت عينا ابراهيم بومضة مفاجئة ... وارتسمت ابتسامة صغيرة على ركن شفتيه وهو يجاوبها بلهجة اكدت شكوكها التي راودتها بعد ملاحظة نظراتهما المتواطئة يوم اختفاء عبد الرزاق ...

- عبد الستار ؟؟!! .. دة يا ستي المعلم .. كبيرنا الذي علمنا السحر ... هو العنصر البخلي المعادلة موزونة .. هو بدا معاي وانا انتهيت مع عبد الرزاق ... مش بلاهي عليك الله دة منتهى العدل ؟؟ هو ابتدع النظرية وانا طبقتها .. هو فتح الباب وانا مشيت في الدرب ...
عندما عادت الى المنزل بكت طويلاً ... واذدادت تصميما واصرارا على رفض ابراهيم ... وتمسكت بموقفها حتى اليوم التالي .. بعد الزيارة العاصفة التي قامت بها السرة الى الجزء الذي يخصهم من المنزل لاول مرة في حياتها ... اتتهم تحمل غضبها وعنجهيتها واذدراءها ورفضها ... هيمن صوتها الجهوري على فضاء المنزل وهي تصرخ منادية ..

- بخيت ... العينة ... انتو وين ؟؟!!..

خرج بخيت من غرفته مفزوعاً وعلامات التوجس تملا وجهه الكالح .. بينما اتت العينة مهرولة وهي تحمل يديها الملطختين بالعجين ...

وبادرتها بالتحية ..

- السرة ؟؟!! ... اهلاً حبابك .. اتفضلي لجوة ... البيت نوّر ...

قاطعتها السرة الهائجة بحدة ..

- السرة كدة ساكت يالعينة ؟؟ انا ستك السرة .. ولا انتي نسيتي انتي منو وانا منو ؟؟!! وانت كمان نسيت يا بخيت ؟؟ .... واضح جداً انكم نسيتوا .. لانكم لو كنتوا متذكرين ما كنتوا غشيتوا ولدي وجرجرتوهو لغاية ما يقول عاوز يعرس بتكم ... ولدي انا ؟؟!! ابراهيم ود ابراهيم ود العمدة الامين يعرس بت بخيت والعينة ؟؟!! ... صحي نسب يشرف ويرفع الراس ... اسمعوا هنا ...

قاطعتها حبيبة التي وقفت بانزعاج وهي تتامل والديها الذليلين امام سطوة السرة الجارحة ...

- لو سمحتي يا خالتي السرة مافي داعي للاهانات دي كلها ... ولدك مافي زول غشاهو ولا جرجرو !! ولدك جانا براهو وعشان ترتاحي انا رفضتو وقلت ليهو ما عاوزاك ... يبقى خلاص انتهينا ..
التفتت اليها السرة بتحفز وهي تكور قبضتي يديها كانها تهم بضربها ... اتسعت عينا بخيت وندت عن العينة صرخة واهنة بينما تراجعت حبيبة خطوة الى الوراء ..

- خالتي السرة ؟؟!! انشاء خلل الضروس .. خالتك بوين يا بت العينة ؟؟!! اوعك اسمعك تقولي خالتي دي تاني ... وكان نكرتي من هسة للسنة الجاية ما بصدقك ... ولدي غشيتيهو وجرجرتيهو .. بس وريني عملتي شنو ؟؟ ... مشيتي ليك لفكي ؟؟ كتبتيهو ؟؟ اصلكم معروفين بتاعين فقرا .. تكونوا ليكم سنين بتشربوا العروق والمحايات لمن عميتو عيونو .. هو كان ما عميان صحي صحي يقول عاوز يعرسك انتي ؟؟!! ليه من جمالك ولا من اصلك ولا من قروش ابوك ؟؟ ولا يمكن تكوني حامل ؟؟!! ايوة بس قولي كدة .. ما هو مافي سبب تاني يجبرو يعرسك الا اذا حملتي منو ... ولدي انا عارفاهو ولد اصول ومتربي صح .. بيكون عاوز يصلح غلطو ويتحمل مسئوليتو ... وانتي يا حربوية بتكوني عملتي كدة مخصوص ... اصلاً ياهو دة اسلوبكم من زمان تحملوا من اسيادكم عشان يعرسوكم ... لكن اسمعوني هنا وفتحوا عيونكم ... خلاص انتهى الزمن البيجي فيهو السيد يقول الخادم حامل لبسوها توب وشبشب وما تخلوها تعوس وتخدم .. اها يا بت العينة اكان دايرة توب وشبشب بديك .. لكن عرس ليك مافي .. دايرة قروش بديك لكن ولدي لا .. ما بديهو ليك .. اهون علي اقطعو وارمي لحمو للكلاب ولا يعرسك انتي .. وكان قايلة روحك بتغشيني بكلام انك رفضتيهو تبقى غلطانة ... انتي ترفضي ولدي ؟؟!! هو انتي اصلا كنتي تحلمي انك تلقيهو عشان ترفضيهو ؟؟ جاية تقولي الكلام دة بعد ما سكيتيهو لمن روحك طلعت ؟؟؟ لكن مليت خشمي بالله ... ابراهيم ما يعرسك طول ما انا حية ...
رفعت حبيبة الموجوعة من اهانات السرة لها ولوالديها راسها بتحدي واتي ردها باردا ...

- طيب يا السرة بدون خالتي ... شفتي عشان كلامك دة انا حوافق على ابراهيم .. وحعرسو .. واتحداك لو بتقدري تمنعي الحاجة دي .. وهسة لو سمحتي اتفضلي برة من غير مطرود ..كفاية السم السمعناهو منك من لحظة ما عتبتي الباب ... اتفضلي برة

بدات حبيبة تتجه نحو السرة المسمرة من الدهشة بخطوات مهددة وهي تحس بالالم لانكماش ابيها ودموع امها العاجزة ...

- انتي بتطرديني يا بت العينة ؟؟ .. بتطرديني من بيتي .. والله دة كلام !! يا قليلة الادب يا ما مربية ... بتطرديني من ملكي وحقي ؟؟ دي قوة عين انا ما شفت زيها ... لكن ما غريبة على صنفكم دة ... طيب والله عشان قلة ادبك دي الا ابيتكم الليلة في الشارع ... لموا كروركم دة واطلعوا من بيتي ... امشوا شوفوا ليكم راكوبة ولا ضل شجرة اقعدوا تحتوا ... اصلا داك حيكون مكانكم الطبيعي ...

وقفت حبيبة في وجهها بتحفز ويداها مغروزتان في وسطها ... كانت نظراتها تلمع بالتشفي والسخرية

- بيتك ؟؟؟ ملكك ؟؟ بيت شنو الملكك يا ام بيت انتي ؟؟ انتي ما عارفة انو عمي حامد كتب البيت دة لابوي بيع وشرا وسجلو باسمو في المحكمة قبل عشرة سنين ؟؟ .. شكلك ما عارفة ؟؟ لكن ما بلومو لانو دسّ منك .. هو اكتر زول عارف انك انسانة عنصرية ومليانة كراهية وحقد ... داخلة في وهم انك احسن من الناس ... لسة عاوزة تصنفي البشر اسياد وعبيد ... عايشة في الماضي وما قادرة تستوعبي انو الزمن اتغير والناس اتغيرت والافكار اتغيرت !!
وقع الخبر كالصاعقة على راس السرة .. مفاجاة البيت الذي وهبه حامد لبخيت دون علمها اخرستها اصبحت كالتمثال وهي تسمع عبارات حبيبة الشامتة ... كانت نظراتها تدور بين افراد الاسرة بفم مفتوح ... ظلت تبحث عن صوتها حتى وجدته فخرج خشنا ومبحوحاً .. تدفقت كلماتها مخلوطة برزاز بصاقها الذي تناثر في وجه حبيبة ...

- تعرفي يا بت العينة ..مش لو اتعلمتي ولا دخلتي جامعة ولا حتى جبتي دكتوراه تفتكري انك ممكن تبقى زينا ولا حتى توصلي طرف مكانتنا ... مهما عملتي حتفضلي طول عمرك حبيبة بت بخيت والعينة ..وكان رضيتي ولا ابيتي .. انا ستكم وبت اسيادكم ... وولدي بقتلو بايدي قبل ما يعرسك ويفضحني بيك قدام الناس ...

استدرات وسارت بخطوات متعبة دون ان تهتم برفع طرف ثوبها الذي تبعها ماسحاً الارض خلفها فرفعت حبيبة صوتها وهي تاكد لها ...

- طيب يا السرة .. حنشوف ... انا ولا انتي ؟؟ وبكرة ولدك يعرس الخادم غصباً عنك كان رضيتي ولا ابيتي ..وحاقعد ليك في قلبك ... وحابقى ليك زي شوكة الحوت .. وشوفي حتقدري تعملي شنو ...

بعدها باسبوع تم عقد قرآن حبيبة على ابراهيم في حفل مختصر باهت غابت عنه السرة وبناتها ... وبعد سنة انتقلا الى المنزل الصغير الذي شيده ود العمدة في ركن بعيد من الحوش بعد ان رفض خروج ابراهيم وزوجته من المنزل نزولا عند رغبة السرة الغاضبة .. وبعد الانتقال بثلاثة اشهر انجبت حبيبة ابنتها البكر " فاطمة " لتخرس الاشاعات التي انتشرت عن سبب الزواج الغريب ...
مرت السنوات وحبيبة تحارب السر الاسود في حياة زوجها ... لكنه كان اقوى واعمق واكبر من كل اسلحتها ... فاعلنت هزيمتها امامه وانسحبت من المعركة مكتفية بانتصاراتها المتمثلة في بناتها الثلاث .. تظاهرت بالسعادة والاكتفاء امام العالم الخارجي وهي تتهاوى داخلياً ... كان ابراهيم يدفع ثمن صمتها وبراعتها في تزييف واقعه بسخاء شديد .. فاصبحت ترتدي افخم الثياب واغلى المجوهرات كي تخفي جوع انوثتها المهدورة وفقر روحها المدقع واحساسها المستمر بالذل في حضور زوج اثبت رجولته بالانجاب والغى انوثتها بمباركة صامتة من مجتمع غافل لم يستطع ان يحل لغز التناقض الغريب بين مظهرها الطافح ثراء .. وملامحها المشبعة بالحزن ... والجوع ...
ارتفعت موجة من الزغاريد فاعادت حبيبة الى واقعها ... رفعت راسها لتخاطب العجوز الواهنة .. فوجدتها غطت في نوم عميق وفمها يصدر صفيراً خافتا متقطعاً ... حملت الغطاء ووضعته فوقها برفق وهي تقبل مفرق الراس الابيض وتسقط فيه دمعة ساخنة ... اتجهت بخطوات بطئية نحو السور الشجري الذي يفصل بين عالم تحبه .. وعالم يكرهها ...

جاكس
06-11-2012, 04:44 AM
الفصل العاشر

كانت حلبة الرقص تغلي بالاجساد الموزعة فيها بفوضى ... اختلطت روائح العطور الغالية مع الرخيصة .. وامتزجت برائحة العرق والرمل المبلل بالماء ... في الجو تشكلت سحابة رقيقة من ضباب الانفاس اللاهثة تخترقها من وقت لآخر شرارات ناتجة عن التصادم العفوي او المتعمد بين الراقصين ..
كانت منال تحس بحريق هذه الشرارات وهو يصلي جسدها وينشر فيه رعشة متوثبة كلما اقتربت من جمال وابتعدت عنه في محيط الدائرة المتمركزة حول رحمة وزوجها ... كانت حركاتهما المتناغمة تبدو تلقائية لكل من حولهما .. وحدهما يدركان ان نية التقارب كانت مبيتة وتم التخطيط لها قبل الحفل بوقت طويل عندما انتزع جمال من منال وعداً بان تكون معه طيلة الوقت ...

- منال ... اوعك يوم العرس ترقصي مع أي زول تاني غيري ... انتي عارفة انا بغير عليك قدر شنو .. وما بتحمل اشوف حد تاني يقرب منك ...

- ما تخاف يا جمال .. يا انت يا بلاش ... مش في الرقيص وبس .. في حياتي كلها ..

في احدى لحظات التقارب امال جمال راسه على اذن منال وهمس لها ...

- منال .. انا حنسحب هسة وانتي تعالي بعد شوية ... الدنيا جايطة وما حد حيلاحظ غيابنا ... عاوزك ضروري ... حستناك في حوش بيتنا .. ما تتاخري ...

كانت انفاسه التي تعبث بشعيرات اذنها تعدها باحتمالات مبهمة ... احست بحرارة جسدها ترتفع حتى خيل اليها ان بخارا يخرج من عينيها ويضفي على محيطها مشهداً سيريالياً ... اومأت براسها ايجابا واشرقت ملامحها بابتسامة حالمة عندما ضغطت اطراف انامله على باطن كفها قبل ان يغادر مكانه بجانبها ... تبعته نظراتها بوله .. وتراقصت غمازتيها بشكل مغر ... دارت عيناها بحذر فيمن حولها وهي تبحث عن لمحة ادارك لما يدور بينهما .. تنفست بارتياح عندما لاحظت ان الكل لاهي بالتنفيس عن مشاعره في رقص هستيري لاهث ...
وقع نظرها على والدتها وهي تحيط شقيقتها وزوجها بكلتا ذراعيها .. وبين الفينة والاخرى ترفع كفها الذي تصالح مع لون الحناء بعد خصام طويل وهي تمسح به دمعة عصية انحدرت في غفلة منها ... احست منال بموجات من الحنان تعبر حواسها وهي تتامل والدتها ... ما لبث ان تبعها احساس قوي بالكآبة عندما غزت افكارها الهواجس بما يمكن ان يحدث عندما تعلم عن علاقتها بجمال .. وانتقل عقلها من جو الفرح الذي يحيط بها الى عالم الخوف الذي يناوشها منذ ان اعترفت لنفسها بحبها المستحيل .. لقد ادركت باستحالته منذ الوهلة الاولى ... انكرت احاسيسها ودفعتها خارج قلبها .. حاولت بكل ما تملك من ارادة ان تقاوم مشاعرها التي سكنتها منذ صغرها .. وعندما دخلت الجامعة جاهدت كي توجهها الى اتجاه آخر باقامة علاقة مع احد زملائها الذي استمات في التقرب اليها منذ اول يوم لها في الكلية ... لكنها فشلت ... كان جمال الوحيد الذي استطاع فك شفرة الدخول الى قلبها واحتلاله بلا منافس .. بمرور الايام اصبحت تحبه بعمق وصدق مخلوط بالخوف والحيرة ... تماوجت ظلال الهموم التي تعتريها على ملامحها وصبغتها بالتوتر كانت تتامل امها الباكية فرحاً وهي تتساءل .. هل ستبكي فرحا اذا ما قدر لها ان تتزوج بجمال ؟؟...
انسحبت من وسط الدائرة بهدوء وشقت الجموع بخطوات مرتبكة ... دخلت الى المنزل وقطعت الساحة حتى وصلت الى السور الشجري ... دفعت الباب الخشبي القصير فاصدر صوتا اجفلها .. عبرت الحوش على اطراف حذائها حتى لا توقظ العجوز النائمة بسلام ... فتحت الباب المؤدي الى الشارع وبخطوات قليلة وصلت الى الباب الملاصق له فوجدته موارباً بانتظار حضورها ...نزلت الدرجات الصغيرة الى داخل الحوش شبه المظلم ..كان جمال قد اكتفى باضواء الصيوان المشعة وجلس بانتظارها في احد الكراسي الحديدية ... هب واقفاً ما ان رآها ..كانت اللهفة تملا ملامحه الوسيمة التي تزينت بابتسامة عريضة .. فتح ذراعيه على اتساعهما فتقدمت واندست بينهما .. احتضنها بقوة وحنان .. استكان راسها على صدره العريض .. وتقاطعت يداها خلفه ... زرع شفتيه على مفرق راسها وتجولت يداه على طول ظهرها برقة ... اختنقت منال من قوة المشاعر التي تعتمل في صدرها فتنفست دموعها بصمت ... احس جمال باختلاجات البكاء التي تهز الجسد الملتحم معه ... تهاوى قلبه خوفاً على الفتاة التي يعشقها بجنون .. حاول ان يحررها من اسر ذراعيه حتى يرى وجهها .. لكنها احكمت عقد كفيها خلف ظهره ودفنت وجهها في صدره وهي ترفض ان تدعه يرى دموعها .. همس في اذنها

- منال !! انتي بتبكي ؟؟...في شنو ؟؟ كلميني .. انتي عارفة اني ما بتحمل اشوفك حتى مكشرة ... عايني لي يا منال ..

امسكها من كتفيها وابعدها عنه قسراً ليفاجا باخدودين عميقين حفرا طريقهما من عينيها ليكونا بركة رطبة مخلوطة بالكحل على قميصه الازرق ... اصابه الجزع وهو يرى دموعها تنزل بهذا الشجن لاول مرة منذ بدء علاقتهما .. فخرجت كلماته متوترة وحائرة ..

- منال !! كلميني .. في شنو ؟؟ الحاصل شنو ؟؟!! ... حد مزعلك ؟؟؟ حد قال ليك حاجة عننا ؟؟ حالتك دي قلقتني شديد ... قولي لي مالك ؟؟...
كانت تهز راسها سلباً على كل سؤال يوجهه لها ... تلفحت بصمتها وهي تتامل علامات الانزعاج على ملامحه ... رفعت يدها الصغيرة ووضعتها بتعب على صدره .. فرفع كفيه واحاط بهما وجهها المبلل بالدموع .. وبدا يجفهها بالطريقة الوحيدة التي تريحه .. وتريحها .. هبطت قبلته بنعومة الريشة على جفنيها ... ثم تجولت شفتاه برقة بين خد وآخر وهي ترتشف القطرات المالحة بهيام حتى وصلت الى ركن شفتيها .. توقف طويلاً قبل ان يطبع فيه قبلة اثارت رعشتهما معاً ... اراد ان يتوقف .. لكنه لم يستطع ... ارادته ان يتوقف .. لكنها لم تنبس بحرف ... انها قبلتهما الاولى ... كان لها مذاق لاذع كالبهار الحار.. وناعم كملمس المخمل ... خلقت بداخلهما مشاعر غامضة ... ومخيفة ... تلاشى كل شئ حولهما الصوت والضوء والمكان والزمان ... لم يبق الا التحام شفتين تركزت فيهما حواس كائنين عاشقين ... شهقت منال وهي تبحث عن انفاسها .. فانفصل عنها جمال بصعوبة ... وامسكها بحرص عندما ترنحت خطواتها لحظة انفصالهما .. امسكها من ذراعها واجلسها في الكرسي خلفها ثم جلس بجانبها وهو ما زال ممسكاً بيدها ...تلاقت نظراتهما بدهشة .. وفرح ... عندما وجد صوته بعد عناء .. اتت كلماته عميقة ومتحشرجة ...

- منال وحياة البيني وبينك تكوني صريحة معاي وتحكي لي الحاصل ... بتبكي ليه ؟؟ دي اول اشوفك بتبكي بالصورة دي من يوم ما عرفتك !! .. قولي لي الحقيقة وما تخليني قاعد على اعصابي ..

وفجاة اتسعت عيناه برعب وظهرت فيهما لمحة ادراك مرتابة .. فسالها بهمس ..

- منال ؟؟ انتي في حد اتقدم ليك ؟؟ جاك عريس ؟؟ عاوزة تخليني يا منال ؟؟...

انتفضت عند سماعها عباراته المتالمة وسارعت بالرد ...

- لا .. لا يا جمال ... ما تخلي خيالك يسرح بيك بعيد ... ما في زول اتقدم لي .. حتى لو دة حصل انت عارف اني حارفض .. لانو انا عاوزاك انت .. ومستحيل ارتبط بانسان غيرك مهما حصل ..

- طيب بتبكي ليه ؟؟

- ما عارفة يا جمال ... خايفة ... خايفة شديد لدرجة انو مخي مشلول وما قادرة افكر في أي شئ ... خايفة من المستقبل .. مجرد احتمال اننا ما نقدر نواجه الناس بحبنا وما نقدر ندافع عنو ونضطر نخلي بعض في النهاية ... احتمال انو اعيش حياتي من غيرك بيقتلني يا جمال ...

- نخلي بعض ؟؟!! ... منو القال اننا حنخلي بعض ؟؟ منال انتي مفروض تكوني لغاية هسة عرفتي اني مستعد اتخلى عن روحي ولا اخليك .. واني مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا دي عشان اكون معاك ... في اكتر من ديني ؟؟ منال انا حخلي ديني عشانك..

- جمال انت عارف انا بحبك قدر شنو .. وبرضو مستعدة اعمل أي شئ عشان اكون معاك لكن بعد كدة خايفة ... الموضوع دة ما ساهل ... لا علي ولا عليك ... انا لمن اتخيل الممكن يحصل ليك لما اهلك يعرفوا انك بقيت مسلم !! وحتى لو انت اسلمت وعن قناعة اهلي حيرفضوا اني اتزوج انسان كان مسيحي واهلو كلهم لسة مسيحيين .. وحيحاولوا يفرقونا باي طريقة ... ابسط شئ انهم ممكن يحبسوني ويعرسوني لي اول واحد يدق الباب ... اما انت .. تاكد انو وقتها جدي حامد حينسى انو رباك على ايدينو حينسى العشرة والجيرة والعلاقة الطيبة .. دة جدي وانا باعرفو كويس .. هو انسان طيب وكريم وحنين .. لكن عندو حدود لكل شئ .. وما بيقبل اي زول يتخطى الحدود دي مهما كان ... ولو بالغلط او عن عمد ... ولو أي واحد مننا اتخطاها بينقلب ويبقى انسان تاني ... قاسي وما بيرحم ... يعني يا جمال لو عرف .. ممكن ياذيك وياذي اهلك .. ولا العجب كان ابوي واعمامي سمعوا !! ... دي بيحصل فيها موت ... بيقتلونا احنا الاتنين ..
اطرق جمال فترة طويلة وهو يستمع الى صوتها المهتز ... وعندما رفع راسه كانت في عينيه نظرة مصممة

- شوفي يا منال ... انا مستعد احارب الدنيا كلها عشان خاطرك ... بس اكون ضامن انك حتقيفي معاي وتتمسكي بي زي ما انا متمسك بيك ... احنا من البداية كنا عارفين انو ارتباطنا دة ممكن يواجه صعوبات كتيرة .. وبرغم كدة مشينا فيهو ... هسة دة الوقت الحنثبت فيهو لبعض جدية مشاعرنا .. انا باقي لي شهور واخلص الامتياز .. كنت ناوي ما اعمل أي خطوة الا بعد ما اخلص .. لكن الحالة الانتي فيها دي خوفتني وخلتني اقرر اني ما انتظر ... من بكرة انا حابدا احضر اوراقي عشان اقدم للهجرة ... وحقدم ليك معاي بصفتك زوجتي ..

لم يتوقف برغم الشهقة العالية التي صدرت عنها ...

- منال .. طالما انو احنا عارفين ما عندنا فرصة حياة مع بعض هنا ... يبقى نطلع برة احسن ... نمشي ابعد مكان في الدنيا ... مكان ما يقدروا يوصلوا لينا فيهو ... انا عندي اصحابي في استراليا وكندا كل مرة يحنسوني عشان اقدم .. انا كنت رافض اطلع من السودان عشانك ... لكن هسة دة بقى حلنا الوحيد ... ولما نقدم مع بعض فرصتنا بتكون احسن وقضيتنا مضمونة .. تعرفي الخواجات ديل بيهتموا شديد باسباب طلب الهجرة وبالذات الجانب الانساني ... يعني لمن ندخل انا وانتي مع بعض ونحكي ليهم قصتنا ونشيل معانا الاوراق البتثبت اختلاف ديننا .. ونوضح ليهم انه في تهديد مباشر على حياتنا لو قعدنا هنا .. تاكدي انهم حيقتنعوا ... ناس كتار اتحججوا بموضوع الاضطهاد الديني دة وادوهم ... بعد ما تخلص جوطة عرس رحمة دي .. نطلع يوم من الجامعة مع بعض ونمشي الجوازات نطلع ليك جواز سفر .. انتي جهزي جنسيتك وباقي الاوراق .. وجيبي لي شهادتك بتاعت الثانوي واطلبي شهادة من الجامعة تثبت انك في سنة اولى طب وانا حاشيلهم وامشي اوثقهم في الخارجية وفي السفارة عشان أي مكان نمشي تواصلي دراستك ... عاوزك تتحركي بهدوء وما تخلي أي زول مهما كان يعرف انتي بتخططي لشنو ... ولا حتى جاكلين اختي ما تعرف حاجة ... وعلى بال ما اخلص الامتياز تكون الاوراق الرسمية كلها جهزت ونمشي نقدم طوالي ... وما تشيلي هم لقروش التذاكر ومصاريف السفر انا حدبر كل شئ ..وقبل السفر بيومين نمشي المحكمة اشهر اسلامي ونعمل العقد ونخلص .. اها قلتي شنو في الكلام دة يا منال ؟؟!!

عندما رفعت منال راسها وواجهت نظراته كان وجهها قد اختفى لونه وارتسمت فيه علامات الفزع والحيرة ...

- قصدك شنو يا جمال بالكلام دة ؟؟ انت عاوزنا نهرب ؟؟ نخلي البلد واهلنا وكل شئ ؟؟

- عندك حل تاني ؟؟!! .. لو عندك حل قوليهو لي وانا مستعد اعملو ...

قوبل تساؤله المتحدي بصمتها اليائس ... بينما استعاد مجرى الاخاديد نشاطه المحموم ...

الفصل الحادي عشر

جلس ابراهيم خلف المائدة المربعة وعلامات التجهم تعتلي وجهــه الوسيم ... كــان يتامــل اوراق ( الكوتشينة ) التي يحملها بعدم رضى وهو يحمل كأسه شبه الفارغ .. تناول آخر رشفة منه ثم رمى اوراقه .. ندت عن شريك اللعب صيحة فرح وضرب بيده سطح الطاولة بقوة جعلت الاكواب والزجاجات ترتفع عن مكانها قليلا لتهبط بفوضى في الاوراق المبعثرة محدثة ضجيجاً عالياً لفت انتباه المجموعة الجالسة ارضاً في احد اركان الحجرة المتواضعة متحلقين في دائرة وقد انهمك كل منهم في عمله ... كانت اوراق لفافات التبغ الفارغة واعقابها منتشرة في كل مكان بعد ان انتزعت احشائها في طبق واسع عميق احتشـدت فيه عدة ايادي لتخلط التبغ مع اوراق الحشيش المتساقطة من (قنــدول) يحمله ( جادين ) ويفركه بين يديه بقوة ... بينما تولى آخر مهمة تجهيز اوراق (البرنسيسة) الناعمة ووضع الخليط ولفه بحرص في لفافات صغيرة متساوية ...
رفع جادين راسه مخاطبا رفيق ابراهيم في اللعب وعلى وجهه ابتسامة شامتة ...

- يا زول انت الليلة حظك ضارب بالجد ما دام قدرت تغلب ابراهيم الحريف ... اها طلعت منو بكم ؟؟ من حضر القسمة فليقتسم ... وما دايرين قروش ... امشوا جيبوا لينا كوارع ولا سمك من الموردة .. اتهرينا من اكل الفول والطعمية .. الا انت يا ابراهيم مالك ما جبت لينا معاك عشا من بيت العرس ؟؟ ما عزمتنا قلنا معليش تكون خايف من ابوك وما دايرو يشوف اصحابك الصعاليك .. طيب على الاقل كنت تملا لينا كيس اكل وتجيبو معاك !! ...

هب ابراهيم غاضباً فارتد كرسي الخيزران القديم الى الخلف وسقط ارضاً بدوي عال اشاع التوتر في جو الغرفة المعباة بالدخان الازرق ورائحة الخمر ... وتكلم بانفعال وحدة ..

- اسمع هنا يا جادين ... انا ما بخاف الا من ربي الخلقني ... وقلت ليك قبل كدة الف مرة ود العمدة ما ابوي ... انا ابوي مات زمان .. وبعدين فول وطعمية شنو الاتهريت بيهم ؟؟ انا ما كل يوم بجيب ليكم احسن اكل ... لكن اصلك زي الكدايس تاكل وتنكر ..
تحامل جادين على نفسه محاولا الوقوف ومواجهة ابراهيم الذي كان يطل عليه من عل بطوله الفارع تدخّل ( منان ) صاحب المنزل عندما احس بنذر الحرب المعتادة بين صديقيه تطل براسها ..

- يا جماعة مالكم قولوا بسم الله ... اقعد يا ابراهيم وروق المنجة ... خليني الف ليك سيجارة مخصوصة .. والله جابوا لي نوع ما يستاهلو زول غيرك ...

تجاهله ابراهيم وعاد الى الطاولة حمل مفاتيح سيارته واتجه الى الباب يتبعه منان باستعطاف ذليل ...

- يا ابراهيم ياخي الليلة مالو خلقك ضيق كدة ؟؟ جادين ما قاصد حاجة وبيهزر معاك من العشم بس ...

- شوف يا منان .. انا لو تاني جيت ولقيت الزول دة قاعد هنا بطلع طوالي .. ويمكن ما ارجع تاني ... دة انسان سخيف وجنو مطاعنة زي النسوان .. وانا متاكد انو ما بيهزر وبتعمد يفور دمي كل مرة ...

سد منان الدرب بجسده حتى لا يخرج ابراهيم الغاضب ..

- ياخي هو زول اشتر وما بيعرف يتكلم .. احنا ذنبنا شنو تخلينا عشانو ؟؟ وبعدين انت عارف من زمان انو بيغير منك شديد .. سيبك منو .. كدة روق واقعد عشان تشوف انا مجهز ليك شنو ... حاجة كدة حتخلي مزاجك في العالي ... انا عارف انك ما بتحب الاعراس وانو جوها بيعكرك .. وكنت عارفك حتجي هنا .. عشان كدة عملت حسابي من بدري وجهزت ليك طلبك قبال ما تطلبو .. واها الليلة عشان زعلتك دي حرّم ما اشيل منك مليم ولا تعريفة بس انت كيف ترضى ؟؟!! ... الهدية في السكة وقربت توصل .. اديني صبرك حبة بس .. يا زول حاجة كدة من القلبك بيحبها ...
قاطعت طرقات خفيفة كلمات منان المندفعة فهرول باسما تجاه الباب وعاد مصطحباً معه فتى ناعم الملامح يصعب تحديد عمره بسبب ضآلة حجمه ومشيته المتمايلة بخطواتها الضيقة وتسبقه رائحة عطر نسائي رخيص ... كان ابراهيم يراقب تقدمه باحاسيس متضاربة ما بين الاثارة والحذر ... انه نوعه المفضل ويبدو قريبا من سن عبد الستار عندما بدا معه لعبة الاصدقاء اول مرة ... اللعبة التي اقنعه بانها ميثاق سري بين الصبية وجعله يقسم بكتمانها ... علمه اصولها واسرارها في حصص منتظمة كانت تتم في الاماكن المنعزلة من المنزل الكبير حتى لا يسمع احدهم صرخات ابراهيم المتالمة التي خفت بمرور الايام وخلفت وراءها احاسيس اخرى لم يستطع عمره الصغير وقتها ان يستوعبها ... واصبحت لعبته المفضلة مع صديقه كلما اجتمعا بدعوى استذكار دروسه ... تعلقه بعبد الستار جعله ينفذ كل ما يطلبه منه بلا تذمر .. كان يحاول ارضاؤه بشتى السبل .. وفي كل الاوقات ... كانت النتيجة ان الوقت المخصص للاستذكار قد تقلص وبدات علامته المدرسية تتدنى باضطراد ... لكن من يهتم ؟؟ فالسرة لاهية عنه ببناتها وسعدت برمي حمله على بخيت والعينة ليقوما بتربيته ... اما والده .. فقد كان يزداد تجاهلا له وبعدا عنه يوماً بعد يوم ... وبرغم محاولاته اليائسة لاكتساب حبه ورضاه الا ان قلب ود العمدة ظل موصدا امامه باصرار شديد .. كان يعوضه عن نقص مشاعره بزيادة كمية النقود التي يمنحها له حتى بدون ان يطلبها او يرغب فيها ...بمرور الايام كف عن المحاولة وتعلم كيف ياخذ نقود ابيه ليشتري بها حب الآخرين ... واشتهر في المدرسة بكرمه فسعى الجميع لصداقته واظهار حبهم له ... كان في اعماقه يدرك ان غالبيتهم يسبونه خلف ظهره ويطلقون عليه النكات ... لكنه لم يهتم .. يكفيه تملقهم ومشاعرهم المبذولة عند الطلب لقاء ما يدفعه لهم ...
الوحيد الذي كان يرفض ماله هو عبد الستار ... اعتاد ان يعطيه حبه بلا مقابل .. كان يتقبله بكل عيوبه ونزوات طفولته المرهقة .. كما كان الوحيد الذي استطاع تبديد حيرته بشان كره والده له ... اخبره السبب في جلسة الوداع التي سبقت التحاقه بالجيش .. يومها جلس ابراهيم دامعاً وعيونه تحدق في الفراغ .. وهو يفكر في الايام القادمة بدون صديقه الذي جلس مهموما بقربه وهو يحاول ان يسري عنه ...

- ابراهيم ... ما تخليني امشي وانا قلقان عليك وشايل همك .. انا عارفك زعلان .. لكن انا ما عندي طريقة غير ادخل الجيش ... وما تخاف ححاول اجي كل فترة والتانية بس عشان خاطرك ..

انحدرت دموع ابراهيم المطرق دون ان يحاول ايقافها .. وهمس بصوت مخنوق ..

- انت ليه عاوز تمشي الجيش ؟؟!! .. اقعد هنا يا عبد الستار وانا حكلم ابوي يشغلك معاهو في السوق ... انت صاحبي الوحيد .. وانت بس البتفهمني وتحبني .. انا مافي زول غيرك بيحبني ... حتى ابوي زاتو ما بيحبني ...

- لانه ما ابوك ...

كان الرد صاعقاً .. لذلك لم يستوعبه عقله الحزين التائه في امور اخرى ... ساد صمت ثقيل تغلغلت خلاله الجملة المخيفة الى خلايا عقله .. وعندما رفع راسه كانت نظراته فزعة ومليئة بالدهشة ...

- قلت شنو يا عبد الستار ؟؟!! ... ابوي ما ابوي ؟؟ كيف يعني الكلام دة ؟؟!!...

ظهرت علامات الندم على ملامح عبد الستار بسبب زلة لسانه التي افشت لصديقه سرا حرص الجميع على اخفاؤه عنه منذ ولادته و لمدة احد عشر عاماً ... وفي النهاية قرر ان يخبره ...

- ود العمدة ما ابوك ... ابوك مات لمن كنت في بطن امك .. ودالعمدة عمك اخو ابوك الصغير وعرس امك بعد وفاة ابوك ... انت اصلك ما انتبهت لاختلاف الاسم بينكم ؟؟!! يمكن ما تكون انتبهت لانو الناس كلها بتقول ليهو ود العمدة بدون اسمو ... او لانو امك زرعت في راسك انو ابوك من ما انت صغير ... وفي النهاية هو عمك واساميكم متشابهة ...
اعاد اليه التفسير الصادم ذكرى محاولاته المستميتة للحصول على حب من كان يظنه ابوه ... وفشله المزمن في كل مرة ... انفتحت طاقة عقله واطلت منها الذكريات المؤلمة والاسئلة الحائرة التي رافقته منذ ان وعى بالحاجز العالى الذي يفصل قلب ود العمدة عنه ... وبدات المواقف تمر كشريط سينمائي تؤكد كل لقطة فيه صدق كلمات عبد الستار ... تذكر احساسه الطفولي الفطري الذي جعله يدرك منذ البداية ان هناك خطبا ما في علاقته بابيه .... شيئا مجهولا يجعله يبعده منه كلما حاول الاقتراب ... وضع كل الاسباب التي يستطيع تخيلها لهذا الجفاء الغريب ... وعندما عجز عن ادراك السبب الحقيقي .. لام نفسه .. واحس انه ربما خذل والده بطريقة او باخرى ... وانه لم يصل الى المرتبة التي تؤهله للحصول على ما يستحقه من حب ... لكنه لم يتصور للحظة ان والده ليس والده ... تذكر نظرات الحزن في عيون السرة كلما باغتها بالسؤال المحير ...

- انتي يالسرة .. ابوي ليه ما بيحبني ؟؟!! ...

في السنوات الاولى كانت تنفي الامر بحماس فتر مع مرور السنين وتكرار السؤال حتى اصبح ردها صمتاً عاجزاً ... ثم توقف عن سؤالها بعد اقتنع باستحالة تغيير الوضع .. واكتفى بالتعويض المادي السخي وبحب عبد الستار ... عبد الستار الذي قرر التخلي عنه الآن ليعود وحيدا منبوذا لا يجد من يهتم به .. ادراكه لهذا الواقع جعله يجهش ببكاء مرير ارتجف له جسده الممتلئ ... احتضنه صديقه مواسياً .. لكن اخراجه من مستنقع الحزن الذ ابتلعه احتاج الى اكثر من ذلك ... في ذلك اليوم اتسمت لعبتهما بالخشونة وافرغ ابراهيم حزنه ومرارته في جوف عبد الستار الذي تقبل تقوف تلميذه عليه بلذة واكتفاء .. يومها تلاشت الفوارق بينهما ... وتبادلا دور الصقر والحمامة بكل رضا ... بعدها قرر ابراهيم ان يصبح صقرا ويفترس كل الحمام الذي يعترض طريقه ...
صبيحة رحيل عبد الستار حدثت المواجهة العنيفة بينه وبين السرة .. دخل متحفزاً الى غرفتها .. كانت مواعيدها المقدسة لاحتساء الشاي ... بدت في قمة الراحة وهي ترفع الكوب الى فمها بتلذذ ... نظر اليها بحقد وبدأ هجومه بقسوة ...

- السرة ؟؟ ... مش كنتي من البداية تريحي روحك وتريحيني وتقولي لي انو ود العمدة ما ابوي ... على الاقل كنت فهمت سبب كراهيتو لي وما كنت عذبتك بالاسئلة السنين الفاتت دي كلها ..

رفعت السرة راسها بفزع من لهجة ولدها التي تقطر كراهية .. ومن اسلوبه الوقح في مخاطبتها .. ومن ادراكها بانكشاف السر الذي حرصت على اخفاؤه عن ابراهيم منذ طفولته ... انتفض جسدها وتوقف كوب الشاي في منتصف المسافة الى فمها ... التقت عيناها بعينيه الثابتتين واخافتها نظراته ساد الصمت لفترة بدت دهراً .. وافاقت السرة من جمودها على لسعة حرارة الكوب على اصابعها...

- دة شنو الكلام الفاضي البتقوله دة يا ولد ؟؟؟ جبتو من وين ؟؟ القال ليك منو ؟؟ !! ...

كانت نبرتها المتخاذلة وانكسار نظراتها امام نيران الغضب المشتعلة في عينيه اكبر دليل على صحة ما قيل له ... خرج صوته باكياً ... لائماً ...

- اتاري انا اقول ليه بيفرق في المعاملة بيني وبين اخواتي البنات ؟؟ كنت مستغرب وبقول لنفسي انا الولد الوحيد ... يعني مفروض يهتم بي اكتر منهم ويفضلني عليهم زي ما عمي بله بيعمل مع اولاده وعم بخيت بيعمل مع اولاده ... وكنت كل ما تدخلوا اوضتكم ومعاكم البنات وتقفلوا الباب وتخلوني برة براي اسال نفسي ليه ما بتدخلوني معاكم ؟؟ وكل ما اشوفو شايل واحدة من اخواتي اتذكر انو عمرو ما شالني زيهم وانو كل ما اجري عليهو كان بيدفرني بعيد ... وكنت بجيك واسالك ليه ابوي بيكرهني وانتي كل مرة تكذبي علي كذبة مختلفة ... وانا العوير كنت بصدق كذبك ... لاني كنت عاوز اصدقك انتي وما اصدق نفسي البتاكد لي كل يوم وكل لحظة انو بيكرهني ...

انفجرت السرة بالبكاء وهي تهتز بعنف جعل الطاولة الصغيرة امامها تنكفئ وتوقع صينية الشاي بمحتوياتها لتفرش شظايا الزجاج المخلوط بحبات السكر مساحة واسعة من ارضية الغرفة ... حاولت ان تنتهره لتوقف سيل الحمم المندفع من فمه .. لكن كلماتها خرجت متقطعة ... ضعيفة .. متلعثمة ...

- اسكت يا ابراهيم ... اسكت كفاية حرام عليك .. وريني منو القال ليك الكلام دة ؟؟ !! حامد طول عمرو بيعتبرك زي ولده وما بيخت في محلك زول .. صحي هو ما جابك من صلبو .. لكن هو الرباك وبعدين هو ما غريب عليك .. دة عمك اخو ابوك لزم .. يعني حتى لو ما كنت عرستو كان حيتسال منك ...

اتى رد ابراهيم ساخرا وسريعاً ...

- طيب اذا كان في كل الاحوال حيكون مسئول عني عرستيهو ليه ؟؟ مش كان ممكن يتحمل مسئوليتي بدون ما يعرسك ؟؟ ولا انا كنت حجّة ساكت .. وانتي زاتك لو ما كنت عاوزة تعرسي كنتي رفضتي وقعدتي عشان تربيني ... نسوان كتار بيعملوا كدة...

بدا الغضب يتملك السرة فهبت واقفة لتجد نفسها في مواجهة ابراهيم الذي لم يتزحزح من مكانه ...
كان واقفاً كالطود وقد اصبح يقاربها طولاً ... بدا بذراعيه المعقودين حول صدره اكثر شبها بابيه مما جعل السرة تحجم عن قرار الوقوف فعاودت الجلوس بينما واصل الصبي الثائر هجومه بسخرية..

- بعدين يالسرة انتي مقتنعة انو راجلك رباني ؟؟ هي الرباية دي شنو ؟؟ انو يديني قروش وبس ؟؟ ياريتو لو كان حرمني من القروش بس اهتم بي زي ما اهتم ببناته ... طول السنين الفاتت دي كان نفسي يوم يجي يسالني عن مدرستي ولا عن اصحابي ...عن القروش الكتيرة البديني ليها بصرفها كيف ووين .. كان نفسي يوم ينهرني زي ما كل ابو بيعمل مع اولاده ... أو حتى يضربني بس عشان احس انو عندي زول بيوجهني وبيخاف علي ... راجلك ما رباني يالسرة .. وانتي زاتك ما ربيتني لانك كنتي مشغولة بيهو و ببناتك ... انا ربوني بخيت والعينة الانتي بتكرهيهم بدون سبب ... عم بخيت هو الكان بيشاكلني لمن اغلط ... وخالتي العينة هي البتسالني اكلت ولا لا ... ولمن امرض بتقعد في راسي لغاية ما ابقى كويس ... عبد الستار هو البيذاكر لي دروسي وعبد الرزاق وحبيبة هم البيلعبوا معاي .. الناس الانتي بتكرهيهم ديل حسسوني بانهم اهلي اكتر منكم ... وهي دي التربية يالسرة ...

عندما صمت اخيرا كان صدره يرتفع وينخفض بسرعة تواكب دخول وخروج انفاسه المضطربة ... كان ينظر الى امه بتحد ويستمع الى نحيبها المتشنج دون ان يحس بالشفقة تجاهها ... ادار ظهره وخرج وقد تبدلت ملامحه ... بدا وكان العمر قد تقدم به عشر سنوات دفعة واحدة ...منذ ذلك اليوم نزع ابراهيم لقب الابوة عن حامد .. وبرغم الضغوط التي مورست عليه ... الا انه اصر على موقفه بعناد غريب ...
افرغ ابراهيم كل شحنات غضبه التي ولدتها ذكرياته المظلمة في جسد الغلام الغض .. وعندما خرج من غرفة منان كان يبدو كخرقة بالية ...ممزقة .... لا تصلح لشئ ...قاد سيارته ببطء وقطع الشوارع المظلمة بشرود وآلية فاصابته الدهشة عندما وجد نفسه امام المنزل الغارق في النور والضجيج .. كان الحفل قد شارف على نهايته وبدات مجموعات صغيرة من الضيوف تغادر المكان .. لم يكن في حال تسمح له بلقاء أي انسان .. لذلك ادخل سيارته في الممر الضيق خلف المنزل ... اطفأ المحرك وجلس ساكناً يتامل طرف لفافة التبغ المشتعل ودخانها المعلق كالاوهام فوق راسه ... طالت جلسته حتى احس بالخدر في عضلاته المتعبة ... اغلق ابواب سيارته وتسلل بهدوء عبر باب منزل زوجه عمه الثالثة ... اعترته قشعريرة باردة وهو يقطع المسافة التي تفصله عن البيت الكبير عندما حانت منه التفاتة الى النوافد الزجاجية راي نورا ضعيفا يتراقص خلف الستائر .. وخيل اليه انه يرى شبح امراة تقف بصمت وهي تنظر اليه ... عاوده خوف مبهم وتذكر كلمات السرة التي زرعتها داخل عقله في طفولته عن الموتي الذين يعودون كاشباح ويفضلون سكنى البيوت المهجورة لم يجرؤ على الالتفات مرة اخرى ليتاكد من وجود الشبح خلف الستارة .. بل اطلق لساقيه الريح .. عندما خرج الى الجانب الآخر اسند ظهره الى الباب وهو يجاهد لالتقاط انفاسه وتهدئة ضربات قلبه المتقافزة ... مسح الساحة امامه بنظراته ثم جرّ قدميه واتجه الى منزله في الركن البعيد وهو يشعر بوهن غريب بدا يزحف من اطرافه ويتصاعد الى راسه ... احس بجحافل من النمل تتمشى على جلده وهي تنشر دبيب اقدامها في اعصابه ... عندما فتح باب منزله فوجئ بوجود حبيبة جالسة في احد كراسي الصالة شبه المظلمة وقد خلعت حليها وثوبها الغالي .. وارتدت قميصا متحفظا يخفي معالم جسدها الممشوق ... تبادلا نظرة طويلة سربت اسرار كل منهما للآخر ... كانت نظراتها لائمة ومتألمة فلم يستطع مواجهتها بنظراته المذنبة الضائعة دخل غرفته واغلق الباب دونها تاركا اياها تعاني الوحدة والصمت واحساس مرير بالهجران ...

جاكس
06-11-2012, 04:47 AM
الفصل الثاني عشر

طال وقوف نادية امام النافذة وهي تتامل الظلام والفراغ الممتد امامها من خلال فرجة الستارة المسدلة .. كانت جامدة كالتمثال .. لم تتحرك منذ خروج شقيقتها الا عندما لمحت شبح رجل يدخل متسللاً عبر الباب الخارجي .. جفلت وهي تتعرف على مشية ابراهيم فتراجعت خلفا ً بذعر .. كانت قد ارتدت ثيابها بينما ظل شعرها مبعثراً تتضارب خصلاته كالشلال خلف ظهرها .. خلفها جلس زاهر صامتاً يراقب دموعها المنهمرة بغزارة .. والرعدة التي تهز جسدها من وقت لآخر ... استغرقه تفكير عميق في الاحداث التي جرت منذ قليل .. احس بفرح خفي سعى جاهدا كي لا يظهر على تعابيره ... اعتبر ان انكشاف امر علاقته بنادية هدية من القدر سوف تضع الجميع امام الامر الواقع وتمهد لارتباطه الرسمي بالفتاة التي احبها منذ اول جدال دار بينهما ... غمرته امواج من الحنان وهو يستعيد ذكرى ذلك اللقاء الذي تم في الاسبوع الاول من سنته الجامعية الثانية ... كان يسير مسرعاً لملاقاة اصدقائه بعد ان تاخر عليهم وهو الذي اعتاد احترام المواعيد ... لم ينتبه للفتاة القادمة في الاتجاه المعاكس براس مطرق ومشغولة بالبحث داخل حقيبة يدها ... تسببت قوة التصادم في سقوط حقيبتها ودفاترها وأخلت بتوازنها مما جعله يسارع بامساكها قبل ان تصل الارض ... عندما فتح فمه ليعتذر وجد نفسه في مواجهة اجمل عينان رآهما في حياته وقد زادتهما لمعة الغضب اتساعا وروعة .. وأحس بانه يتوه داخلهما وغاصت كفه في ذراع بدت نعومتها واضحة حتى من خلف قماش البلوزة السميكة التي ترتديها ... بينما اصبحت يده الاخرى اسيرة بين كتفها وملمس شعرها الحريري الطويل المرفوع في شكل ذيل حصان اندفع من قوة الارتطام ليستقر على كتفها الايمن مغطياً جزء من عنقها الطويل وصدرها النافر ...
اخترقت خياشيمه رائحة انفاس حلوة بينما اغرقه عطرها الناعم في دوامة من الاحاسيس ...افاق منها اثر حركاتها العنيفة لتخليص نفسها من بين يديه واتاه الصوت المؤنب صارخاً ...

- انت عميـان ما بتشـوف ؟؟ ما تعاين قدامـك لمن تمشي !! ولا قايل روحك ماشي في زريبة ؟؟
اطلق سراحها وهو يتمتم بعبارات الاعتذار .. وانخفض ارضاً ليجمع دفاترها المبعثرة تحاصرهما نظرات المارة الفضولية .... ركعت بجانبه تلتقط الاغراض التي تناثرت من حقيبتها بحرج وهي تحاول اخفاء صباع احمر الشفاه الصغير وقارورة العطر عن اعين الناظرين ... كان اسرع منها في حركاته وخلال ثوان استطاع جمع اغراضها وعادت شنطتها الى ما كانت عليه ... اما هو فقد انقلب كيانه بطريقة لا يمكن ان يعود معها الى ما كان عليه ... وضع دفاترها بين يديها وقدم اعتذاره المسموع الاول بصوت عميق واثق ...
- انا آسف .. دي غلطتي ... معليش كنت مستعجل وما انتبهت لخطواتي ...

احرجها اعتذاره الصريح فهي ايضا كانت على عجلة من امرها ولاهية عن النظر امامها بالبحث داخل حقيبتها عن شئ لم تعد تذكره الآن ... اثر فيها سلوكه المهذب فرفعت راسها تتامله .. اصطدمت عيناها بجسد رياضي مشدود فارع الطول تكسوه بشرة داكنة السمرة ... طرفت عيناه الواسعتان في مواجهتها وبدت فيهما لمعة ذكاء حاد ... تحت انفه الافطس انفرجت شفتاه عن اسنان ناصعة البياض مرصوصة باتقان ... كانت تفوح منه رائحة كولونيا مالوفة ... تركزت نظراتها على عنقه في موقع الفجوة التي كانت تنبض بسرعة تماثل نبضات قلبها ... بدت اناقته ملفتة بقميصه الابيض المسطر بخطوط رمادية رفيعة والبنطلون الرمادي بقماشه الخشن ... عندما انحدرت نظراتها الى اسفل ابتسمت لا شعورياً لمراى حذاؤه الاسود اللامع وقد بدا كأنه خرج تواً من بين يدي صبي الورنيش الصغير الذي يجوب ممرات الجامعة .... عندما رفعت راسها مرة اخرى كانت ابتسامتها ما زالت معلقة بشفتيها .. فابتسم لها بدوره وقد وقع اسيراً لسحر اللحظة .. اومات له دون ان تنبث بحرف وانسحبت من امامه بعد ان اخذت قلبه معها ...
بمرور الايام تزايدت صدف لقاءتهما ...كانت تحييه بايماءتها الصامتة ويجاوبها بابتسامة عريضة ثم اصبح يخطط لرؤيتها .. استقصى عن مواعيد محاضراتها .. فترات الراحة .. والاماكن التي تفضل الجلوس فيها ... تعمد التواجد قبلها في مكانها المعتاد ... في البدء كانت تظهر عليها علامات الدهشة للمصادفات المتكررة ثم تاتي الايماءة الخجولة لتبشره بقبولها لوجوده ... كان قد اعتاد الجلوس في ركن معين في الكافتيريا يتيح له رؤيتها بمجرد دخولها لتلتقي عيناهما في عناق قصير يصبح زاده وانيسه حتى لحظة اللقاء التالي ... في احد الايام اتى ليجد آخرين قد احتلوا زاويته المفضلة فاحس بالحزن وبحث عن مكان آخر يمنحه راحة رؤيتها حتى وان غاب عناق النظرات ... باغتته فرحة طاغية وهو يراقبها عندما فوجئت بغيابه عن مكانه المعتاد ... راي التقطيبة التي علت ملامحها الجميلة ... لاحظ وجوم خطواتها وحيرة عينيها الباحثتين بلهفة حتى التقتا بعينيه ... لم تفته ابتسامة الراحة التي ارتسمت على ثغرها المغري ونزلت برداً وسلاماً على مشاعره الملتهبة ... فقد اكدت له انها تدرك وجوده وان غيابه يكدرها ... يومها ارتفعت آماله التي ولدت بسرية لحظة اصطدامه بها لقد احتلت افكاره وحواسه منذ ذلك اليوم باسلوب لم يختبره قبلاً ... ولم يحاول مقاومته برغم علمه استحالة أي علاقة بينهما .. لم تكن تنقصه الثقة بنفسه ...فهو يمتلك ذكاء حاد يكاد يصل الى درجة العبقرية مما جعله على راس المتفوقين طيلة مراحله الدراسية وكان مثار فخر لاسرته التي كانت فيما مضى تتمتع بالثراء الفاحش والسلطة والنفوذ ... ومع دوران عجلــة الحياة تلاشى الثراء واحتفظت الاسرة بمكانتها وهيبتها وسط القبيلة الكبيرة الممتدة في ارجاء واسعة من غرب البلاد ... شب ( زاهر ) وسط هذه الاسرة المتماسكة وتعلم منذ نعومة اظافره ان يفخر بارثه مما اكسبه اعتزازا بنفسه واصله صبغ كل تصرفاته لدرجة ان الكثيرين من اصدقاؤه كانوا ينعتونه بالعنصري المثقف .. كان يتلقى وصفهم بمزيج من الغضب والتعالي .. لذلك لم يحس بالدونية امام نادية التي اكتشف انها تنتمي لاسرة عريقة وثرية ... لكنه احس بالخوف من مشاعره الجارفة وامكانية عدم تجاوبها معه .. لذلك عندما راي اولى علامات القبول اندفع نحوها بعنف ولم يكن هناك شئ يستطيع صده ... تدريجيا انتقلت العلاقة من مرحلة الايماءة الصامتة والابتسامة المترددة الى مرحلة تبادل كلمات بسيطة ... ومن لقاء الصدفة الى اللقاء المخطط بدون اعتراف ...
مرت ستة اشهر على تاريخ معرفتهما المتباعدة عندما تجاسر على الجلوس بجانبها وتبادل الحديث الاول بينهما ... فبعد غيابها عن الجامعة لمدة ثلاثة ايام متواصلة .. كان قد شارف على الجنون .. واصبح شوقه اليها اكبر من قدرته على الاحتمال ... كلت قدماه وهو يدور في طرقات وممرات الجامعة بحثا عنها في كل الامكنة حتى تلك التي لم تعتد الجلوس فيها ... وصل به الامر الى دخول قاعة محاضراتها الممتلئة ومواجهة العيون الفضولية التي شهدت خيبة نظراته عندما لم يجدها .. تمسك بعزة نفسه وعصمه كبرياؤه من مطاردة صديقاتها ليسال عنها .. برغم انتباهه للغمزات المتطايرة بينهن كلما مررن به اثناء جلوسه في مكانه المعتاد حزيناً محدقاً تجاه المدخل مؤملاً دخولها في كل لحظة ..
في رابع ايام بؤسه دخل عبر ممر الكافتريا بخطوات متعبة وراس محني يتامل حبات الحصى الصغيرة وهي تتدحرج امام ضربات طرف حذائه ... ثم غزت انفه رائحة عطر ناعم اصبح دليله على وجودها خلال الفترة الماضية ... رفع راسه فوقعت عيناه عليها وهي تجلس بهدوء على طاولة قريبة منه وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة وفي نظراتها لهفة ... توقفت قدماه عن دحرجة الحصى واحس برعدة قوية تجتاح حواسه العطشى اليها ... وبدون ان يرفع نظراته عنها اتجه الى طاولتها .. سحب الكرسي المواجه لها وجلس ... سالها مباشرة ودون تحية ..

- كنتي وين الايام الفاتت ؟؟ .. ليه ما بتجي الجامعة ؟؟!! ...

اتاه الرد بصوت ملائكي ناعم وبحة مغرية جعلت خياله يتوه وراءها ...

- كنت عيانة ... عندي ملاريا ..

راودته رغبة قوية باحتضانها فاغمض عينيه للحظة حتى يستعيد السيطرة على عواطفه التي تهدد بالانفلات ... وعندما استطاع كبح الاحساس المجنون .. فلت زمام لسانه ..

- ما كنت قايل الملاريا بتخلي الناس حلوين كدة ..

احس بتفاهة كلماته وتمنى لو يستطيع استعادتها داخل حلقه ... لعن نفسه وتسرعه .. لكن لسانه واصل الثرثرة رافضا اوامر عقله بالصمت ..

- اشتقت ليك شديد .. الجامعة ما كان عندها طعم من غيرك ... خليتيني زي اليتيم .. حتى محاضراتي ما قدرت احضرها .. كنت اليوم كلو بافتش عليك واخاف لو دخلت محاضرة انتي تجي وما اشوفك ..

عندما استعاد قدرته على الصمت كان موقناً بانه قد صرح باكثر مما يود ... وربما جعلتها كلماته تهرب منه الى الابد ... ارعبه الاحتمال فرفع راسه ليرى ردة فعلها ... كانت ابتسامة مشرقة خجولة تزين ملامحها الرقيقة .. ولمحت نظراته الحادة المركزة رعشة اصابعها وهي تشبكها امامها .. كاد يقفز فرحاً عندما اجابت سيل كلماته المتدفق باربع كلمات فقط فتحت له بها باب الجنة ..

- انا كمان اشتقت ليك ...
بعد هذا اللقاء اطلقا العنان لمشاعرهما .. وحرصا على اخفائها امام مجتمع الجامعة ... لم يعلم بها الا المقربون من اصدقائه وصديقاتها ... كان يسبقها بسنة في نفس كليتها فاصبح لقاؤهما وسط المجموعة امرا طبيعيا .. ولم يعدما الوسيلة للحصول على بعض الخصوصية بمواعيد مرتبة خارج اسوار الجامعة او في المناطق المنعزلة داخلها ...
مرت سنة على علاقتهما وهما يحرصان على تفادي أي تواصل جسدي باستثناء تشابك الايدي كلما وجدا فرصة لذلك ...كان زاهر يخاف عليها ويحميها حتى من نفسه .. يحترمها لانها تجاوزت القشور التي تفصل بينهما ورات جوهره واحبته بدون قيود أو عقد ... قبل الاجازة السنوية التي تنتقل بعدها نادية الى سنتها الجامعية الثانية .. قررت مجموعة الاصدقاء اقامة حفل وداع وتم الاتفاق على رحلة الى احد الشواطئ .. مضى اليوم مسرعا في ما بين اللعب والضحك والتقاط الصور ... وقبل الموعد المحدد لعودتهم بساعة انسحب زاهر ونادية للقيام بجولة منفردة ... كانا يدركان صعوبة اللقاء خلال فترة الاجازة الطويلة ... ورمى شبح الفراق الوشيك ظلاله على خطواتهما المترافقة ... فتعانقت الانامل بقوة ولدت شرارات كهربائية وارسلت اشارات مجنونة الى حواسهما الجائعة لتواصل حسي اعمق .. كانت قبلتهما الاولى كانفجار العاب نارية في فضاء مظلم ... مبهرة ... مضيئة ... ساحرة ... عندما افترقا منها بانفاس لاهثة ... قرر زاهر بحسم ان نادية لن تكون الا له سوف يحارب من اجلها ... وفي الحب والحرب كل الاسلحة مشروعة ... كانت القبلة الثانية اعمق واطول .. واقوى استكانت بعدها بين ذراعيه وهو يهمس في اذنها ...

- نادية .. انا بحبك ... وعاوزك تكوني زوجتي ... ما حاسمح لاي شئ في الدنيا يبعدني عنك ... لا اهلك ولا اهلي .. لاجنس ولا لون ولا فقر ولا غنى .... انتي حقتي .. ملكي وانا حقك وملكك .. لكن ملكيتنا لبعض دي لازم تبقى رسمية باي شكل وفي اقرب وقت .. عندك الاجازة .. فكري في كلامي دة كويس ولمن نرجع الجامعة حيكون بينا كلام كتير ..

وظلا متماسكين حتى لحظة الوصول الى الجامعة .. خلال الاجازة كانت تاتيها رسائله عن طريق صديقاتها ... اصبحت زادها الذي يعينها على غيابه ... كان يصف ليها ايامه بالتفصيل حتى احست كانها تعيش معه في مدينته البعيدة ... وكانت ترد على رسائله باخرى اطول منها ... وهكذا مرت ايام فراقهما وكانهما لم يفترقا .
عندما التقيا بعد انتهاء الاجازة واصل زاهر حديثه الذي بداه في لقائهما الاخير وكانه لم ينقطع ... وكانت المرة الاولى التي يلمح فيها علامات الخوف والتردد على وجه نادية منذ بدء علاقتهما ..

- زاهر .. اهلي ما حيوافقوا اني اتزوج هسة وقبل ما اخلص الجامعة ... وبعدين انت زاتك لسة طالب .. والشئ دة ما حيكون مقبول عند ابوي ولا امي ...

كان يتاملها ويستوعب كلماتها المرتبكة ...ويفسرها بطريقته الخاصة ... بالطريقة التي لم تجروء هي على قولها حتى لا تجرح كبرياؤه وعزة نفسه ... احبها اكثر لمراعاتها له ... وفاجأها بما يدور في بالها ولم تفصح عنه ...

- نادية .. خلينا نكون واضحين مع بعض ... اهلك ما حيرفضوني عشان انا وانتي لسة طلبة ... اهلك حتى لو مشيت ليهم بعد ما اتخرج واشتغل ووضعي يبقى كويس برضو حيرفضوني .. وبدون ما يسالوا عن أهلي ولا اخلاقي ولا سلوكي ولا مدى التزامي ... حيرفضوني بالشكل بس ومن اول لحظة يشوفوني فيها ..

حاولت ان تنفي كلماته وتدافع عن اهلها ... لكنها لم تستطع وتولت دموعها الرد نيابة عنها ...

- نادية انتي قايلاني ما عارف او متوقع الشئ الممكن يحصل لمن اتقدم ليك ؟؟!! ... ابسط شئ انهم يطردوني من خشم باب البيت لانهم ممكن يشوفوني ما قدر مقامكم ولا من مستواكم .. على الاقل اعتقد انو دي طريقة تفكيرهم الانا فهمتها من البتحكيهو لي عنهم ...

تحولت دموعها الى نحيب خافت متشنج وهي تستوعب الصورة القاتمة التي رسمها زاهر بكلماته .. صورة كانت تعلم بوجودها لكنها تناستها وتعمدت تجاهلها طيلة الفترة الماضية وهي تامل بحدوث معجزة تمكنها من تجاوز كل الصعاب والارتباط بالرجل الذي احبته بكل ما تملك من مشاعر ...
- انا ما بقول ليك الكلام دة عشان الومك على شئ انا عارف انو ما بايدك ولا عشان انتقد اهلك لانو الاهل دة طبعهم ... وبالذات في مسالة الزواج دي ليهم وجهة نظر ثابتة وما مستعدين يتنازلوا عنها لاي سبب من الاسباب .. انتي عارفة انا هسة لو كلمت اهلي برغبتي في الارتباط بيك برضو ممكن يرفضوا ؟؟ ...

ابتسم بسماحة متفهماً نظرة الاستنكار والدهشة التي ارتسمت جراء كلماته الاخيرة ..

- زي ما بقول ليك يا نادية .. ممكن اهلي ببساطة يرفضوا ارتباطي بيك .. مش عشان انتي فيك شئ ولا كعبة لا سمح الله ... لكن لانهم هم وحسب فهمهم بيكونوا شايفنك ما مناسبة لي .. بيكونوا عاوزيني اتزوج واحدة من القبيلة ... واحدة تفهم عاداتهم وتقاليدهم .. تعرف تعمل اكلهم وترقص زيهم وتلبس زيهم وتقدر تعيش ظروفهم وتتعايش مع وضعهم .. انتي بالنسبة ليهم ممكن تكوني دخيلة جاية تشيل ولدهم وتسلخو من عالمهم...

تنفس بعمق وهو يرى الالم مرتسما على ملامحها ... مد يده تحت ذقنها ورفع راسها المطرق .. امرها برقة ..

- نادية ... عايني لي ...

انتأبه الندم على طلبه عندما رفعت اليه عينان كسيرتان وممتلئتان بالدموع ... آخر ما يرغب به ان يكون سببا لحزنها ... دموعها تعذبه وتشعره بالذنب ... لكن لا مناص من مناقشة مستقبل علاقتهما وبرغم ثقته في حبها .. لكنه لا يثق بالظروف التي قد تبعدها عنه في أي لحظة ... لذلك سوف يجازف بطرح افتراحه الصادم معتمداً على حبها في تفهم دوافعه .. والموافقة على طلبه ..
نادية .. انتي تصورك شنو للعلاقة البيني وبينك ؟؟ يعني عاوزاها تستمر وتمشي لقدام ولا عاوزاها حاجة مؤقتة وبعد ما نخلص الجامعة كل واحد يمشي في طريقه ؟؟ ...

اتاه ردها سريعا وغاضباً ...

- زاهر !! .. انت لغاية هسة ما عرفت انا ياتو نوع من البنات ؟؟ .. ولا بتفتكر انا من النوع البيملا فراغو بعلاقة مؤقتة ؟؟ .. طيب اذا فرضنا اني فعلا عاوزة اقضي وقت لغاية ما اخلص الجامعة .. ليه اخترتك انت بالذات ؟؟ ما كانت قدامي الخيارات واسعة خيارات مضمونة وما بتعمل لي أي مشكلة في المستقبل .. لازم تعرف انو الاحساس الربطني بيك كان اقوى مني ومن كل محاولاتي لصده ... وبعترف ليك اني فعلا قاومت مشاعري شديد .. حاربتها شهور وشهور لاني كنت عارفة كمية المشاكل الحتواجهني لو دخلت في علاقة معاك .. زاهر انت اول انسان يدخل حياتي واديهو كل الاحساس الجواي .. بحلم واتمنى انو علاقتنا دي تمشي لقدام .. ونتزوج اشيل عيالك واحبهم لانهم حتة منك .. باتمنى اعيش معاك كل العمر الجاي ... باتمنى اكبر معاك .. واعجز معاك ... و ..

اسكتتها غصة مفاجئة .. وجلس هو عاجزا عن تحمل حزنها او مواساتها .. امسك يدها المرتعشة احتواها داخل كفه العريض وضغطها بقوة حتى راى سحابة الم تعبر ملامحها فافلتها .. هجره تردده فقرر طرح اقتراحه .. وتحمل العواقب ..

- نادية .. ايه رايك نتزوج هسة ؟؟ نعمل عقد من غير ما أي زول يعرف ... انا بقيت ما قادر ابعد عنك .. ولا بتحمل فكرة انك تضيعي مني .. وواثق انك بتحسي بنفس احساسي .. انا كل ما يمر يوم خوفي بيكبر .. عاوز اضمن وجودك في حياتي للابد .. ودي الطريقة الوحيدة عشان مافي أي زول يقدر يفرقنا من بعض ... حتى لمن اهلك يعرفوا حنكون بقينا راجل ومرتو .. وما حيقدروا يفرقونا من بعض ..
اصبحت صورة مجسدة للفزع .. صمت كل ما فيها حتى تنفسها ... نسى زاهر مكان وجودهما وكل ما يحيط به ... امسك يديها بكلتا يديه ... غرز نظراته في عمق عينيها وبدا اصعب رحلة في حياته رحلة اقناعها بضرورة زواجهما ...استخدم كل اسلحته للضغط عليها ... كان يدرك سطوة حبه على قلبها .. ولم يحس بالندم وهو يستخدم هذه السطوة للتاثير على قرارها .. وظل يقنع نفسه بان كل شئ مباح في الحب والحرب وهو الان في حالة حرب ضد تقاليد بالية وافكار عنصرية متوارثة .. ويجب ان يربح حربه ليربح حبه ...
بعد اسبوع من النقاش المستمر استطاع ان يذيب خوفها من الفكرة .. وكان قرار الزواج العرفي للمحافظة على اكبر قدر من السرية .. فتم العقد بحضور اصدقائهما المقربين الذين يثقون بقدرتهم على كتمان الامر حملت نادية ورقتها كتهمة واخفتها في اقصى ركن من خزانة ملابسها ... بينما حمل هو ورقته كجائزة يانصيب اتته من غير توقع واخفاها من العيون خوف الحسد ... اعطتهما الاوراق المخباة رخصة لتجاوز الخطوط الحمراء التي كانت تحدد تواصلهما الحسي .. واصبح تشابك الايدي والقبلات المختلسة وقودا يلهب نار الرغبة التي تستعر تحت صدورهما حتى وصلا الى نقطة لم تعد تجدي معها محاولات التعقل .. تم اول لقاء بينهما كزوجين في منزل صديقتها التي غاب اهلها في رحلة قصيرة لاداء واجب اجتماعي في بلدتهم ... بدا اللقاء عاديا كاحدى الجلسات التي اعتادوا عليها هي وزاهر .. وصديقتها التي ارتبطت بصديق زاهر بنفس طريقتهما ... اعطتهم العزلة وامان الجدران المغلقة الشجاعة لمزيد من الحميمية ... وعندما انسحبت الصديقة مع زوجها الى احدى الغرف .. وجدت نادية نفسها غارقة في احضان زاهر وانفاسه الحارة تحرق جلدها ... كان يوما عصيبا على نادية التي اختلطت دموعها بمتعة غامضة تعدها بالكثير بعد انحسار الالم ... بينما احس زاهر بمشاعر لم يحلم يوما ان يصل اليها ... ففي اللحظة التي امتلكها فيها واحتضنته احشائها البكر .. راوده احساس بانه قد امتلك الكون كله بسماؤه وارضه وبحاره ونجومه وكل مخلوقاته ... في تلك اللحظة تضاعف حبه لها الاف المرات .. احس بالفرق بينها وبين أي امراة اخرى عاش معها نفس التجربة .. احس بانه لم يخلق الا لها .. وانها له وحده ...
في صبيحة اليوم التالي اجتاحته لوعة قاتلة عندما بحث عنها في كل الامكنة ولم يجدها .. دفعه قلقه لتجاوز كل تحذيراتها بعدم اتصاله بمنزلها مهما كانت الاسباب بعد ان اقتلع منها رقم الهاتف تحسبا للحظة مثل هذه .. لكن خانته شجاعته عندما اتاه صوت لا يعرفه فاغلق الخط وطلب من صديقة سرها ان تسال عنها ... لم يقتنع بكلمة مريضة التي ساقتها احدى اخواتها لتبرير غيابها وطافت براسه كل الاحتمالات المخيفة ... وتآكلته الافكار السوداء .. ليلتها لم يغمض له جفن واندهش حارس بوابة الجامعة من حضوره المبكر وعلامات الاجهاد تملا ملامحه ... قفز من جلسته عندما رآها تدخل في مواعيدها المعتادة .. كانت تبدو نضرة .. وسعيدة ... اشرقت ابتسامتها وبرقت نظراتها بضياء غامض عندما راته .. وبصمت متفق عليه اتجها الى ركنهما المنعزل في اطراف الجامعة ...

امسك يديها بلهفة .. وقبل باطنهما بحرارة اعادت لها ذكريات مرهقة .. سحبتهما برقة وهي تهمس..

- زاهر .. اقعد ساكت .. في ناس جايين ..

- نادية ؟؟ انتي عاوزة تجننيني ولا شنو ؟؟ ليه غبتي امبارح بدون ما تكلميني ؟؟ ليه ما اتصلتي ووريتني الحاصل عليك شنو ؟؟ ..

- والله ما كنت ناوية اغيب يا زاهر .. لكن صحيت الصباح جسمي كلو واجعني وما قدرت انزل من السرير .. قلت يمكن تكون الملاريا رجعت لي تاني وقررت ارتاح شوية واجي الجامعة بعد الضهر لاني عارفاك حتقلق .. لكن والله ما قدرت .. كنت تعبانة شديد ..

ابتسم لها باسلوب العارف وهو يخاطب الجاهل ...

- معليش يا نادية .. اول مرة دايما بتكون صعبة .. وانا اول امبارح تعبتك شديد .. ما تخافي المرات الجاية حتبقى اسهل ... خصوصا انك ما مطهرة .. تصدقي لمن لقيتك كدة فرحت شديد .. كنت عاوز اسالك من زمان لكن خجلت وقلت عيب اسالك سؤال زي دة ..

- امي كانت عاوزة تطهرنا لكن ابوي رفض ... زاهر .. انا ... انا ..

احتبست الكلمات في حلقها فخفضت نظراتها بخجل .. عندما رفعتها كانت مليئة بالقلق ... وتلعثمت كلماتها بينما كان هو ينظر الى تبدل ملامحها بحيرة .. اخيرا طرحت له مخاوفها همسا .. واجابها بصوت مطمئن ...

- ما تخافي يا نادية .. انا عامل حسابي كويس .. عارف انو مسالة الحبوب او أي مانع تاني صعبة عليك .. عشان كدة انا حكون حريص شديد .. وبرغم اني متلهف لليوم التشيل فيهو بطنك طفلي .. لكن حاصبر لغاية ما نتخرج وامورنا تستقر ويبقى زواجنا رسمي .

برغم مرور سنة كاملة على هذا الوعد ... برغم الاجهاد البدني والعاطفي الذي يصيبه في كل لقاء بينهما .. الا انه لم يخن ثقتها به قط .. وظل حريصاً على الوفاء بوعده لها ... حتى اليوم ... دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة .. انسته صرختها حرصه فاخلف وعده لنادية بلا وعي أو ارادة كان يود اخبارها بزلته ... لكن وضعها النفسي اربكه وجعله يلتزم الصمت وهو يدعو في سره ان يكون ما دخل جوفها غير كاف لتحقيق اكبر مخاوفها ... نهض من جلسته اليائسة وتقدم اليها .. وقف خلفها ولف ذراعيه حول جسدها المتخشب .. طبع قبلة طويلة في مقدمة راسها وحاول زرع الطمانينة في اعصابها المتوترة ..

- نادية .. انا عارف الوضع الانتي فيهو هسة ... حاسي بكل حاجة جواك .. حاسي بخوفك وقلقك وحزنك .. عارف الهم الركبك .. لكن انا عاوزك تكوني قوية وما تنهاري من هسة .. انا معاك .. انتي مرتي واحنا متزوجين شرعاً وقانوناً ... انا مستعد هسة اطلع لابوك في الخيمة واكلمه وننتهي من الموضوع دة .. خلاص الحصل حصل !! حيعملوا شنو يعني ؟؟ حيقولوا لي اطلقك ؟؟ لو يقتلوني ما باطلقك .. حتى لو انتي قلتي لي طلقني ما باطلقك لانو لحظتها حاكون عارف انو دي ما رغبتك الحقيقية وانك بتعملي كدة عشان ترضيهم ... لازم تعرفي اني متمسك بيك لغاية آخر نفس في عمري المهم انو انتي تتمسكي بي وما تضعفي قدامهم ...

استدارت داخل ذراعيه .. واجهته بنظرة طويلة ثم دفنت راسها في صدره واجهشت بالبكاء .. تركها تفرغ كل شحنات خوفها وقلقها وهو يربت على راسها ويهدهدها كطفلة صغيرة حتى سكنت انفعالاتها عندما توقفت اختلاجات جسدها سالها مرة اخرى بتصميم ..

- نادية .. اطلع لابوك هسة واكلمو ؟؟ ..

هزت راسها بعنف ..

- لا يا زاهر .. اوعك تفكر تعمل كدة ... ابوي ممكن يقتلك ويقتلني معاك ... انا ما عارفة اعمل شنو ... ياربي وريني بس اعمل شنو ..

داهمتها نوبة بكاء اخرى وقف امامها محبطاً وقد اغضبته قلة حيلته وعجزه في التخفيف عنها ..

- طيب لمتين يا نادية ؟؟ لمتين حنفضل نتدسى ونتضارى ؟؟ مش احتمال اختك هسة مشت طوالي لابوك وكلمتو ؟؟ مش احسن امشي واتكلم معاهو يمكن اقدر اقنعه ؟؟ ولا نقعد ننتظر البلا ؟؟ والله انا شايف قتلوك ولا جوك جوك ؟؟ ..

هزت نادية راسها بعناد ..

- يا زاهر لو مشيت لابوي هسة تاكد انك ما حتطلع من الخيمة على رجلينك .. اميرة انا عارفاها ما حتمشي تقول لابوي .. حاليا على الاقل لانها مصدومة .. لكن بالتاكيد لمن تفوق وتستوعب الحصل حتكلم امي .. وامي حتكلم ابوي .. عشان كدة انا لازم الحق اميرة قبل ما تتكلم .. لازم نكسب وقت عشان نعرف حنعمل شنو ...

بددت خوفه وقلقه من ضعفها عندما ارتمت بين ذراعيه وعانقته بقوة كانها تستمد منه الشجاعة لمواجهة ما ينتظرها .. تراجعت الى الخلف ونظرت اليه بطريقة اذابت قلبه ..

- زاهر ... مهما كان الشئ الحيحصل ... انا عاوزاك تتاكد من حاجة واحدة ... انا ابدا ما ندمانة على أي شئ حصل بيني وبينك .. بالعكس انا سعيدة لاني اتزوجتك حتى لو زواج عرفي ... ولو خيروني اني اعيش التجربة دي معاك او لا .. حاختار اني اعيشها معاك تاني وبكل تفاصيلها ...
اشعرته كلماتها بحزن غريب .. احس بها كانها تودعه .. ولمعت الدموع في عينيه..

- نادية ؟؟ طريقة كلامك خوفتني .. اوعي تكوني ناوية تنهي علاقتنا ... لو فكرتي كدة حتكوني حكمتي علي بالاعدام .. انا جاد جدا لمن اقول ليك انا ما باقدر اعيش من غيرك انا روحي معلقة بوجودك في حياتي .. ولو خليتيني بموت ...

قاطعت سيل كلماته بقبلة طويلة واطراف اناملها تمسح دموعه التي تراها للمرة الاولى .. عندما انفصلا بعد وقت طويل راى في ملامحها تعبير مصمم .. اكتسب صوتها قوة غير متوقعة وهي تدفعه نحو الباب ...

- امشي البيت يا زاهر .. ما تخاف .. انت اختياري وانا مصرة اتمسك بيك مهما يحصل امشي انت هسة وبكرة حتصل بيك اوريك الوضع شنو ...

اندهش من القوة المفاجئة التي تتكلم بها بعد لحظات الضعف التي اعترتها .. تاملها بفخر واعزاز .. استسلم ليدها وهي تقوده الى الخارج .. اطفات الانوار في طريقها .. خرجا الى الساحة شبه المظلمة ولفحتهما نسمة هواء باردة تنبئ بقرب حلول الشتاء .. تطاير شعرها حول وجهها فبدت بفستانها الزهري وتاج الورود بين يديها كانها ملاك هبط الى الارض ... طبع قبلة ناعمة في باطن كل كف واخرى على جبينها ثم استدار منصرفا بخطوات بطيئة مترددة ... تابعته بنظراتها حتى اختفى خلف الباب الخارجي كي تبدا هي رحلتها المتثاقلة صوب البيت الكبير ... كان الحفل في نهايته .. ارتفعت اصوات موسيقى راقصة بلا غناء .. تعالت الزغاريد واهتز الفضاء من دوي طلقات الرصاص .. عندما اصبحت في الجزء الآخر من المنزل واغلقت الباب الصغير خلفها .. راودها احساس طاغ بان الساعات التي انقضت لم تكن حقيقية .. كانت حلماً عاشته باستغراق ... بدت كل الاشياء ضبابية وبعيدة ... احست براسها يدور فتحاملت على نفسها حتى وصلت الى منزلهم .. اتجهت الى غرفتها وفتحت خزانة ملابسها .. اخرجت قطعة الورق الصغيرة البيضاء المطوية بحرص .. فتحتها على مهل وقراءتها للمرة المائة منذ ان وضعت توقيعها عليها .. حملتها واتجهت الى غرفة اميرة .. فتحت الباب لتجد شقيقتها متربعة في منتصف السرير وقد وضعت راسها في اعلى ركبتيها المضمومتين بين ذراعيها .. كان وجهها الجميل قد تلطخ بالوان المكياج المختلط بدموعها .. ذعرت نادية من تعبيرها الجامد وعيناها المتسعتان بلا حياة ... لم تتحرك اميرة من جلستها وهي تنظر الى نادية التي تقدمت نحوها بحذر .. فتحت الورقة ووضعتها امام العيون التي تحدق في الفراغ ... وانتظرت ...

جاكس
06-11-2012, 04:48 AM
الفصل الثالث عشر

وقف حامد بهيبته الطاغية وهو يودع الحضور بعد نهاية الحفل الصاخب ... كانت نظراته تدور بحثاً عن ابراهيم الذي اختفى منذ فترة طويلة .. احس بالضيق والغضب لتصرفات ابن اخيه اللامبالية .. وتذكر بغيظ الغمزات التي تبادلها اصدقاءه عند مروره بهم اثناء خروجه ... كان يدرك بان سلوك ابراهيم المشين لم يعد سرا مخفيا كما اراد له ان يكون ... لقد استمات طيلة السنوات الماضية في تغطيته حتى لا ينفضح ويصبح نقطة سوداء تلطخ سمعة العائلة ... لكن من الواضح ان ابراهيم لم يكن مهتما باخفاء افعاله .. بل وبدا له في بعض الاحيان كانه يتعمد المجاهرة بفواحشه نكاية فيه مثلما فعل حين تم القبض عليه في احد البيوت المشبوهة عندما كان في الثامنة عشرة من عمره .. يومها ايقظه رنين الهاتف بعد منتصف الليل ليخبره بوجود ابن اخيه في قسم الشرطة ويطلب حضوره .. قبل خروجه اجرى عدة مكالمات طلبا لدعم يحتاجه في هذا الموقف العصيب ... عندما وصل الى قسم الشرطة وجد ان ابراهيم قد اخرج من زنزانته ووضع في مكتب الضابط المناوب بعد مكالمة اتته من ضابط اعلى رتبة منه .. كما وجد المحامي بانتظاره امام البوابة فدفع الكفالة بسرعة وسحب ابراهيم المخمور من ذراعه ورماه داخل السيارة بعنف وترك للمحامي مهمة تسوية الاجراءات القانونية ... قاد بصمت وقد قرر ان المنزل هو المكان المناسب لمحاسبة هذا الولد الماجن الذي جلس ساكنا بعيون ناعسة وابتسامة شامتة معلقة بشفتيه ..كانت تفوح منه رائحة عرق كريه ..وعبأت انفاسه المخمورة فضاء السيارة الضيق حتى احس حامد بالاختناق ...
في ذلك اليوم كانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب ابراهيم .. عندما اصبحا داخل المنزل التفت الى ابن اخيه الذي بدا يتجه بخطوات مترنحة نحو غرفته وهو يدندن لحناً شائعاً .. كان غضبه قد وصل الى مداه فصرخ فيه ..

- انت يا حيوان انت .. اقيف قبلك .. ماشي وين ؟؟!! ...

التفت اليه ابراهيم وما زالت ابتسامته البغيضة معلقة على شفتيه ...

- ماشي انوم يا عم حامد .. عاوز شئ ؟؟ تأمر باي خدمة ؟؟ قول .. احنا تحت الطلب..
كانت حامد قد وصل الى اقصى حدود صبره ... هدر صوته وتغلغل في كل اركان البيت النائم .. اتت السرة تركض فزعاً ومن خلفها بلقيس وبدور والصغيرة بسمة التي اخافها الصوت وبدات تبكي بصوت عال زاد غضب حامد وجعله يلتفت الى السرة ..

- السرة .. سوقي بناتك وادخلي جوة .. ما عاوز اسمع صوت زول فيكم فاهمة ولا لا ؟؟

حاولت السرة الاحتجاج ومنع المواجهة الوشيكة بين زوجها وابنها .. لكن خطوات حامد المهددة بقبضتيه المضمومتين ونظراته النارية التي تراها لاول مرة منذ زواجهما اجبرتها على ابتلاع كلماتها وتراجعت بذعر وهي تسحب بناتها امامها حتى دخلت غرفتها ووقفت تختلس النظرات من خلف الباب الموارب .. تلقى ابراهيم صفعة قوية ادت الى سقوطه ارضاً بصوت طغت عليه شهقة السرة الجزعة .. وظل مستلقياً ارضاً وهو ينظر الى حامد بحقد وقد اتسعت ابتسامته ...

- بتضربني يا عم حامد ؟؟ بتضربني هسة بعد ما بقيت راجل ؟؟ تكون عاوز تادبني بعد العمر دة ؟؟ ولا يادوبك اتذكرت تربيني ؟؟ ههة .. انت ما شايف انك اتاخرت شوية في موضوع التربية والادب دة ؟؟ ولا يمكن تكون حتى ما عارف انا عمري بقى كم ؟؟ حتى لو بقيت ما عارف عادي ما في مشكلة .. ما انت طول عمرك ما بتعرف حاجة عني .. لكن بس عاوز اسالك بمناسبة انك يادوبك قررت تادبني وتربيني .. كنت وين لمن انا كنت صغير ومحتاج فعلا لزول يوجهني ويوريني الصح من الغلط ؟؟ كنت وين لمن شربت اول سيجارة واول كاس ؟؟ كنت وين لمن بديت اسقط في المدرسة واجيب الشهادات كلها كعك تعاين ليها بدون اهتمام وتديها لامي ؟؟ جاي هسة تعمل لي فيها المربي الفاضل ؟؟ سوري ليك يا عمو .. جيت متاخر خالص وبعد ما فات الاوان زي ما بتقول الاغنية ..

وبدا يدندن مرة اخرى بصوت مهزوز باغنية عن فوات الاوان ..احس حامد بالمرارة تملا جوفه وهو يقر بصحة كلمات ابراهيم التي جعلته متهما بعد ان كان جلاداً .. حاول ان يدافع عن نفسه بالعذر الوحيد الذي يعرفه ..

- كنت وين يا ولد يا قليل الادب ؟؟ كنت باشتغل واجيب قروش عشان انت تعيش في العز العايش فيهو دة ...
ضحك ابراهيم بهستريا وهو يضرب الارض بكفيه ..

- قروش ؟؟ قروش شنو يا عمي وعز شنو ؟؟ ومنو القال ليك انا كنت عاوز قروشك ولا محتاج ليها ؟؟ انا كنت محتاج ليك انت .. لرعايتك .. لاهتمامك .. لتوجيهك .. لابوتك الابيت تديني ليها .. وكنت كل ما اطالبك بحاجة من الحاجات دي تديني بدلها قروش وفي النهاية لمن فهمت اللعبة صاح بقيت اشيل قروشك واشتري بيها الحاجات دي من برة ... بقيت شاطر في التجارة بسببك وبراس المال حقك ... بقيت اشتري حب الناس واهتمامهم بقروشك .. بشتريهم زي ما باشتري (البنقو) و ( العرقي ) واي حاجة تانية انا عاوزها ... لكن معليش الحاجة الوحيدة القصرت فيها اني كان مفروض كل فترة كدة اعمل ليك كشف حساب عشان تعرف قروشك البتديني ليها بدل ابوتك وحبك بتمشي وين ...

ولدهشة حامد الشديدة بدات الدموع تجري من عيني ابراهيم ... فهو لم يره يبكي منذ ان كان في الحادية عشرة من عمره عندما التقاه مندفعا من غرفة السرة وهو يجهش ببكاء مرير .. وعندما حاول ايقافه ليساله عما به .. اجابه بكل برود ..

- عاوز تعرف مالي يا عم حامد ؟؟ ... اسال السرة وهي بتوريك ...

يومها فوجئ بكلمة ( عم حامد ) التي خرجت من بين شفتي ابراهيم وكانه يبصقها .. عندما دخل الى الغرفة وجد السرة تنوح ببكاء ذكره بحالتها عندما مات شقيقه وتركها تحمل طفله ... كانت ارضية الغرفة مغطاة بشظايا الزجاج المخلوط بحبيبات السكر .. ادرك ما حدث دون ان تخبره .. تاملها طويلا ثم تركها وخرج وهو يحس براحة تغمره بعد ان تحرر من عبء التظاهر بابوة فرضت عليه ولم يرغب فيها قط ... عزى ضميره بان ابراهيم كان لابد يعلم الحقيقة عاجلاً ام آجلاً ...
عندما تمكن ابراهيم من الوقوف على قدميه رفع يد حانقة ومسح بها دموع متجددة من وجه غابت عنه التعابير ... توجه نحو باب غرفته .. وقبل ان يطأها التفت ببطء الى حامد الذي جرفته ذكريات بعيدة ومتشابهة وخيل اليه انه فقد القدرة على تمييز الماضي من الحاضر ... وان اللحظة التي يعيشها ما هي الا تكرار للحظة اخرى عاشها سابقاً وبنفس تفاصيلها ... باستثناء كلمات ابراهيم الغاضبة ..

- شوف يا عم حامد .. من هسة باقول ليك .. عشان ما تخجل من العملتو واللسة حاعملوا لو أي زول لومك على تصرفاتي قول ليهم دة ما ولدي .. دة ولد اخوي وطلع كدة لانه ابوه مات من زمان وما لقى زول يربيهو ..
دخل غرفته وصفع الباب خلفه بعنف اهتزت له الجدران ... من يومها تفادى حامد اثارة أي نقاش مع ابراهيم .. اقتصر دوره في حياته على تزويده بالمال واخراجه من المآزق التي يورط نفسه فيها حتى عندما اتاه يخبره بقراره الزواج من حبيبة ابنة بخيت لم يستطع ردعه برغم غضب السرة العارم الذي زاده عنادا خصوصا عندما علم بزيارتها المحذرة لاهل البيت الصغير والتي اتت نتيجتها لصالحه بعد ان وافقت حبيبة على الزواج منه نكاية في السرة وتحديا لاهاناتها السافرة ...
كانت المرة الاولى التي يرى فيها حامد السرة بهذا الغضب ... كانت تزار كلبوة جريحة وتعلن رفضها القاطع لهذه الزيجة الملعونة .. استعانت بكبار رجال الاسرة وامتلا منزل ود العمدة بوفود تعود وتذهب في رحلات مكوكية لاقناع الابن العنيد بالتخلي عن الفكرة المجنونة ... كان كل ما زاد ضغطهم عليه .. ازداد هو تمسكا برايه واصرارا على اتمام الزيجة ... وعندما وصل الجميع الى طريق مغلق وعدمت السرة كل الحيل لاثنائه عن عزمه .. هددته بقطع ثديها ان هو فعلها ... وفوجئ الجميع برده البارد اللامبالي ...

- السرة ما تقولي كلام انتي ما قدرو ولا بتقدري تسويهو ... شوفي .. لو قعدتي من هنا لبكرة تقولي لي بقطع شطري ولا بقطع ايدي ما بيهمني .. حعرس حبيبة يعني حعرسها هو انتي لمن عرستي عم حامد بعد ابوي كنتي انتظرتيني عشان تشاوريني موافق ولا لا ؟؟؟

وقبل ان يخرج منهيا النقاش في الموضوع .. اضاف جملة غريبة ظلت معلقة في الجو فترة طويلة بعد رحيله ..

- وبعدين اقول ليكم كلام .. انتو مفروض تحمدوا ربكم وتبوسوا يدكم وش وضهر انها وافقت تعرسني .. لاني لو خليتها ومشيت عرست ليكم أي واحدة من الانتوا عاوزينهم ديل فضيحتكم حتبقى بجلاجل .. يعني عرسي لحبيبة سترة لاسم عيلتكم الخايفين عليها اكتر من خوفكم علي انا زاتي ...

عندما جلس معه حامد لاحقاً لمناقشة تفاصيل الزواج ساله ..

- ابراهيم .. ممكن اعرف انت ليه مصر على حبيبة ؟؟!! ليه عاوز تغضب امك عليك ؟؟ السرة كايسة مصلحتك وعاوزاك تناسب احسن بيت في البلد .. انت نسيت انت ولد منو واهلك منو ؟؟!! ولا يمكن ما قادر تتخيل عرسك دة حيجيب لينا كلام قدر شنو ؟؟

رد ابراهيم ببروده المعتاد ...

- اسمع يا عم حامد ... انا الناس ما بتهمني كتير واتعودت على كلامهم عني .. لكن لو انتوا عاوزين تتفادوا الكلام بالجد .. وتحافظوا على سمعتكم نضيفة .. يبقى توافقوا على حبيبة لانو أي واحدة تانية غيرها ما حتنفع ..

حاول حامد ان يكذب ظنونه التي صارت شبه يقين فساله ملحاً ومتظاهرا بعد فهم تلميحاته ..

- ليه ما حتنفع يا ابراهيم ؟؟ انت راجل ما ناقصك شئ .. وشايل اسم يخلي أي بت تتمنى ترتبط بيك سواء هنا ولا في البلد ..

قاطعه ابراهيم بحسم ...

- لكن انا عاوز حبيبة .. وقصة الحسب والنسب العاملة ليكم هوس دي انا ما بتهمني كتير انا عاوز انسانة اكون مرتاح معاها .. تكون عارفاني جوة وبرة وما اضطر قدامها البس قناع ولا اتظاهر بشئ ما فيني ... وحبيبة فيها الميزات دي كلها ... وزيادة عليها انها بتحبني من زمان ... مش بيقولوا الحب بيغفر العيوب وما بيشوف الا الجانب الكويس ؟؟
اصبح وجه حامد شاحبا من تلميحات ابن اخيه التي وصلت الى مرحلة التصريح ..

- حبيبة عارفة يا ابراهيم ؟؟ وموافقة ؟؟!! .. طيب ليه رفضتك من البداية ؟؟

- ايوة حبيبة عارفة يا عم حامد .. عارفة كل حاجة .. حتى الانتوا ما بتعرفوهو عني هي عارفاهو .. ورفضتني في البداية لانها ما بتحترمني ... ولانها انسانة معتزة بنفسها شديد .. واقول ليك حاجة ... لو كانت وافقت من اول مرة اتقدمت ليها فيها ما كنت اصريت عليها الاصرار دة كلو .. لانو وقتها كنت حاعرف انها وافقت علي واتغاضت عن حاجات كتيرة ما عاجباها فيني بس عشان انا عندي قروش وانتو اهلي ... لكن لمن رفضتني وبشدة ... انا احترمتها شديد .. وبقيت مصَر اني اتزوجها اكتر من الاول .. وحاسي انو زواجنا ممكن ينجح .. عارف ليه ؟؟ لانو كل واحد فينا بيكمل نقص التاني هي بتحبني لكن ما بتحترمني .. وانا باحترمها لكن ما بحبها .. وكدة كفوف الميزان حتتساوى بيننا ...

عندما تم تحديد مواعيد عقد القرآن .. حزمت السرة حقائبها واصطحبت بناتها الى القرية ... عادت مجبرة في مواعيد فتح المدارس وبضغط من حامد ... رفضت وجود حبيبة معها في نفس المنزل .. لكن حامد المهموم باخفاء تصرفات ابراهيم اصر على بقائهم داخل المنزل ... وخلال مدة قصيرة تم بناء منزل في ابعد اركان الحوش الفسيح ... انتقلت حبيبة الى بيتها وقد اعلنت السرة الحرب عليها فبادلتها حبيبة عداء بعداء .. وكرها بكره اشد منه .. حتى انجاب البنات لم يهدئ من حدة العلاقة بينهما .. وبرغم احتضان السرة لحفيداتها من ولدها الوحيد .. الا انها لم تغفر يوما لحبيبة زواجها من ابراهيم وما زالت تطلق زفرة غيظ وترفع صوتها بعبارتها الماثورة كلما احست بها على مرمى سمعها ...

- والله اللقتو " الفرخة " عمرها ما كانت تحلم بيهو ..

وبرغم تجاهل حبيبة وابراهيم لها .. وتحذيرات حامد من استخدام هذه العبارات المسيئة بحق زوجة ابنها .. الا انها لم ترعوي بل وكانت تستمتع برؤية اثر كلماتها الجارحة على ملامح المراة التي تحدتها وانتصرت عليها ...
كان تفكير حامد يتجول في الماضي ويعود الى الحاضر مع كل هزة تحية لضيوفه المغادرين .. احس بالارهاق وبرغبة جارفة في الانعزال عن كل ما يحيط به .. هذه الرغبة التي تعتريه كلما حضر عرساً .. الاعراس تثير فيه مشاعر متضاربة وتقلق ذكرياته التي حاول عبثاً ان ينساها عن زواج اتعسه .. وآخر وهبه فرحاً لا يوصف ... دارت نظراته بلهفة ليتاكد من مغادرة جميع ضيوفه ... خلا الصيوان الكبير الا من مجموعات من الشباب جلسوا في حلقات وهم يتبادلون التعليقات المرحة وتعلو ضحكاتهم بانسجام ... وحول الطاولات الخالية تجمع عدد من الصبية الصغار بوجوه كالحة معفرة وملابس ممزقة يحملون اكياس يفرغون فيها كل ما تقع عليه ايديهم من بقايا الاطباق ... القى نظرة اخيرة ثم اتجه بخطواته الرزينة الى داخل المنزل وهو يتوق للبقاء وحيداً واجترار ذكرياته النابضة بالحياة برغم مرور السنين وتعاقب الاحداث ... كان توقه للوحدة يقود خطواته نحو غرفته الملاصقة للديوان الذي عج بالاقرباء القادمين من القرية .. تناثرت الحقائب في جنباته الفسيحة وضاقت ارضيته بالمراتب التي وضعت بعشوائية استعدادا للنوم .. احس حامد بضيق مفاجئ لرؤية هذا الجمع الكبير لكنه وقف قليلاً مجاملاً ومحيياً ... سائلاً ومجيباً ... ثم استاذن بكياسة واتجه الى غرفته .. دخل واغلق الباب خلفه بالمفتاح واسند ظهره عليه ... احس بالهدؤ يتسلل الى اعصابه المشدودة .. لقد بنى هذه الغرفة بعد رحيل امونة المفاجئ الذي اغرقه في بئر عميق من الحزن والقنوط وجعله يزهد في كل ما حوله ومن حوله حتى زوجتيه وبناته واحفاده ... تم بناءها والحمام الملحق بها في زمن قياسي .. نقل اليها كل متعلقاته واصبحت عالمه الخاص المحرم دخوله على الجميع ... كانت غرفة فسيحة توزعت فيها قطع اثاث قليلة بذوق زاهد .. سرير عريض انعكس لونه البني الداكن على الجدران المطلية بلون بيج فاتح .. تقابله خزانة ملابس بواجهة مصمتة وخالية من الزخارف ... على جهة اليمين اختفى الحمام خلف الباب المغلق .. بينما احتلت نافذة زجاجية عريضة معظم مساحة الحائط الايسر .. ومن خلالها تسللت انوار الساحة الخارجية لتصنع ظلاً ممتداً من طقم الجلوس الصغير بلونه الشاحب وحتى منتصف ارضية الغرفة ...تهدلت اكتاف حامد بتعب وفقدت مشيته هيبتها المعتادة .. عندما يصبح وحيدا لا يحتاج الى التظاهر بالقوة او ادعاء الصلابة .. ففي غرفته المتقشفة يتحرر من كل اقنعته ... يتداعى ويترك لمشاعره حرية اختيار الاسلوب الذي تعبر به عن وجودها وتعلن عن ضعفه الانساني بلا قيود ...
رمى العصا على طـرف السريـر باهمـال .. وتبعتها العباءة ثم تخلص من بقية ملابسه واكتفى ( بالعراقي) و( السروال ) .. اتجه الى الطاولة الصغيرة الملاصقة لسريره واضاء الاباجورة المغطاة بالزجاج الملون فشع ضؤ خافت حالم جعل الغرفة الجامدة تمتلئ بالظلال الرومانسية .. ابتسم برضا كانت هذه الاضاءة المفضلة لامونة ... تنهد بحرقة وهو يتذكر المرأة الوحيدة التي احبها منذ طفولته وحتى الان ... برغم الثلاث عشرة سنة التي انقضت على وفاتها الا ان حبه لها ظل متقداً .. لم يستطع أي شئ ان يطغي على احساسه بها ... استلقى حامد على السرير وهو يتابع بنظره حركة الظلال المعكوسة على الحائط .. كان مدركاً سبب عداؤه المستعر مع احتفالات الزواج ... فهي تنكأ جراحه بكل قسوة وتغرقه في دوامة الذكريات المريرة ... تعيده الى تلك الايام عندما غيّر القدر حياته بصورة جذرية بموافقته الزواج من السرة تحت رجاء والحاح امونة .. لقد اعتاد ان يجتر هذه التفاصيل ويلوكها داخل عقله مرارا وتكرارا على مر السنوات الفائتة ...ففي تلك الليلة التي زارته فيها امونة في المستشفى وعقب خروجها .. ايقن بان دنياه التي يعرفها قد تغيرت الى الابد ... تلاشت كل احاسيسه وملأه خواء غريب زحف كنبتة شيطانية سامة تسلقت روحه واعتصرت قلبه وامتصت سعادته ... تقرر عقد قرآنه على السرة في الخميس الذي اعقب خروجه من المستشفى .. لم يهتم باي تفاصيل .. كان يقضي وقته اما مستلقيا في سريره بعيون مفتوحة خاصمها النوم .. او هائماً على وجهه في شاطئ منعزل يراقب جريان المياه وتصادمها .. اصبح يتجنب التواجد في أي مكان قد يلتقي فيه بامونة .. كانت عدم رؤيتها هي الضمان الوحيد لقدرته على مواصلة الحياة بدونها
قبل عقد القرآن بيوم كان قد اتخذ قراره بضرورة مغادرة القرية الى ابعد مكان يستطيع الوصول اليه اتجه الى الديوان فوجد ابيه برفقة عمه وهما يناقشان تفاصيل الزواج بينما جلس بله صامتاً يراقب الجميع بهدوؤه المعتاد .. عند دخوله ساد صمت ملئ بالهواجس .. بدده حامد بصوته المهتز المتحشرج ...

- ابوي .. بعد العقد انا ماشي العاصمة .. حاقعد هناك واقدم للجامعة ..

تبادل الجميع نظرات حائرة مرتبكة ... تنحنح العمدة ثم سال ولده دون ان ينظر اليه مباشرة في عينيه...

- ماشي العاصمة ؟؟!! وتقدم للجامعة ؟؟!! متين قررت الكلام دة ؟؟ طيب ومرتك ؟؟ حتسوقها معاك ولا الراي شنو ؟؟

رد حامد بصوت بارد لا حياة فيه ..

- انا من زمان كنت اتفقت مع امونة اننا بعد العرس حنمشي سوا نكمل قرايتنا هناك ...

امتقعت الوجوه وتصلبت الملامح عندما نطق حامد اسم امونة .. لكنه لم يهتم وواصل كلماته بنفس الصوت الميت ..

- انا غايتو حسافر بعد العقد طوالي .. السرة على كيفها .. لو عاوزة تقعد هنا أو تمشي معاي مع انو انا شايف لو قعدت هنا احسن ليها ... انا هناك ما حكون فاضي ليها وعاوز اسكن في الداخلية اريح لي ...

هب العم غاضباً وضرب بعصاه الارض ...

- دة كلام شنو دة يا حامد ؟؟ كيفن يعني تقول السرة على كيفها وبعدين تقول احسن ليها تقعد هنا ؟؟ المرة مكانها مع راجلها وين ما مشى .. السرة حتبقى مسئوليتك وانت راجلها .. ولا هي القصة عقد وخلاص وبعد داك تتملص منها ترميها هنا وتمشي هناك تسوى الدايرو ؟؟ اذا الموضوع كدة يبقى ما تعقد عليها وننتهي هنا .. بتي هسة ترجع معاي بيتي معززة مكرمة ..

رفع العمدة راسه بحدة عندما سمع العبارة الاخيرة ...

- تاني يا محمد احمد ؟؟ تاني بتقول كلامك الما عندو طعم دة ؟؟ ..
- يعني ياللمين يا اخوي انت ما شايف كلام ولدك الاعوج ؟؟ كيفن يقول عاوز يعقد ويمشي يخلي مرتو وراهو ؟؟ ..

كان حامد يقف متصلباً بملامح جامدة وعيون انطفا بريقها .. اصبح كالعود اليابس بعد ان فقد الكثير من وزنه خلال الفترة الماضية .. غارت عيناه في محجريهما وارتسمت حولهما دوائر سوداء .. نبت شعر لحيته بلا ترتيب واستطال شعر راسه بفوضى ... تراوحت كلمات العمدة بين الاشفاق والحزم وهو يحسم النقاس بصرامة ..

- حامد .. انا ما بمنعك تمشي تكمل تعليمك .. لكن ما في حاجة اسمها تخلي السرة وراك دي مرتك .. وانت ملزوم تسوقها معاك محل ما تمش .. ولو على مكان قعادكم هناك مافي مشكلة .. بديك حوش أبروف اصلو قاعد فاضي .. حاكتبو ليك باسمك عشان تكون قاعد في ملكك ... وكمان بديك العينة وعيالها عشان يخدموكم هناك لكن بخيت بخليهو معاي لاني محتاج ليهو في شغلي ...

رد حامد بسخرية ...

- انت يا ابوي ما بتتعب من تفريق الناس من بعض ؟؟ كيفن يعني تديني العينة وعيالها وتمسك بخيت عندك ؟؟ مش انت هسة الكنت بتقول المرة مكانها مع راجلها وين ما مشى ؟؟ انت بتناقض نفسك ؟؟ وبعدين انت عارف انا من زمان عندي راي في قصة امتلاك البشر دي .. يا عالم ديل ناس زيهم زينا .. ما شوالات بصل ولا صفايح فحم تبيعوها وتشتروها وتتهادوا بيها وتوزعوها كيمان زي ما عاوزين ..
اندهش الجميع من ثورته العارمة وقاطعه ابوه غاضباً ...

- اسمع يا ولد .. ما تتفلسف وتعمل لي فيها مصلح اجتماعي .. دة نظام اتربينا عليهو من جدود جدودنا .. لقيناهو من ما قمنا وتبينا .. ديل ( هولنا ) لا مشينا سوق اشتريناهم ولا بنوديهم سوق نبيعهم .. بنعاملهم احسن معاملة .. لا بنهينهم ولا بنضربهم .. بياكلوا من اكلنا .. وبيشربوا من شرابنا ... عايشين معانا وراضيين بعيشتهم .. وهسة دي لو قلنا ليهم امشوا بيقولوا لا ما بنمش لانو ما عندهم غيرنا ... احنا عزوتهم وسندهم في الدنيا دي وهم مقتنعين بكدة ... وبخيت دة ( الليلنا ) من يوم ما اتولد لكن لو قال داير يمش ما كنت بمنعو .. الا هو قاعد معانا عشان هو داير ما عشان احنا ماسكينو .. وبعدين دة ما موضوعنا .. ما تتزاوغ من الكلام الاصلي وتدخل لي في حاجات فارغة احنا بنتكلم عنك وعن مرتك .. انا من بكرة برسل ناس تمشي الحوش وتفتح البيت وتنضفو .. بديك عربية جديدة وافتح ليك حساب في البنك وكل شهر حتلقى فيهو البيكفيك انت ومرتك وولدك وبالزيادة كمان..
انتفض جسد حامد عند سماعه كلمة " ولدك " .. احس بموجات من الحقد تعبر قلبه تجاه هذا الطفل الذي تسبب في تدمير حياته وتغيير قدره .. هز راسه محاولاً نفض الاحساس القبيح الذي تملكه تجاه الصغير البرئ فاعطت حركته انطباع الرفض لدى الجمع المتوتر .. فزمجر العمدة بغضب ...

- يا ولد اوعك تهز راسك ... من بكرة ابراهيم حيبقى ولدك .. لازم تقبل الوضع دة وتفهمو كويس .. وكمان عشان تبطل فلسفتك الفارغة دي بديك بخيت مع العينة .. مرتك بتكون تعبانة وما بتقدر تخدم البيت الكبير داك براها .. اصلاً في جزء في البيت انا بنيتو للغفير .. بوديهو مكان تاني وناس بخيت يقعدوا فيهو ...

رفع حامد كتفيه بحركة لا مبالية ...

- اعملوا الدايرين تعملو .. المهم انا الاسبوع الجاي ما عاوز اكون هنا ...

ادار لهم ظهره وغادر الغرفة تاركاً الجميع في حالة توجس مما قد يتمخض عنه موقفه الرافض ...

تم عقد القرآن بغياب حامد بعد ان اوكل لابيه مهمة تمثيله .. اقتصر المدعوين على اقرب الاقربين واعلن اتمام الزواج بخمس طلقات من مسدس العمدة تبعها صمت حزين .. لم تجروء أي امراة على اطلاق زغرودة .. انزوت السرة في غرفتها وهي تبكي بمرارة ويجاوبها طفلها بصرخات ملتاعة .. واصيبت بحالة هستريا عندما اصرت عليها والدتها ان تغير ملابس الحداد .. طغى على جو المنزل ظل كئيب وتبارى الحضور في المغادرة بعد انتهاء مراسم العقد مباشرة هربا من هذا الجو الخانق..
بعد يومين من زواجه حزم حامد امتعته وطلب من ابيه اخطار السرة بتجهيز نفسها وصغيرها لمغادرة القرية .. كان يتوق للفرار من المكان الذي شهد احلى لحظات عمره .. واتعسها ... لم يكن قد اعتاد الدرب بين القرية والعاصمة لذلك جلس ساهماً بجانب السائق الذي استأجره والده لايصاله .. في الخلف جلست السرة متلفحة بصمتها وحزنها وهي تحتضن صغيرها الباكي .. كان يتبعهم البوكس الذي يحمل بخيت والعينة وولديهما اضافة للامتعة ...
كان المنزل الذي منح له كرشوة من ضمن اشياء اخرى حتى يقبل الزيجة التي يرفضها يطل على النيل مباشرة ويفصله عنه شارع اسفلتي ضيق يحتل مساحة شاسعة تكفي لبناء عدة منازل اخرى بدا مهيباً بابوابه الحديدية الضخمة وسوره الحجري العالي .. كان حامد يفكر بانه في ظروف اخرى ومع شخص آخر كان ليطير فرحاً بعطايا والده .. لكنه الآن مسكون بالفراغ واللامبالاة .. سرعان ما استقر الجميع في المنزل الجديد الذي تم تجهيزه بكرم .. ترك حامد للسرة وطفلها غرفة النوم الكبيرة بسريرها العريض واختار غرفة صغيرة بالكاد تسع السريرين والخزانة .. لم يفكر ولو للحظة واحدة مشاركتها نفس المكان .. امر بخيت بفرز الامتعة .. وبدت الدهشة على ملامح العينة من اختيار الزوجين الحديثين غرف منفصلة وبعيدة عن بعضهما ...
بعد ان تم ترتيب كل شئ في مكانه .. حمل بخيت ابنه عبد الستار ذو التسعة أعوام بينما استقر عبد الرزاق الذي يصغر شقيقه باربعة اعوام بين ذراعي العينة .. اتجه الجميع الى البيت الصغير المبني بالطين في آخر الساحة .. وبعدها ساد المنزل سكون مميت ...
في الايام التي تلت وصولهم شغل حامد نفسه بالتقديم للجامعة وقيادة سيارته بلا هدى في الشوراع متفاديا التواجد في المنزل لاطول فترة ممكنة حتى لا يرى السرة بعيونها الدامعة وطفلها الباكي دوماً كانت هي ايضا تتجنبه وتحرص على عدم البقاء معه في مكان واحد .. لم يكن يجمعهما الا وجبة الغداء التي تنتهي بسرعة بعد ان يزدرد كل منهما بضع لقيمات على عجل حتى يتخلص من وجود الآخر باسرع ما يمكن .. واصبحت الجامعة رخصة حامد للبقاء خارج المنزل طيلة النهار وجزء من الليل .. وتقلصت اللحظات التي تجمعه بالسرة حتى كادت تنعدم .. تعمد الخروج مبكراً قبل استيقاظها والعودة متاخراً بعد نومها .. سخّر كل الطاقة المتبقية في عقله وروحه لتحصيل دروسه اهله ذكاؤه واجتهاده وحصوله على المراكز الاولى لاكتساب شهرة واسعة في محيطه .. كما اصبحت وسامته وغموضه وعزوفه عن مخالطة البنات عامل جذب قوي لزميلاته اللائي استهوتهن نظرة الحزن العميقة في عينيه الساحرتين .. وكلما تباعد زاد تنافسهن للفوز به دون ان يدرين بزواجه .. كان كتوماً ووضع خطاً واضحاً بين علاقة الصداقة التي تربطه بعدد قليل من زملائه وبين حياته الخاصة ... ولم يسمح لاي كان بعبور هذا الخط .. لم يدع احدهم يوماً لزيارته في بيته ولم يرتد ابداً خاتم زواج ...
كانت قد مرت خمسة اشهر منذ حضورهما عندما استقبلا اول زائر من القرية .. اتت والدة السرة لزيارة ابنتها وانفردت بها طويلاً ... عندما خرجت رمقته بنظرات نارية غاضبة لم يفهم سببها... كما لم يهتم بمعرفة اسباب معاملتها الجافة المتحفزة خلال الايام التي مكثتها في بيته .. بعد عودتها الى القرية بيومين اتت والدته يصحبها " بله " فاصابته الدهشة من هذا التواصل المكثف بعد فترة التباعد المتعمد التي عاشها وانقطع فيها عن عالمه القديم .. كان قد عاد متاخرا كعادته وهو يتوقع ان يجد البيت غارقا في الظلام .. فوجئ بالانوار المضاءة والاصوات الصادرة من غرفة الضيوف ... ساد صمت غريب عند ظهوره في عتبة الباب .. بحركة لا شعورية رفعت السرة ثوبها وغطت به شعرها الطويل الغزير .. كانت نظرات امه عاتبة .. مسامحة .. متفهمة .. بينما ابتسم له بله الذي حمل ابراهيم بين ذراعيه وهو يدغدغه حتى ارتفعت ضحكاته ..تامل حامد هذا المشهد الحميم بين شقيقه ومن يفترض انه ابنه وصفعه الادراك بانه لم يحمل هذا الطفل يوما بين ذراعيه ولم يلاعبه قط كما يفعل بله الان ... احس بالفزع الذي انعكس في نظراته وهي تلتقي بعيني السرة المليئتين بالحزن فأشاح عنها وعانق امه وشقيقه ثم جلس بينهم ليسود ارتباك محير جو الغرفة التي كانت تضج بالحياة قبل دخوله .. بعد لحظات انسحبت السرة بحجة وضع ابراهيم في سريره .. بعدها تعلل بله برغبته في استكشاف المكان لينسحب تاركا حامد وحيدا مع والدتهما التي ربتت على السرير بجانبها وطلبت منه الجلوس .. جلس ملتصقاً بها وهو يحس تجاهها بشوق جارف لم يكن يدرك مداه حتى رآها .. كانت تقص عليه اخبار القرية بالتفصيل وكان هو متلهفاً لاخبار شخص بعينه لكنه لم يجرؤ على سؤالها عن احوال امونة .. وهي لم تتبرع باعطائه أي معلومة عنها ... وبعد ساعة كاملة من الاخبار والقصص صمتت امه فهب واقفا وهو يخاطبها بحنو ...

- امي .. انتي شكلك تعبانة من السفر .. انا حخليك ترتاحي هسة وبكرة نواصل الونسة انا ما حامشي الجامعة عشان اقعد اتونس معاكم ...

كان يهم بالنهوض من مكانه بجانبها عندما امسكت بيده وطلبت منه البقاء .. كان صوتها المتعب خافتاً وخاطبته دون ان ترفع نظراتها اليه ...

- حامد ؟؟ متين حنشوف اخو ولا اخت لابراهيم ؟؟
وقع السؤال على راسه كالصاعقة .. تجمدت حركته حتى اصبح كالتمثال .. تعمق الصمت حتى بدا كيانا آخرا يجاورهما في الغرفة .. اختنقت انفاسه ونظر الى امه بصدمة .. عندما امتد سكونه .. رفعت امه راسها وترقرقت الدموع في عينيها ...
- يعني ما رديت علي يا حامد ؟؟ ما تسكت كدة .. سكوتك دة بيخوفني .. اتكلم .. قول أي حاجة ...
اتى رده في شكل سؤال حائر ...
- اخو ولا اخت لابراهيم ؟؟ كيف يعني ؟؟ ...

- زي باقي خلق الله يا ولدي .. انت السرة دي مش مرتك ؟؟ يعني لو كنت دخلت عليها من يوم ما عرستو .. مش كانت هسة بقت حامل ..

لحظتها فقط ادرك حامد سر النظرة النارية التي رمقته بها زوجة عمه لحظة خروجها من غرفة السرة واسلوبها الجاف في التعامل .. كما ادرك سر زيارة امه وشقيقه ... اصيب بالذعر من المعنى المبطن لكل ما يحدث فاتى رده خشنا ..

- ادخل عليها ؟؟ ادخل عليها كيف يا امي ؟؟ السرة دي مرت ابراهيم .. وانا عرستها بس عشان انتوا قلتوا عاوزين الولد يتربى معانا وما يجي راجل غريب يربي ولد اخوي ...

- حامد يا ولدي .. ابراهيم مات الله يرحمو ويغفر ليه .. والسرة ما بقت مرتو .. السرة هسة مرتك انت .. والعرس عرس يا ولدي .. ومادام عرستها يبقى لازم تاخد حقك وتديها حقها ...

- حق شنو يا امي ؟؟ انا ما عندي حق عندها ولاعاوز منها حاجة .. ولا يمكن هي اشتكت ليكم وقالت عاوزة حقها ؟؟ امي انا السرة دي بالنسبة لي زيها زي أي واحدة من اخواتي .. ما بحس نحوها باي شئ غير احساس الاخو باخته ... انتي بالذات يا امي اكتر واحدة عارفة انا رفضت العرس دة قدر شنو .. وعارفة كمان انا في النهاية وافقت ليه ... انا وافقت عشانك .. وعشان ما اكون سبب طلاقك بعد العمر دة كلو ...

تلبست حامد حالة من الانفعال العنيف واصبح صوته قاسياً .. لم يعبأ بالالم الذي انطبع على وجه امه وهو يذكرها بتضحيته من اجلها ...

- امي .. لازم كلكم تعرفوا انو دة اقصى شئ ممكن اسويه .. مافي زول فيكم يطالبني بازيد منو .. دخول على السرة ما داخل .. ولو هي اشتكت وطالبت بحاجة زي دي يبقى تشوف ليها راجل تاني غيري ...
قاطعته امه بغضب ..

- إتأدب يا ولد وما تنسى انت بتتكلم مع منو .. السرة ما اشتكت ولا عمرها حتشتكي حاشاها المربية بت الاصول العيبة ما بتطلع منها .. احنا عرفنا لانو امها لمن جات تزورها سالتها ليه ما حملت لغاية هسة وانتو معرسين ليكم خمسة شهور .. واضطرت السرة تقول لامها انك لغاية هسة ما لمستها .. امها جاتني جارية وكانت عاوزاني اكلم العمدة .. اقنعتها بعد تعب انو تخلي الموضوع علي وانا بتكلم معاك من غير ما ابوك يتدخل ... حامد يا ولدي مافي حاجة اسمها زي اختك ... لا هي بت امك وابوك ولا رضعت معاك .. دي مرتك والبتسوي فيهو دة حرام وبيدخلك في حساب رب العالمين .. انت انسان صلاي وقراي .. يعني ما عارف انو الوضع دة حرام ؟؟ السرة مرتك وليها عليك حقوق حتى لو ما طالبت بيها .. وانت راجلها .. لازم تصونها وتحفظها .. السرة سمحة ونضيفة وعفيفة .. وانت ما حتلقى احسن منها .. لازم تتعود على حياتك وما تفكر تهرب منها .. يا حامد حرام عليك البنية المسكينة دي الدنيا ظلمتها وشالت منها راجلها وهي في عز فرحتها .. ما تظلمها انت كمان لانك بتعرف طعم الظلم ... هي ما ليها ذنب في الحصل دة وما تنسى انها اتجبرت عليك زي ما انت اتجبرت عليها .. الفرق بينكم انها قبلت بالامر الواقع وانت لا ... لازم تقبل الشئ دة وتبدا توعى لمرتك وولدك .. ابراهيم دة بقى ولدك .. ما عرف وما حيعرف ابو غيرك يا ولدي خاف الله فيهو وفي امو .. خاف الله في روحك ...
انهارت الام باكية وهي تغطي وجهها بطرف ثوبها .. احس حامد بالالم والذنب وهو يرى دموعها التى ملأت خدودها .. عاد وجلس بجانبها .. قبل راسها المختفي خلف الثوب .. لف ذراعه حول كتفيها وضع راسه على راسها وبكى ... بكى طويلاً .. واحس بغضبه يتسلل من داخله مع قطرات دموعه .. احس بحزنه يخرج حاراً مع زفراته ... لقد كشفت كلمات امه الصادقة الغطاء عن كل مشاعر الحقد والحزن والاحباط التي كانت مدفونة باعماقه منذ ان اجبره والده على الزواج بارملة اخيه .. بكى كما لم يبك من قبل في حياته ... بكى ضياع المراة التي احبها بجنون منذ طفولته .. بكى موت حلمه ومشاعره التي اصابها الجمود .. بكى حتى على السرة وصغيرها وعجزه عن منحهم الحب والاهتمام والرعاية ...
عندما دخل بلة الغرفة وجد امه وشقيقه متعانقين وتلفهما موجة من البكاء .. اقترب منهما واحتضنهما معا .. كان كثيرا ما يشعر بالغضب من نفسه لسلبيته وانصاعيه التام لارادة ابيه وجبروته .. موقعه الاوسط بين ابراهيم الكبير صاحب الحظوة والكلمة المسموعة .. وحامد الصغير المدلل جعله منذ الصغر في حالة صراع للحصول على مكان بينهما في قلب ابيه .. فكانت الطاعة العمياء المطلقة هي وسيلته للتقرب من الوالد القاسي والحصول على رضاه .. شب على هذا حتى تحولت الطاعة الى سلبية مفرطة تصبغ كل ردود افعاله تجاه ما يحدث حوله ...
في تلك الليلة اصيب حامد بارق سرق نومه وجعله يدور في الساحة الخارجية والافكار تتلاطم في راسه كانت كلمات امه عن ظلمه للسرة وصغيرها وحرمانية ما يفعل هي اكثرها ايلاماً .. لكن عقله يصر على ان السرة هي زوجة اخيه .. وانها ما زالت مقيمة على حب زوجها الراحل ولن ترضى عنه بديلا كما هو حاله مع امونة .. سخر من نفسه وسذاجة تفكيره لانه ظن ان باستطاعته العيش في هذا الوضع الى الابد .. السرة بالنسبة اليه زوجة اخيه وام طفله .. كيف يتوقعون منه ان يعاشر زوجة اخيه ؟؟ كما وانها لا تثير فيه أي رغبة جسدية .. لقد ماتت كل احساسيه منذ ان اجبر على ترك امونة .. حبيبته الصغيرة التي كانت نظراتها البريئة تشعل النار في حواسه ولمساتها تحيله الى بركان ... لقد حفظ نفسه لاجلها واخذ على نفسه عهداً ان تكون اول امراة في حياته كما سيكون هو الاول في حياتها ... كيف يطالبونه الان ان يخون العهد ويعطي لغيرها ما هو لها ؟؟!! ...
غادرت امه مع شقيقه بعد يومين من وصولهما .. لم يتناقشا في الموضوع مرة اخرى .. لكن نظراتها كانت تستعدي عليه ضميره في كل مرة تلتقي عيناهما .. عندما احتضنها مودعاً حاول ان يطمئنها .. فاحكمت قبضتها حوله وهي تدعو له بالرضا .. والهداية ...
ظل لمدة شهر كامل يناقش نفسه محاولاً اقناعها بفعل الصواب .. تدفعه كلمات امه ودموعها .. ونظرات الانكسار في عيني السرة .. بدا يغير عادته في الغياب .. تعمد ان ياتي قبل مواعيد نوم السرة التي كانت تختبئ خلف ثوبها ما ان تراه وتحرص على تغطية اجزاء جسدها كانه غريب عنها ... حاول ان يتجاذب معها اطراف الحديث الذي سرعان ما يتحول الى جمل متباعدة ومبتورة .. لم يكن هناك شئ مشترك يجمعهما .. على عكس امونة التي لم يمل يوما حديثها .. وكانت نقاشاتهما تنتهي لتبدا مرة اخرى .. وكانت لحظات الصمت نادرة بينهما ولا تحدث الا عندما تغلبه مشاعره اثر لمسة عفوية او متعمدة بينهما ....
في نهاية الشهر كان قد حزم امره على ضرورة تقبل حياته كما هي بعد ان اصبحت امونة حلماً بعيد المنال .. قرر ان ينقل علاقته بالسرة من الورق الى الواقع ... لم يكن يستطيع ان يفعلها وهو واع لذلك عمد الى تخدير حواسه حتى ينسى من هي ويتذكر فقط انها امراة ... وانها زوجته ..
كانت المرة الاولى التي يتذوق فيها طعم الخمر منذ انهياره الشهير على عتبة باب بائعة الخمور في القرية .. احتسى الخمر بشراهة كبيرة حتى احس بان عقله قد غادر جسده مصطحباً معه كل الاحاسيس المتصارعة .. بخطوات مترنحة غادر غرفته واتجه الى غرفتها .. فتح الباب الموارب بهدؤ مصطنع ليقع نظره مباشرة على صدر السرة العاري الملتصق بفم ابراهيم .. لقد اتى وهو مصمما على نسيان كل شئ عدا انها امراة وانها زوجته .. لكن رؤيتها وهي ترضع صغيرها اعادت اليه جزء من احساسه الاول .. تجاهله بعناد وتقدم ببطء يشي بنواياه .. واكدت السرة فهمها بنظرات حزينة .. ودللت على قبولها بحمل صغيرها النائم ووضعه في سريره الملاصق لها ثم جلست تنتظره باستسلام ..
كانت قد اكتسبت مزيدا من الوزن منذ حضورهما من القرية وبدا تكدس الشحم في ردفيها وخلفيتها واضحا خلف قميصها بقماشه الناعم الملتصق بثنيات جسدها محددا معالمه بوضوح .. اصبح وجهها اكثر استدارة وشلوخها اكثر عمقاً .. كانت قد خاصمت الطيب منذ وفاة شقيقه .. الا انها ما زالت جميلة ... لم تعتري حامد اية رغبة في الحصول عليها برغم كمية الخمر التي احتساها ومظهرها المستسلم المغري .. وظل واقفا يتاملها وهو يحفز تفكيره وخياله بانها امراة .. وانها زوجته .. ويحاول ان يقنع حواسه بانه رجل يتوق للقاء امراة تفض بكارته .. دفعه تفكيره خطوة الى الامام .. اقترب منها حتى اصبح امامها مباشرة واحس بالحرارة التي تنبعث من جسدها وصوت انفاسها المرتبكة التي فقدت انتظامها ... كان يهم بوضع يده على صدرها المتحرر من كل القيود عندما احس بحركة خفيفة على السرير خلفها ... رفع راسه بغيظ لان هناك شيئا يحاول مقاطعته بعد ان استجمع شجاعته وخطا الخطوة الاولى .. اصابه المنظر الذي يواجهه بذعر هائل جعله يتراجع خلفا بسرعة اسقطته على الارض تلاحقه نظرات السرة المندهشة بعد ان التفتت لترى سبب تصرفه فلم تجد غير الفراغ ... حاول حامد النهوض فاحس بساقيه كالهلام وهي تلتوي تحته .. كانت علامات الفزع تتزايد في ملامحه وهو ينظر الى نقطة محددة خلف السرة التي نهضت وتقدمت نحوه تحاول مساعدته على النهوض .. حجب جسدها ما وراءه فاستعاد قدرته على الحركة ..رفض يدها الممدودة لمساعدته ونهض بضعف .. هرول خارجاً لا يلوى على شئ تاركاً زوجته غارقة في بحر من الذل والحيرة ..
استيقظ صباحاً بصداع فتاك ورغبة في التقيؤ .. كانت ذكرياته عن ليلة امس مهزوزة .. تحامل على نفسه ودخل الحمام .. افرغ كل ما في جوفه ثم ترك الماء البارد يندفع الى راسه ليزيل بقايا الخمر .. فجاة عاودته ذكرى الرؤية التي افزعته الليلة الماضية فاعتراه حزن قاس جعله يجهش بالبكاء .. ظل واقفاً تحت سيل الماء فترة طويلة حتى انحسرت موجة البكاء ...خرج من غرفته متلهفاً لمغادرة المنزل فتعثرت قدماه بجسد ابراهيم الصغير الذي اصبح يتجول حبواً في مكان .. رفعه من الارض وحمله بتمنّع وهو يتامل ملامحه الجذلة وخيط اللعاب الذي يسيل من فمه بلا انقطاع و يبلل الصدرية الصغيرة الملتفة حول عنقه .. بادله الصغير نظرة تشع براءة ودهشة .. وضعه في حجر السرة متفاديا النظر الى عينيها الحائرتين تمتم بكلمات مبهمة ثم ولى الادبار خارجاً .. لم يعد باستطاعته مواجهتها بعد ما حدث الليلة الماضية..
مرت ثلاثة اشهر اخرى قبل ان ياتيه صوت والده عبر الهاتف حادا وصارما وهو يطلب منه الحضور الى القرية على وجه السرعة مصطحبا السرة وابراهيم .. لم يواجه صعوبة في تخمين سبب الاستدعاء العاجل .. لابد ان خبر هجرانه لزوجته قد وصل الى مسامع ابيه بعد ان فشلت محاولات امه المستميتة في ابقاء الامر طي الكتمان ..
قاد سيارته بذهن شارد .. لم يكن متخوفا من لقاء ابيه بقدر ما اصابه الوهن العاطفي من احتمال لقاء امونة .. كان يظن بانه قد تجاوز حزنه على فقدانها واصبح اكثر قوة وصلابة واكثر قدرة على رؤيتها لكن عودته القسرية كشفت الغطاء الوهمي الذي غلف به مشاعره .. وتدفقت ذكراها بداخله كالشلال واكتشف حامد ان التسعة اشهر الماضية لم تمكنه من النسيان .. بل عمقت اصغر التفاصيل وجعلتها اكبر حجما واكثر وضوحاً .. كان يستفيق من شروده على صوت السرة الخائف عندما تنبهه بانحراف السيارة او اقترابه من حافة الطريق ... عندما وصلا الى القرية كانت تسبح في بحر من الضؤ وشمس منتصف النهار تصلي كل الزوايا بوهج حار .. احس بغربة تغمره وهو يتامل الشوارع والبيوت .. كانه لم يعش فيها يوماً ... بالنسبة اليه .. القرية كانت امونة .. وعندما ضاعت امونة اصبحت مجرد مكان غريب موحش ...
كان الاستقبال حافلاً .. نحرت الذبائح وظل المنزل غاصاً بالضيوف حتى وقت متاخر من الليل .. بعد تفرق الحشود وجد حامد نفسه وحيدا في مواجهة ابيه ..جلسا بصمت متحفز وكل يطالع الآخر بنظرات متحدية .. اخيراً رفع العمدة صوته وساله ما كان يتوقعه ...

جاكس
06-11-2012, 04:49 AM
- حامد .. الكلام السمعتو دة صحي ؟؟

رد حامد بلامبالاة متعمدة ..

- ياتو كلام يا حاج ؟؟ ...

- يا ولد ما تعمل لي فيها رايح وما فاهم انا بسالك من شنو ...

تخلى حامد عن لامبالاته ورد باقتضاب وتحدي ..

- ايوة صح ...

ضرب العمدة الارض بعصاته واشتعلت ملامحه غضباً ...

- يا ولد انت ماك راجل ؟؟ كيف يعني مرتك تقعد معاك تسعة شهور بدون ما تلمسها ؟؟!! انت عاوز تفضحنا ؟؟ الناس تقول علينا شنو لو عرفت ....

قاطعه حامد بانفعال ...

- الناس .. الناس .. الناس .. كل حاجة تقول لي الناس .. جبرتني اخلي الانسانة الطول عمري بحبها عشان كلام الناس .. جبرتني اعرس السرة عشان كلام الناس .. هسة عاوز تتدخل في ادق خصوصياتي وبرضو بحجة كلام الناس ؟؟ اقول ليك كلام يا ابوي ؟؟ لو الناس سالوك ليه ولدك ما رقد مع مرتو لغاية هسة .. قول ليهم عشان هو ما راجل .. ما قدر .. حاول وما قدر ...

هب العمدة واقفاً وسدد صفعة قوية تجاه حامد الذي تراجع خلفاً وتفاداها ليتلقاها الفراغ .. تصاعد غضب حامد من محاولة ابيه ضربه وارتفع صوته بلهجة حاقدة مريرة ...

- شنو يا عمدة ؟؟ انت قايلني لسة ولد صغير تضربه عشان يسمع كلامك ؟؟!! ... خلاص انا كبرت على سمعان الكلام بالضرب .. ويكون في علمك .. لا انت ولا غيرك حتجبروني ارقد مع السرة .. لو عاجبكم كدة يمشي الحال .. ولو ما عاجبكم اهي عندكم امسكوها وبكرة تجيكم ورقتها ..
تهاوى العمدة على كرسيه مذهولاً من اسلوب ولده وبراكين الغضب المتفجرة من صوته وعينيه .. فهو لم يكن يتوقع ان ياتي يوم ويخاطبه احد اولاده بهذا التحدي السافر ... خرج حامد من الديوان ليجد بله واقفا خلف الباب وقد تجمد من الخوف والدهشة .. تخطاه وخرج مسرعاً ... قاد سيارته الى بقعته المفضلة امام النيل .. جلس ارضا واتكا بظهره على هيكل السيارة الحار .. تامل المياه الجارية بصوت ناعم وقد انعكس عليها ضوء القمر المكتمل فبدت وكان حبيبات من الفضة نثرت فوقها .. كان صوت انسياب المياه يتغلغل داخله ويهدئ روعه .. لطالما كان للنيل تاثير قوي عليه .. لطالما كان صديقه الحميم الذي يبثه شكواه ويرمي في جوفه همومه وحزنه ولوعته ... لم يخذله يوماً .. ولم يضق به يوماً...
عندما عاد اخيرا قرابة منتصف الليل وجد المنزل غارقا في السكون .. توجه الى غرفة الضيوف متفادياً المرور بغرفة ابيه او الغرفة التي خصصت له مع السرة ... دخلها وهو يحس بتعب يستوطنه روحا وجسدا ً .. فوجئ بوجود شبح يجلس ساكناً في الظلمة .. فاضاء النور ليجد والدته النائمة في جلوسها واضعة يدها على خدها .. احس نحوها بالشفقة وبرغبة قوية للارتماء في احضانها .. دخل بهدوء ففتحت عيناها على الفور .. هاله كم الحزن المرتسم على ملامحها الطيبة ... جلس بجانبها مطرقا .. وخاطبها همساً ....

- امي .. انتي الوحيدة البيهمني تعرف اني حاولت ... والله العظيم يا امي حاولت زي ما وعدتك ... لكن ما قدرت ... برغم اني اليوم داك شربت لمن عروقي بقت ملانة خمرة بدل الدم .. ضغطت على روحي واقنعتها انو السرة دي مرتي وانو الليلة لازم ادخل عليها ... وفعلا مشيت اوضتها وكنت خلاص حانهي الموضوع .. عارفة المنعني شنو ؟؟ منعني ابراهيم اخوي ..

تابع حامد كلامه دون ان يهتم لشهقة الهلع التي صدرت عن امه ...

- تعرفي يا امي لمن قربت شديد من السرة .. حسيت بحركة في طرف السرير التاني .. رفعت راسي اشوف شنو البيحرك السرير لقيت ابراهيم قاعد يعاين لي ووشه ملان زعل .. بحلف ليك يا امي اني شفت ابراهيم وعرفت من تعابير وشو انو ما راضي عن الشئ دة .. ومن اليوم داك ما فكرت تاني اقرب من السرة .. ما عارف يمكن يكون الشئ الشفتو مجرد خيال زول سكران .. او انعكاس لرفضي انا للموضوع دة .. لكن خلاص الدخل جواي دخل وما اظن يطلع تاني ... يا امي انا عارف اني ظالم السرة معاي .. لكن ما بيدي ... ما قادر .. ما عندي أي احساس ناحيتها .. اعمل شنو .. انتي قولي لي اعمل شنو ؟؟ ..
اتي الرد من العمدة الذي انتصب بجسده المهيب وسد باب الغرفة ...
- اعمل أي حاجة يا حامد بس ما تفضحنا ... احنا ما عندنا حاجة اسمها طلاق .. دي بت عمك .. لحمك ودمك وعرضك .. ودة ولد اخوك المات .. يعني ولدك ..

رقت لهجة العمدة وبدت اقرب للضراعة منها للامر ...

- حامد يا ولدي انت راجل وسيد الرجال ... والسرة مرا تمام وست النسوان ... انت بس خت الرحمن في قلبك واطرد منو الاوهام ... ابراهيم الله يرحمو مستحيل يكون زعلان منك لانك صنت مرتو وبتربي ولدو ... منو حيكون امين عليهم اكتر منك ؟؟ منو حيحافظ عليهم اكتر منك ؟؟ ... حامد يا ولدي لازم تدخل على مرتك ... الكلام دة اعوج منك .. وحرام عليك .. حسابك عند رب العالمين حيكون كبير على الانت بتسويهو دة .. انت بس خت الفكرة في راسك ومع مرور الايام حتلقاها بقت مقبولة .. المرة الاولى حتكون صعبة .. اعمل أي شئ عشان تمش وتفوتها .. المهم المرة الاولى تعدي وبعد داك ببقى الموضوع طبيعي ..

قضى عدة ايام في القرية هائماً في الطرقات ممنياً نفسه بلقاء صدقة يرى فيه امونة .. لم يجرؤ على الذهاب الى بيت خالته لالقاء التحية .. لم يكن يثق بنفسه ورد فعله لو رآها .. في النهاية قرر ان يجنب نفسه ويجنبها عذاب اللقاء ..لكنه كان يدعو في سره ان يرى طيفها او لمحة منها في احد الدروب .. عندما اصابه الياس وشعر بغربته تتعمق .. قرر ان اوان الرحيل قد حان ...
كان يجلس متململاً خلف المقود في انتظار خروج السرة وصغيرها .. وعندما فتح الباب بجانبه اخترقت خياشيمه روائح الدخان والصندلية .. التفت بدهشة ليكتشف ان السرة قد تحولت الى امراة اخرى غير تلك المخلوقة الباهتة التي اعتاد عليها طيلة الاشهر الماضية .. اختفى البياض الذي استوطن شعرها وبات لونه كجناح الغراب لامعاً وتفوح منه رائحة دهن ( الكركار ) .. اصبح وجهها لامعاً واذدادت عيناها اتساعا بفضل الكحل الاسود الذي سال تحت جفونها مضفيا على ملامحها غموضا آسراً .. بدت شلوخها اكثر عمقاً بينما توردت شفتاها واصبح لون الوشم ملفتاً ومغرياً ... عندما ادخلت ساقها بحرص ارتفع طرف ثوبها ليكشف عن جسد صبغ باللون البرتقالي الذي تضارب مع نقوش سوداء ارتفعت حتى منتصف الساق ... استقرت بجانبه وهي تحاول ايجاد وضع مريح لها ولصغيرها النائم في حضنها وارتفع رنين الحلى الذهبية في يديها الممتلئتين ... تفادت النظر اليه وهي تعي نظراته المندهشة من التبدل الذي حصل لهيئتها ... لقد ذكرته بايام زواجها الاولى لشقيقه كان مدركا لسر التحول واسبابه ... انهم يدفعونه لتقبل واقع زواجه .. يدفعونه ليغير موقفه ومشاعره تجاه السرة .. تنهد بتعب ورفع يده ملوحاً لمودعيهم وقد تعمق احساسه بالغربة ... والرفض ...
مر شهر منذ رجوعهما من القرية ظلت فيه السرة مواظبة على حرق جسدها بحطب الشاف والطلح يوميا .. تغيرت رائحة المنزل واصبح مغمورا بعبق بخور الصندل والدلكة والمحلبية والحنة ... وتغيرت معها ايضا نوعية ملابس السرة .. اختفت القمصان القطنية الواسعة والثياب الخشنة .. واصبح جسدها يتمايل مع همس الحرير والشيفون ... باتت تنتظره بالوجبات مهما طال غيابه مما جعله يشعر بالذنب ويعجل مواعيد عودته حتى لا يحمل نفسه وزر تركها جائعة ...
حاول كثيرا ان يجبر نفسه على دخول غرفتها ليلا مدركا بانها ستكون بانتظاره .. الباب الموارب والاضاءة الخافتة كانت اشارات واضحة ... كان يقطع نصف المسافة بين غرفتيهما ... ثم تداهمه ذكرى ابراهيم الجالس خلفها بوجه عابس .. فيتراجع .. ومع تكرار تراجعه تراجع ايضا اهتمام السرة بنفسها .. انحسرت الروائح المغرية واختفت القمصان الحريرية وعادت تكسو جسدها بثيابها الخشنة .. واظبت على انتظاره في مواعيد الوجبات .. لكن بنظرات كسيرة وملامح جامدة ...
لم يندهش هذه المرة عندما عاد ليلاً ليجد امه وزوجة عمه وشقيقه في المنزل .. كان يتوقع هذه الزيارة عاجلاً ام آجلاً ... اعتصمت السرة مع والدتها في غرفتها بينما جلس هو مع امه وشقيقه في غرفة الضيوف .. كانت المرة الاولى التي يبادر فيها بله بالحديث .. لحظتها فقط ادرك حامد بانه قد تجاوز كل الحدود .. وبان صبر الجميع قد فرغ بما فيهم شقيقه الصامت دوماً ...

- حامد يا اخوي .. هلاّ هلاّ على الجد .. والجد هلاّ هلاّ عليهو ... الوضع الانت عايش فيهو دة وضع ما طبيعي وغلط وحرام ... وتصرفاتك مخليانا داخليين في اضافرينا .. والبتسوي في بت عمك دة ما مرضي أي زول ... كلنا مدينا ليك حبل الصبر تقديرا لحالتك والظروف التم فيها العرس لكن يا حامد عشرة شهور ؟؟!! ...قريب السنة وانت هاجر المرة ؟؟ دة لا يرضي الله ولا رسوله .. ياخي السرة زاتها ما كانت عاوزة العرس دة لكن لمن لقت روحها قدام الامر الواقع بدت تتاقلم وعاوزة تعيش حياة طبيعية معاك ... حرام عليك يا حامد .. كسرت خاطرها وحسستها انها عبء تقيل على قلبك لمن جبرتها ترسل لامها وتقول عاوزة تتطلق ..

اهتز حامد عند سماع الكلمة الاخيرة ورددها بدهشة ..

- عاوزة تتطلق ؟؟!! .. السرة قالت عاوزة تتطلق ؟؟!! ...

- ايوة يا حامد السرة قالت عاوزة تتطلق لانها عاوزة تحفظ كرامتها الانت بتدوسها ليها كل يوم .. انت قايلها شنو ؟؟ حجر ؟؟ ما عندها احساس ؟؟ تعرف لو أي واحدة تانية غيرها كانت طلبت الطلاق من اول شهر .. لكن لانها بت ناس ومتربية سترت عليك وابت تشتكي الا بعد ما خلاص فاض بيها .. انا بس عاوز اعرف يا حامد انت عاوز شنو ؟؟!! حتعيش كدة لمتين ؟؟ انت خلاص ما بقيت صغير .. عمرك وصل تستعتاشر سنة .. كدة ورينا محتاج كم سنة تاني عشان تنسى الفات وتبدا تقبل حياتك ؟؟ ولا خلاص نبدا نناقش تفاصيل طلاقك من بت عمك ونشوف راجل تاني يربي ولد اخوك والله والله والله والحلف بالله ما خلى شئ .. انا لولا معرس اختها .. كنت عرست السرة وانا شاكر ربي على النعمة الاداني ليها ..

كانت الكلمات تنهال على حامد كطعنات السكين التي لا يملك دفعها .. احس بدموع العجز تملا عينيه وتسيل على خديه .. سكت بله مبهوتاً من دموع شقيقه الاصغر .. وهمسه الموجوع ..

- بله انا حاولت ... حاولت وما قدرت .. كل يوم في الشهر الفات دة بقعد في اوضتي واقول الليلة بمشي ليها .. اتحفز واعبي نفسي .. لكن اول ما اوصل نص المسافة بين الاوضتين بلقى كل حاجة جواي ماتت .. طوالي برجع لانو احسن مليون مرة اني ما ادخل خالص مما ادخل وانا بالحالة البكون عليها ..
ارتفع نحيب الام على ولدها وخرجت كلمتها متقطعة ..

- يبقى كلام مرت عمك صح .. انت معمول ليك عمل ... امونة وامها ربطوك عشان ما تدخل على السرة .. انا بالاول ابيت اصدق الكلام دة لمن جاتني وقالتوا لي وقلت مستحيل اختي تعمل كدة .. مستحيل تاذيك لانها بتحبك زي ولدها .. وهي عارفة انك ما خليت امونة الا غصبا عنك .. لكن هسة بعد الكلام القلتو دة انا بقيت متاكدة انهم ربطوك ..

هز حامد راسه بعنف رافضاً الفكرة ..

- امي ربط شنو ؟؟ دة كلام فاضي وخزعبلات ساكت ..

- لا ما كلام فاضي .. السحر مذكور في القرآن .. انا بكرة بدري راجعة البلد ومن دربي عديل لشيخ العبيد احكي ليهو الحصل واخلي يشوف ليك علاج .. وياريت لو انت زاتك تجي معاي عشان يشوفك ..

- امي انا امتحاناتي على الابواب وما عندي وقت للكلام الفارغ دة ...

غابت الام اسبوع وعادت بعده محملة باشياء شتى .. كانت تشرف بنفسها على خطوات العلاج كما اسمتها .. تطلق البخور في كل وقت تراه .. وتجبره على شرب سوائل كريهة المذاق .. لم يكن مقتنعاً بما يفعل وكان بداخله رفض قوي لكل ما يحدث لكنه خضع لضغوط امه ارضاء لها ولنظرة الترقب في عيني السرة الملئتين بالامل .. كان موقناً بان المشكلة تكمن بداخله هو وليس لاي مخلوق آخر يد فيها .. عدم رغبته بزوجته سببها حبه لامونة التي كان عقله الباطن يرفض وجود أي امراة اخرى في حياته غيرها .. العهد الذي قطعه لها بان تكون اول امراة تمتلك جسده كما امتلكت روحه وقلبه وعقله .. لم يكن يرغب بخيانتها مع اخرى حتى لو كانت زوجته ..
بانتهاء العلاج المزعوم وقبيل مغادرتها الى القرية انفردت به امه وسكبت في اذنه جملة من النصائح ختمتها بواحدة افزعته ..

- حامد يا ولدي انا حاسة بيك وعارفة الجواك .. لكن الشئ دة ما منو مفر ولازم تعملو السرة دي لحمك ودمك .. واجبك تحافظ عليها زي ما حافظت عليك الفترة الفاتت دي كلها ولو بقى صعب عليك تمشي ليها عشان هي السرة وكانت مرة ابراهيم اخوك (الله يرحمه) .. امشي ليها واتخيل انها امونة ...
هب واقفا ونظر اليها بعدم تصديق .. حاول ان يغادر الغرفة لكنها سدت الدرب بجسدها وامسكت بذراعه ...

- اتخلعت من كلامي ؟؟ مالو ما فيها حاجة لمن تتخيل انها المرة البتحبها وبتتمنى تكون معاها .. انت ما حتكون اول ولا آخر زول يعمل كدة ... دة ممكن يسهل عليك وعلى السرة حاجات كتيرة .. اقلها ما حيكون خيال المرحوم بينكم .. وصدقني يا حامد بس المرة الاولى الحتكون صعبة عليك .. لكن بعد كدة كل شئ حيبقى طبيعي وعادي ..

بعد مغادرة امه بيومين فكر ان يطبق نصيحتها .. اطلق لخياله العنان مع طيف حبيبته الغائبة حتى اصبح مشحوناً بطاقة لم يظن انه يملكها .. وفي تلك الليلة اصبحت السرة زوجة فعلية لحامد الذي امتلكها بعنفوان رجل محروم يمتزج للمرة الاولى مع امراة يعشقها ... في غمرة الانفعال الاول لم ينتبه للكمات المتقطعة التي كانت تخرج منهما بصعوبة ...في لحظة انفجاره وعندما كان يهتف باسم امونة سمع السرة تردد اسم ابراهيم ... مع مرور الايام اصبح الامر أكثر سهولة .. خصوصا عندما يرافقه خيال حبيبته ويحتل مكان زوجته في السرير ...
كان حامد مستلقياً بين النوم واليقظة .. اخرجته من غفوته صوت طرقات ملحة على الباب فافاق من عالم الاحلام والذكريات ورفع راسه المثقل بخدر النعاس ليسمع الطرقات تتوالى وتتقاطع مع صوت الاذان وصوت رجل ينادي من وراء الباب ..

- حاج حامد ... قوم الاذان اذن .. هوي يا ود العمدة قوم الصلاة ما تفوتك ...

نظر الى المنبه الصعير بجوار سريره ثم نهض وسارع بفتح الباب ليوقف سيل الطرقات .. واجه ميقظه بابتسامة عريضة ..

- خلاص يا ود سعد صحيت .. افرشوا البروش انا بدخل الحمام سريع والحقكم ..

أمّ حامد صفين من المصلين الذين تشابهت ملامحهم واختلفت اعمارهم .. ما ان انتهت الصلاة حتى امتلا المكان برائحة الشاي واللبن المقنن .. جلس عمار ارضا يعبئ الاكواب وتولى فتى صغير السن توزيعها مع الاطباق المليئة بالبسكويت والكعك ومربعات الفطير المرشوش بالسكر الناعم .. تعالت اصوات الرشفات وطقطقات الالسن استحسانا بطعم الشاي ...

رفع ود سعد عقيرته منشدا مقاطع دوبيت بصوته الرخيم .. ارتسمت ابتسامات الرضا على الوجوه وبدا كل يجود بما لديه من شعر وغناء .. غمر حامد احساس بالسعادة والرضا كان قد غادره منذ وقت طويل ...عبر النوافذ العريضة تسللت هبات نسيم باردة تبشر بشتاء قاس ... كانت محملة برائحة رطوبة البحر والسمك والبن المحمص ... بدا ضوء الفجر الباهت يشق الظلمة الحالكة وظهر في الافق لون حائر بين البنفسجي والفيروزي .. ارتفعت زقزقة عشرات العصافير التي تسكن السور الشجري في آخر الساحة لتطغي على كل ما عداها وبدا ان حركتها قد استفزت الازهار المنتشرة .. ففاحت رائحة زهور الفل والياسمين وامتزجت مع عبق زهور شجر النيم والبرتقال ...
شعت ابتسامة حامد وأضاءت وجهه الوسيم وارتفعت معها اصوات الدوبيت بين ود سعد وبقية الحضور كان صباحاً مثالياً لم يعشه منذ ما يقارب الثلاثة عشر عاماً ...

الفصل الرابع عشر

استيقظت نعمات على صوت الزغاريد فامسكت راسها بالم واحست كأن طبولاً تدق بداخله .. رفعت يدها تتحسسه بحرص فاصطدمت بالعرق الناتئ في اعلى جبينها وهو ينبض بشدة .. لقد باتت تعرف دلالة هذه الاشارة .. لابد وانها في غمرة انشغالها بالاستعداد لعرس رحمة سهت عن ابتلاع الحبوب التي توازن ضغط دمها .. فتحت درج الكمودينو الصغير بجانب سريرها تلمست بيدها حتى عثرت على صندوق الحبوب .. فضت احداها بيد مرتعشة ووضعتها تحت لسانها واستلقت وهي تتمنى ان يزول المها بسرعة .. ادارت راسها ببطء ونظرت بحسرة الى المساحة التي سكنها الفراغ منذ امد بعيد الا في حالات نادرة .. لقد هجر حامد فراشها منذ وفاة امونة ... وابنه ..
في الشهور التي تلت الوفاة احترمت حزنه على محبوبته ولوعته لموت الولد الذي كان ينتظره طيلة حياته .. لكن الشهور استطالت وتمددت حتى اصبحت عاماً كاملاً اعتزل فيه زوجها العالم وبنى غرفة بعيدة اصبحت كمحراب يمارس فيه شعائر حزنه ووحدته بعد ان حرّم دخولها على الجميع .. لم تكن تدرك سطوة حبه لهذه المرأة حتى رات كيف تغيرت احواله بعد زواجه بها .. هذا الزواج الذي زلزل كيانها واصابها بطعنة قاتلة في صميم كرامتها وانوثتها ..
كانت هادية قد اكملت شهرها الثالث وظنت نعمات ان عزوف حامد عنها يرجع لخيبة امله في الحصول على وريثه الذكر .. تفهمت حسرته خصوصا بعد ان وصل عدد بناته الى ثمانية بمولد ابنتها وبدرية ابنة السرة التي وضعتها بعدها بشهر .. بدات رحلاته الى القرية تتزايد حتى وصلت الى اربعة في شهر واحد .. دهشت لهذه الرغبة المفاجئة في التواصل مع المكان الذي ادركت بعد زواجهما بوقت قصير مدى بغضه له بعد ان اقتصر ذهابه هناك على الامور الملحة التي لا يستطيع تفاديها .. لقد اصطحبها في احدى الزيارات بعد انجابها لنادية .. وجدت استقبالاً باردا مغلفاً بتهذيب مجبر انباها برفض اسرته لوجودها .. هي الغريبة التي شاركت ابنتهم في زوجها .. وكانت المرة الاخيرة التي تزور فيها اهل زوجها .. لم يطلب منها مرافقته .. ولم تتطوع هي بالذهاب معه..
عندما اخبرها بنيته زيارة القرية للمرة الخامسة خلال مدة قصيرة .. سالته بحيرة ..
- في شنو يا حامد ؟؟ .. انشاء الله مافي مشكلة هناك ؟؟ .. بقيت تمشي كتير في الفترة الاخيرة !!
كانت اول مرة ترى فيها علامات التردد في صوت زوجها وملامحه .. جلس على حافة السرير يتاملها وهي ترضع هادية المستكينة بين ذراعيها .. ثم نطق بآخر جملة توقعت ان تسمعها ..
- نعمات .. انا حعرس ..
تجمدت حركتها .. وخيل اليها ان الحليب تجمد ايضا في ثديها ولم يعد ينساب الى فم الصغيرة التي بدات تتململ وتحرك يديها باحتجاج ... ظنت بانها اخطات السمع او التبس عليها فهم الجملة التي نطقها .. فسالته بتضرع ..
- قلت شنو يا حامد ؟؟
يبدو ان اعادة الجملة اصبحت اكثر صعوبة لحامد الذي اطرق مسافة بدت لها كالابد .. ثم رفع راسه وجاوبها بالجملة التي تمنت لو اصابها الصمم قبل ان تسمعها ..
- انا حعرس امونة بت خالتي ..
كانت غارقة في ذهولها وهي تحاول ان تستجمع ذاكرتها المشتتة لتستحضر ما تعرفه عن هذا الاسم امونة ؟؟ ابنة خالته ؟؟ .. كانت علاقتها ضعيفة مع اهل زوجها منذ تلك الزيارة اليتيمة لذلك تاهت عنها الاسماء وصلة القرابة .. فجاة لمع في عقلها ذكرى حوار دار بينها وبين حامد منذ عام تقريبا عندما طلب منها ان ترافقه لتقديم واجب العزاء في زوج ابنة خالته الذي توفى في حادث نجت منه هي بمعجزة .. يومها رفضت ان ترافقه واخبرته باسبابها ..
- يا حامد اهلك ديل ما بدوروني .. انا ولدت مرتين وحصلت لي حاجات كتيرة .. مافي زول فيهم شال رجلو وجاني .. السرة لو قالت راسها واجعها ولا واحدة من بناتها طعنتها شوكة يجوا جاريين .. وما بيكلفوا نفسهم حتى يقطعوا الحوش ويزوروني ولا يشوفوا بناتك .. كيف عاوزني امشي ليهم .. انت ما مفروض ترضى لي المهانة وقلة القيمة والطريقة البيعاملوني بيها .. انا مرتك زيي زي السرة .. ولا يعني عشان انا الغريبة وهي بت عمك ؟؟ انا عمري في حياتي ما شفت عنصرية زي البتعاملوا بيها اهلك دي يا حامد ..
نظر اليها بغيظ وقد اغضبه ان تنتقد اسرته بهذه الصورة ..
- نعمات .. طلعي الاوهام دي من راسك .. اهلي انتي البعدتي عنهم وما كان عندك رغبة تتعاملي معاهم .. ما بتزوريهم ولا حتى علمتي بناتك يكونوا حنان معاهم ... واهو اناباقول ليك نمشي واجب عزا ابيتي تمشي ...
- حامد خليك حقاني .. انا لمن زرتهم الحصل شنو ؟؟ ما قدامك عاملوني زي الزفت وحسسوني كاني ضيف تقيل وما مرغوب فيهو ... وبعدين تعال .. اشمعنى بت خالتك دي العاوزني امشى اعزيها في راجلها ؟؟ ما ناس كتار ماتوا ليكم وعمرك ما قلت لي امشي معاي .. شنو البخليني امشي لدي بالذات ؟؟ ...
اذن هي بنت الخالة التي توفى زوجها !! .. احست نعمات بوهن غريب يخدر حواسها وبدات قبضتها التي تمسك بصغيرتها تتراخى حتى كادت تسقط من بين يديها .. قفز حامد وانتزعها منها ووضعها في منتصف السرير العريض وهي تصرخ خوفا من الحركة المفاجئة .. اصبح وجه نعمات شاحباً كالموتى وسالت دموعها وهي تنظر الى زوجها الجالس امامها محرجاً .. بحثت عن صوتها حتى وجدته .. وسالته ..
- يعني انت خلاص قررت وجاي تبلغني تحصيل حاصل ؟؟ عاوز تعرس فيني يا حامد ؟؟ ليه ؟؟ .. انا ناقصني شنو مشيت تكوس ليهو عند واحدة تانية ؟؟ قصرت معاك في شنو ؟؟ انت الناقصك شنو ؟؟ عشان ما جبت ليك الولد الانت بتحلم بيهو ؟؟ دة شئ ما بايدي .. دي ارادة ربنا .. هانت عليك عشرتي يا حامد ؟؟ خلاص استغنيت ؟؟
غلبتها موجة بكاء حادة اخرستها عن الكلام بينما ظل حامد يراقبها صامتاً حتى هدأت ..
- نعمات ... انتي على راسي من فوق .. مكانتك محفوظة ومافي أي شئ حيتغير في حياتك وزي ما كنت عادل بينك وبين السرة حكون عادل بينك وبين امونة .. وبعدين ما تختي في راسك اني عاوز اعرس عشان كايس الولد .. دي قسمة ربنا وانا راضي بيها ...
ظهرت علامات التردد مرة اخرى وصمت طويلاً كانه يبحث عن الكلمات المناسبة .. ثم واصل كلماته مطرقاً وهو يتفادى النظر الى عينيها الفزعتين الكسيرتين ...
- امونة دي بت خالتي .. يعني لحمي ودمي .. اتظلمت كتير في حياتها .. واتحملت كتير انا وهي اتربينا مع بعض .. يبقى انا اولى من أي زول تاني بتحمل مسئوليتها ..
- يعني شنو مسئوليتها ؟؟ اذا قصدك مسئولية مادية يبقى خلاص رسل ليها كل شهر البكفيها وكدة تكون اتحملت مسئوليتها وما في داعي تتزوجها .. انت بتغش على منو يا حامد عليّ انا ولا على روحك ؟؟ الموضوع ما مسئولية .. دة مجرد كلام انت بتقولو عشان تبرر بيهو الشئ الانت ناوي تعملو .. واضح انك عاوز تعرسها عشانها هي .. ولا شنو البيجبرك تعرس ليك واحدة عجوز وعاقر ما بتولد ؟؟
- انتي منو القال ليك انها عاقر ؟؟ ... بقيتي تعلمي بالغيب كمان ؟؟
- ما بعلم بالغيب ولا حاجة .. انا هسة اتذكرت كلامك قبال سنة لمن قلت لي راجلها مات بحادث في المانيا وانها عاشت معاهو عشرين سنة بدون عيال ؟؟ اتاريك من البداية كنت مهتم بيها شديد واول ما سمعت بموت الراجل جريت ليها ... شوف يا حامد انا ما راضية بقرارك .. ومن هسة باقول ليك يا انا ياهي .. ولو عرستها تطلقني ..
رمقها حامد بنظرة ساخرة اكدتها نبرة صوته ..
- غريبة يكون دة موقفك يا نعمات !! ما انتي عرستيني وانا معرس قبلك !! عموماً انا ما جيت اشاورك ولا اخد رايك .. انا جيت ابلغك احتراما للعشرة البينا .. وبقول ليك تاني انا باقي عليك يا بت الناس ومافي شئ حيتغير في حياتك ولا حياة بناتك .. ما تعاندي وتركبي راسك وتخربي بيتك بايدك .. لانك لو اصريتي على الطلاق ما بمسكك غصباً عنك .. ما انا البمسك مرا ما عاوزاني .. ولو على بناتي حيفضلوا بناتي وحالتزم بيهم لآخر يوم في عمري ...
يومها اصابتها اولى نوبات صداعها العنيف .. ولم تفلح كل المسكنات العادية في تهدئتها .. عندما فقدت السيطرة على احتمال الالم وارتفعت اناتها لتصبح صرخات احضر حامد الطبيب الذي اكتشف ان ضغط دمها قد ارتفع الى درجة تنذر بالخطر ... منذ ذلك اليوم لم تفارقها حبوبها .. ولم تفارقها الحسرة على زوجها الذي احبته بكل مشاعرها وتزوج عليها اخرى تكبرها سناً وتقل عنها جمالاً ..
تواصل بكاءها لمدة ثلاثة ايام متتالية ... وجف الحليب من ثدييها .. وبدات هادية التي رفضت الحليب الصناعي تتلوى جوعاً فحملتها نادية المرعوبة من حال امها وشقيقتها الى زوجة ابيها التي ارضعتها مع بدرية ثم اتت تحملها في اول زيارة الى بيت ضرتها منذ زواجها ...
اصيبت نعمات بدهشة حقيقية لهذه الزيارة الغير متوقعة .. واخافها التعبير الغريب المرتسم على وجه السرة .. لم تكون غاضبة او حزينة مثلها .. بدت عليها سيماء الهدوء .. وفي عينيها نظرة تشفي لم تحاول اخفائها .. جلست في مؤخرة السرير وهي تحمل هادية النائمة بين ذراعيها بوداعة .. سالتها بصوت مبحوح ...
- حسيتي بيها يا نعمات ؟؟!! ...
كانت تحاول استيعاب كلمات السرة ومعناها فردت عليها بآلية ...
- هي شنو الحسيت بيها يالسرة ؟؟!! ...
شعت نظرة التشفي وارتسمت ابتسامة رضى غامضة على شفتي السرة فنهضت ببطء من جلستها ووضعت هادية بين ذراعي امها الباكية ..
- حسيتي بحرقة الراجل لمن يعرس فيك ؟؟ .. حسيتي بوجع الغدر لمن يجيك فجأة ؟؟ .. حسيتي بطعنة الغيرة بتقطع حشاك عشان راجلك مشى لواحدة تانية وخلاك ؟؟ ..
انتفضت نعمات وهي تستمع الى احاسيسها التي ظنتها مخفية تتبعثر في فضاء الغرفة بلسان شامت ..
- انتي جاية تشمتي فيني يالسرة ؟؟ ما هو حيعرس فيك انتي برضو !! يعني عاملة ما هاميك ؟؟
ردت السرة ببرود ..
- الطعنة الاولى بتوجع .. بعد داك ما بتحسي بالباقي لانو بتكون كل حاجة جواك خدرت .. انا حامد حرق حشاي لمن جابك فوقي .. لكن هسة عادي .. ما هاميني ..
احست نعمات بمطرقة ضخمة تضرب راسها بلا رحمة .. حاولت التماسك حتى لا تنهار امام عيني ضرتها المترصدتين وردت بقوة لا تملكها ..
- انا زاتي ما هاميني يالسرة .. واذا حامد ما بقى عليّ انا ما باقية عليهو .. واذا هو مستغني قيراط انا مستغنية اربعة وعشرين قيراط .. حشيل بناتي وارجع بيت ابوي .. انا ما زيك يالسرة .. انتي رضيتي وقعدتي .. انا ما ناوية اقعد .. وحاطلب الطلاق .. ولو عاوزة بكرة باعرس سيد سيدو ..
اطلقت السرة ضحكة مجلجلة جعلت هادية تتململ في نومها .. ثم اردفتها بكلمات نزلت عليها كماء النار ..
- ما تكابري ساكت وتغالطي روحك يا نعمات .. وما تقولي ما هاميك .. انتي عرس حامد واجعك ومحشحش كلاك ... صحي ممكن تتطلقي وتعرسي تاني .. لكن اعرفي حاجة واحدة .. عمرك ما حتلقي راجل زي ود العمدة .. لانو ما ليهو سيد غير ربو الخلقو ..
زاد صداع نعمات من كلمات السرة المؤلمة فصرخت فيها ..
- انتي لسة بتدافعي عنو بعد ما عرس فيك مرتين ؟؟!! انتي شنو ؟؟ ما عندك احساس ولا ما مستوعبة البيحصل دة ؟؟ ولا يمكن عشان العروس قريبتك ؟؟ انتو جد ناس غريبين وممكن تتعنصروا لبعض حتى في الحاجات الزي دي !! ..
- ايوة بدافع عنو يا نعمات .. حامد مهما عمل حيفضل ولد عمي .. وعم ولدي .. لحمي ودمي .. ابو بناتي .. ولو قايلة نفسك بتقدري تخليهو تبقي غلطانة ..لانو البتعرس حامد بتدمن وجوده في حياتها .. وما بتقدر تخليهو مهما حاولت .. ود العمدة ما بتخلى يا نعمات .. ولو قايلة نفسك ممكن تخيريهو بينك وبين امونة تبقي غلطانة ..
فجاة انخفض صوت السرة الجهوري حتى بات اقرب للهمس .. وتضاربت ملامحها بين الحزن والغضب ..
- لازم تعرفي انو حامد لو ختوا ليهو امونة في كفة والدنيا كلها في كفة تانية حيختارا هي لانو امونة دي حلمو المنتظروا عمرو كلو عشان يبقى حقيقة ... امونة دي روحو الضايعة منو .. امونة دي المرا الوحيدة الحباها حامد في حياتو كلها .. لا انا ولا انتي ولا بناتو ولا احفادو ولا أي مخلوق في الدنيا دي ممكن ياخد مكانها ..
احست نعمات بانفاسها تضيق في صدرها من جراء كلمات السرة الاخيرة .. جلست صامتة تتامل دموع ضرتها التي نافست دموعها .. كانت لحظة سلام نادرة بينهما توحدت فيها مشاعرهما للمرة الاولى والاخيرة .. وعندما خرجت السرة دون ان تضيف كلمة اخرى .. ادركت نعمات انها ستخوض معركة خاسرة ان هي اصرت على رفض زواج حامد بهذه المراة التي لم تكن تدري بتاثيرها على مشاعر الرجل الذي ظنت انها حبه الوحيد .. تاثير له سطوة وقوة لدرجة انه فرض وجوده على السرة فقبلته بلا نقاش واقرت به بلا مواربة ...
ارتفعت موجة الزغاريد مرة اخرى فاجفلت نعمات من الالم .. تحاملت على نفسها لتنهض من سريرها وهي تتساءل عن سر هدوء بناتها وعدم ظهورهن على عتبة غرفتها كما اعتدن كل صباح وقفت في منتصف الصالة الساكنة ودهشت عندما نظرت الى الساعة الكبيرة التي تواجه غرفتها لتجدها قد شارفت على منتصف النهار .. رفعت صوتها بقدر ما سمح به الم راسها ...
- نادية ... اميرة .. هادية .. يا بنات انتو وين ؟؟ قوموا الدنيا بقت ضهر ..
يبدو ان الجميع كان مستيقظاً وفي انتظار اشارة للخروج .. فتحت الابواب المغلقة تباعاً وظهرت من خلفها وجوه متعبة بعيون منتفخة وحزينة .. هلعت نعمات من منظرهن وسالت بقلق ..
- بسم الله !! في شنو يا بنات ؟؟ مالكم زي الجايين من بيت بكا ؟؟
تبادلت اميرة ونادية نظرات طويلة بينما وقفت هادية تراقب الجميع بصبر نافذ ..
- يا بنات اتكلموا .. في شنو ؟؟ ...
همت اميرة بالكلام فسبقتها نادية بسرعة ...
- مافي حاجة يا امي احنا بس تعبانين من سهر امبارح .. انتي مالك ؟؟ ليه شكلك تعبان كدة ؟؟
- انا لي يومين ناسية ابلع حبوبي وهسة حاسة راسي حينفجر من الصداع .. اميرة اجري اعملي لي كباية شاي سريع بس ما يكون تقيل .. اما انتو يا نادية وهادية فحسابكم معاي بعدين .. خلوني بس اروق عشان اعرف كنتوا وين امبارح ...
وجهت نادية نظرة محذرة الى اميرة التي اطرقت واتجهت الى المطبخ مسرعة .. جلست نعمات في اقرب كرسي اليها وهي تتامل ملامح نادية الخائفة وهادية المتحدية .. سحبت نفساً طويلاً حتى احست بحرقة في حلقها وهي تحاول جاهدة التخلص من احساس الشوق المفاجئ الذي اعتراها تجاه زوجها الغارق في حب امراة ميتة وناسيا زوجة حية تعاني هجره بصمت .. لطالما كانت الاعراس تثير فيها هذه الاحاسيس التي تحاول جاهدة نسيانها وسط زحمة الحياة فتاتي لحظات كهذه لتوقظ بداخلها جوع الانثى المتعطشة لحب رجلها .. احست بغبن يتلبسها .. انها حية .. ومليئة باشياء لا تقال .. اشياء تتآكلها من الداخل وتملا روحها بثقوب تسقط من خلالها مشاعرها ورغباتها واحلامها ...
توالت على الباب طرقات مرحة ثم فتح ليظهر وجه منال الفاتن تزينه ابتسامة عريضة تتراقص معها غمازتيها باغراء .. كانت اكثر شبهاً باميرة من بقية بناتها .. ومن يراهما معا يعتقد بانهما شقيقتان ..
- يا جماعة ازيكم .. انتو لسة نايمين ولا شنو ؟؟ بالغتوا لكن !! ... الضهر قرب ياذن وناس الصبحية بدوا يجوا .. يلا البسوا سريع وتعالوا ساعدوني .. حبوبة السرة تعبانة وما قادرة تقوم من السرير .. امي راسها ضارب وما عارفة تعمل شنو و قالت ليك تعالي ساعديها تلبس رحمة يا ماما نعمات ..
ابتسمت نعمات لتعبيرات منال الطريفة ..
- تعالي يا منال .. ادخلي اشربي معاي الشاي وانتظري خالاتك يلبسوا ويمشوا معاك ...
هزت منال راسها بمرح ...
- ادخل ؟؟ ادخل وين ؟؟ انا لو اتاخرت شوية امي حيجيها انهيار عصبي .. انا بس جيت استعجلكم .. عليكم الله ما تتاخروا الشغل كتير وانا ما قادرة اعمل حاجة براي ...
وسرعان ما اختفت كما ظهرت بعد ان تركت خلفها ابتسامة معلقة في شفتي نعمات ونادية وشبه انفراج في ملامح هادية المقطبة ..نظرت نعمات الى ابنتيها بغيظ ..
- انتوا واقفات زي التماثيل كدة مالكم ؟؟ .. يلا اتحركوا سريع .. البسوا وامشوا ساعدوا اختكم .. والليلة العاوزة كسر رقبتها ما القاها قاعدة قدامي في الصبحية .. سامعاني يا هادية ؟؟ وانتي يا نادية ؟؟ ..
انكسرت نظرة هادية المتحدية امام غضب والدتها فهزت كتفيها بلامبالاة واستدارت وهي تحشر جسدها الضخم في فتحة باب غرفتها وصفعته بعنف وراءها .. تنهدت نعمات بضيق وهي تفكر بصوت عال ...
- البت دي تعبتني شديد وما عارفة اعمل معاها شنو ؟؟ لا الكلام نفع .. ولا الضرب نفع
اتاها رد اميرة من خلف ظهرها قبل ان تستدير وتضع امامها صينية الشاي وصحن ملئ بالسندويتشات
- خليها يا امي .. هادية بتمر بسن حرج واي كلام معاها بيزيد عنادها .. بكرة تكبر وتعقل
ابتسمت نعمات لابنتها المفضلة وهي تخاطبها بحنو ..
- الله يكملك بعقلك يا اميرة .. انا ما عارفة اخواتك ديل ما طلعوا زيك ليه ؟؟ يلا سوقيهم وامشوا ساعدوا بلقيس على بال ما انا اجهز واجي لاحقاكم .. وختي لي بالك على اخواتك واوعى اجي ما القاهم .. بحاسبك انتي فاهمة ؟؟ ...

جاكس
06-11-2012, 04:50 AM
الفصل الخامس عشر

المهيرة وعقد الجلاد النار يا عروسنا .عريسك غلبو الثبات ...المهيرة مهيرة السرور وانتي ملكة وحواليكي نور يا عروسنا ..عريسك غلبو الثبات ..

كان صوت الفنانة رخيماً ومتماشياً مع نقرات ( الدلوكة ) المشدودة .. رافقه تصفيق متحمس من مئات الايدي ومراقبة دقيقة من العيون التي تتابع حركات رحمة المحترفة وجسدها الممشوق اللدن وهي تتمايل مع الايقاعات بمهارة وخفة و تتفادى يدي عريسها المتحفز الذي يدور حولها بحرص خوفاً من وقوعها للمرة الثالثة بعد ان غافلته في مرتين سابقتين وانسلت من بين يديه لتسقط ارضاً وسط صيحات التشجيع من اهلها وصديقاتها وصيحات الاستهجان من اهله خصوصا عندما ترتفع اصوات الجانب المتشفي وهي تغيظ الجانب الاخر بصوت عال ....
- الغلبو منو يا ناس؟؟ ... الغلبو منو ؟؟
ويتعالى اسمه وسط الضحكات والغمزات ... لم يكن مهتما بهزيمته في هذه اللعبة المثيرة بقدر ما اهمه سقوط عروسه في الارض فهمس في اذنها عندما رفعها بعد سقطتها الثانية ..رحمة .. الله يخليك اعملي حسابك .. براحة ما تأذي روحك بالوقيع الكتير ...
اجابته بابتسامة سلبت عقله .. كان متلهفاً لانتهاء هذه الطقوس الطويلة كي ينفرد بعروسه التي اختارها بعقله وما لبث ان غرق في حبها حتى النخاع .. اعتبر نفسه محظوظاً بلقاء الصدفة الذي جمعه بها في احدى المناسبات العائلية .. كانت صلة القرابة بينهما بعيدة ومعقدة .. لكنها كافية لتقديم نفسه الى والدها وجدها المعروفين بتشددهما في اختيار ازواج فتيات العائلة الزائعة الصيت .. لم تكن اسرته تضاهي اسرة ود العمدة في الثراء والجاه .. لكنها تتمتع بسمعة طيبة ويتميز افرادها باهتمامهم بالتعليم .. تخرج محمود من كلية الهندسة بينما درس اثنان من اشقاؤه الطب واتجهت الابنة الوحيدة وسط الاولاد لدراسة القانون .. جعله خوفه من احتمال رفض ود العمدة يلجا الى وساطة جدوده واعمامه واخواله .. احس بفرحة تغمره عندما وافق حامد على الزيارة التي خرجوا منها تتبعهم زغرودة طويلة من السرة تعلن بها موافقة حامد على طلب محمود ... كانت كلماته قوية وتنضح بالفخر ..
- احنا بنشتري الرجال يا محمود .. انت ولد ما فيك كلام .. واهلك اعز الناس .. وبتنا انت اولى بيها من أي زول تاني ..سارع محمود بطلب عقد القرآن مستثمرا كلمات ود العمدة المشجعة .. وعندما بدا رحلة التجهيز للزواج كان يغرق بسرعة في حب رحمة بجمالها وخلقها وطيبتها .. حتى وصل مرحلة لم يعد يطيق فيها البقاء بعيداً عنها ... كان يراقب حركاتها بدقة فارتفعت درجة الاثارة بداخله الى حد لم يعد يستطيع احتماله .. وعندما همت بالسقوط سارع بامساكها واحتضن جسدها البض بين ذراعيه وهو يجاهد لالتقاط انفاسه المتهدجة التي غطت عليها صرخات الفرح من فريقه المنتشي باول فوز له .. كان على حافة الانفجار عندما اتاه الفرج باعلان انتهاء فاصل الرقص .. تنفس الصعداء وفر هاربا وهو يغطي نفسه بثوبه حتى حتى لا يلحظ احدهم الحالة المخجلة التي اصبح عليها ... دون ان تفوته غمزات بعض العيون الخبيثة التي انتبهت له ...كانت الاستراحة التي تبدل فيها رحمة ملابسها استعدادا لجولة اخرى فرصته كي يستعيد السيطرة على حواسه المضطربة .. فتنصل من الجميع وفر هاربا الى الغرفة التي خصصت له لتغيير ملابسه... في احدى الغرف جلست منال في مواجهة جاكلين بوجهها المتورد انفعالاً وهي تستمع الى كلماتها اللاهثة..
- ناصر جا برة يا منال ... عليك الله شوفي قلبي بيدق كيف حملت جاكلين يد صديقتها ووضعتها على صدرها ... كانت ضربات قلبها شبيهة بقفزات عصفور صغير نزق - تعرفي .. ربك رب الخير لمن اتصل ماحد غيري رفع التلفون ولا كانت تبقى مصيبة هسة انا ما عارفة اعمل شنو .. عاوزة اطلع اسلم عليهو لكن خايفة حد يشوفني .. دبريني يا منال اطلع ولا مافي داعي ؟؟ ..كانت موجات التعاطف تغزو عقل منال .. لقد مرت بهذا الموقف عشرات المرات اثناء علاقتها بجمال كانت تفهم احساس الرغبة في رؤية من تحب .. والخوف من عواقب اكتشاف الامر ..- انا ما قادرة افهم يا جاكلين انتي ليه داسة علاقتك بناصر ؟؟ .. ما تكلمي اهلك !! الولد جاد وعاوز يتقدم ليك .. انسان متعلم ووضعو المادي ممتاز اخلاقو حلوة واي بت بتتمناهو شنو المشكلة المخلياك ما عاوزة اهلك يعرفوا ؟؟!!
- ما انتي عارفة كل حاجة يا منال - عارفة شنو يا جاكو ؟؟!! ... عشان موضوع امو يعني ؟؟ انا ما شايفة فيها أي حاجة انو امو تكون حبشية .. مالها الحبشية ؟؟ انسانة محترمة ومافي زول يقدر يقول عليها كلمة ... كفاية الطريقة الربت بيها اولادها وخلتهم احسن ناس ... وحتى انتي بتقولي اخوانه واخواته كلهم شاطرين ومؤدبين ... وبعدين انتي براك شايفة بعيونك لمن يجي الجامعة عشان يشوفك بنات الاقباط بيعملوا شنو ... كلهم دايرين يموتوا عليهو ... ولو قال عاوز أي واحدة حتوافق طوالي ... خلي العٌقد بتاعتك دي وأقبضي الولد قبل ما يروح منك - منال .. انتي عارفة انا قصة امو دي ما هاماني كتير .... وما اظن ماما ولا حتى جمال وخالو حيرفضوا .. المشكلة كلها في اعمامي .. ديل لو عرفوا حيقلبوا الدنيا على راس ماما ويبدوا يعزفوا ليها اغنيتهم المفضلة .. انتي ما عرفتي تربي ... انتي خربتي اولاد اخونا .. هم اصلهم ما راضيين على حد فينا الا جانيت وقالوا هي الوحيدة الطلعت ليهم تنحنحت منال لتتخلص من الغصة التي سدت مجرى الهواء في حلقها عندما فكرت في جمال واقتراحه الذي طرحه بالامس .. احست بالاسى وهي تتذكر انها في تلك اللحظة لم تفكر في تاثير اقتراحه عليه وعلى اهله .. واهمها فقط ما يمكن ان يحدثه هروبها على عائلتها ... امتقع وجهها وتقطعت انفاسها بينما جاكلين تراقبها بحذر واشفاق .. لقد احست منذ فترة بان هناك شيئا غامضاً يدور بين صديقة عمرها وشقيقها .. تلك الشرارات المتطايرة بينهما كلما جمعهما مكان واحد ... النظرات الولهى التي يتبادلانها عندما يظنان انشغالها عن رؤيتهما ... اهتمام جمال الزائد بكل تفاصيل منال وحرصه عليها .. في البداية استبعدت الاحتمال لاستحالته ..وبمرور الايام زادت شكوكها لكنها لم تجرؤ على سؤال أي منهما لخوفها من سماع ما لا ترغبه ... أي علاقة بين منال وجمال تعني ان تخسر احدهما او كلاهما معاً .. اذا كانت هناك صعوبة في علاقتها بناصر .. فالاستحالة هي مصير أي علاقة بين منال وجمال واي ارتباط بينهما مهما كان نوعه سوف يؤدي الى عواقب وخيمة على الاسرتين ... ترددت في في اغتنام الفرصة وسؤال صديقتها ... ثم حسمت أمرها بالصمت وهي تدعو في سرها ان تكون مخطئة ...- اها يا منال ما قلتي لي اعمل شنو ؟؟ اطلع اسلم عليهو ولا مافي داعي ؟؟...اخرج السؤال الملِّح منال من افكارها القاتمة ..
- امشي سلمّي عليهو سريع وتعالي ... انا لو ما كنت مشغولة مع امي كنت جيت معاك اطلعي بباب بيت الاشباح العلى الزقاق مافي زول بمشي بهناك .. بس ارجعي سريع قبل ما خالتي رجاء تسال عنك هبت جاكلين بفرح وغادرت الغرفة بخطوات عجولة تاركة منال غارقة في شرودها وتوهانها في الخارج كانت الضحكات والزغاريد تملا ارجاء المنزل الواسع مصحوبة بحركة دائبة ... في احد الاركان المنعزلة جلست نادية في مواجهة اميرة وقد اخفى الضجيج حولهما صوت النقاش الحاد الدائر بينهما
- عاوزاني اضاري عليك يا نادية ؟؟!! .... عاوزاني اسكت عن غلطك واجاريك فيهو كمان ؟! ما بتخجلي ؟؟ دي عملة تعمليها في بيت ابوك ؟؟ في اوضتو وفي سريرو ؟؟ لا حولا يا نادية !! من وين جاك قلب تعملي كدة ؟؟ كيف قدرتي تطعننينا كلنا بالشكل دة ؟؟ وعشان شنو ولا عشان منو ؟؟!! وبكل برود تقولي لي راجلي ومعرسة ليك سنة كمان !! واريتك عملتي عملتك دي عشان زول بيتساهل .. انتي عميانة ؟؟ .. ما شايفة شكلو ؟؟!! .. كيف قدرتي تدخلي في علاقة معاهو خليك تعرسيهو ؟؟!! .. اكيد غشاك اكيد عمل ليك حاجة لغت تفكيرك وعقلك ... اصلهم النوعية معروفين بتاعين سحر ..قاطعتها نادية بغضب ...
- لو سمحتي يا اميرة ما تتكلمي عن زاهر بالصورة دي .. انتي ما بتعرفيهو عشان تحكمي عليهو .. زاهر انسان كويس شديد ... محترم وحنون وشهم ..وبيحبني .. وانا عرستو عشان اقتنعت بيهو وحبيتو .. والخلاني اعرسو بالطريقة دي نوع كلامك الهسة دة .. اذا انتي يا فاهمة يا متعلمة بتفكري كدة !! امال امي وابوي وجدي وحبوبتي حيفكروا كيف ؟؟!! .. انتي هسة مشكلتك كلها شكلو شنو وهو من وين ؟؟!! ... يعني لو كان مننا ولونه فاتح وشعره ناعم ما كنتي حتحتجي على طريقة العرس ؟؟ كدة حددي لي انتي رافضة شنو بالضبط ... زاهر شخصياً ولا الطريقة الاتزوجنا بيها ؟؟!!
- رافضة الاتنين يا نادية .. والحاجة الوحيدة البقيت عارفاها انك انسانة ما مسئولة وما بتستحقي الثقة الادوها ليك .. ويكون في علمك انا حديك فرصة لغاية نهاية الاسبوع دة اذا انتي ما كلمتي امي براك انا حكلمها ... انتي ارتكبتي جريمة في حقنا كلنا .. وانا ما عندي استعداد اشاركك فيها ..
نهضت اميرة من جلستها وهي ترمق نادية بنظرة مليئة بالغضب والاحتقار .. اولتها ظهرها وغادرت..
كانت تناور بين الجموع وهي تبحث عن منال .. وصلت الى الساحة الخارجية الضاجة كمشاعرها في تلك اللحظة ... كانت تهم بالعودة الى الداخل عندما احست بيد قوية توضع على كتفها رافقها صوت عمار العميق ليزرع القشعريرة في جسدها ...
- اميرة .. اخيراً لقيتك .. انا من الصباح بافتش عليك .. انتي نسيتي وعدك لي امبارح ولا شنو ؟؟ ....
التفتت اليه وهي تحس بالارتباك الذي يعتريها كلما التقته ... كانت تفكر بطريقة تمكنها من التملص منه بلباقة .. فهي لم تكن في حالة نفسية او مزاجية تسمح لها بمناقشة أي موضوع ...
- اهلاً عمار .. معليش كنت مشغولة مع بلقيس ورحمة .. ممكن نأجّل كلامنا لوقت تاني لانو عندي حاجات كتيرة مفروض اعملها ...
انبأته رنة التوتر في صوتها بمحاولتها التهرب من لقائه .. لكنه لم يكن ليدعها تفلت منه هذه المرة .. فألح عليها ..
- ما حأخرك يا اميرة ... انا محتاج منك بس عشرة دقايق .. شايف الحتة الجنب بيت ابراهيم هادية شوية انا حاسبقك اخت كراسي وانتي تعالي وراي
اختار عمار زاوية بعيدة وشبه منزوية خلف شجرة النيم العجوز المنتصبة بكبرياء امام منزل ابراهيم كانت اميرة تتلفت بتوتر وهي تستمع لكلماته التي اتت صريحة ...
اميرة .. انا عاوز تقدم ليك .. رايك شنو ؟؟ ...
تجلت صدمتها من طلبه المباشر في التعابير المتصارعة على ملامحها ما بين الفرح والخوف ... وابتسامة تتسع وتضيق ... ولمعة في العيون تبرق وتخبو .. وهمس يندفع ويحجم .. كان يراقب انفعالاتها بفرح ...
- ما عارفة اقول ليك شنو يا عمار ... انت عارف الحزازات والمشاكل البين امي وخالتي السرة حتخلي الموضوع دة صعب شديد ... الاتنين ما حيقبلوا وحتحصل مشاكل كتيرة بينهم
اميرة ... مع احترامي ليك .. انا ما حعرس امك .. ولا انتي حتعرسي أمي او خالتي السرة .. الموضوع دة انا وانتي وعمي حامد بس .. ولو انتي وافقتي انا متاكد عمي حامد ما حيشتغل بكلام النسوان الفارغ دة .. انا عاوز رايك انتي ما رأي أي زول تاني يا بت الناس انا خاتي بالي ليك من زمان وكنت منتظر نادية تتزوج عشان ما يقعدوا يقولوا لي لازم الكبيرة قبل الصغيرة .. لكن خلاص ما قادر اصبر اكتر من كدة .. بقيتي ما بتطلعي من تفكيري .. شايلك معاي في كل حركاتي وسكناتي .. في البيت .. في الشغل .. في الشارع .. يا زولة انا بقيت بهضرب بيك عديل ... ولو على نادية انشاء الله حيجيها صاحب رزقها ..
احست اميرة بغصة عندما سمعت جملته الاخيرة .. وغامت ملامحها الجميلة بضباب اسود وهي تتذكر احداث الليلة الماضية التي تشعرها بالغثيان ... واكتشافها المفجع بزواج شقيقتها السري .. لاحظ عمار جمودها .. وانتفض قلبه من الاحتمال الذي خطر بباله ..
- اميرة ؟؟ .. انتي في انسان تاني في حياتك ؟؟ .. مرتبطة بزول ؟؟ معليش والله انا ما اتشجعت وفاتحتك في الموضوع دة الا بعد ما حسيت انك بتبادليني جزء صغير من الاحساس الجواي .. وقلت مع الايام لمن تعرفي انا بريدك قدر شنو حتديني مشاعرك كلها .. لكن اذا ما بتحسي باي شئ تجاهي وانا كنت متوهم ساكت ومباري امنياتي كلميني وانا انسحب طوالي ..
لا.. لا يا عمار .. مافي زول غيرك ..
خرجت كلماتها باندفاع دون ان تملك السيطرة لايقافها .. واحست بعدها بخجل قاتل جعل الدماء تصعد الى وجهها وتزيده فتنة وجمالاً .. بينما احس عمار بفرحة طاغية جعلته يقفز من كرسيه كطفل صغير حصل على هدية غير متوقعة ... لفتت حركته بعض الانظار الفضولية فرمقتهما بدهشة جعلت اميرة تنكمش حرجاً وخوفاً خصوصاً عندما تقابلت عيناها مع عيني بدرية الغاضبتين فهبت على الفور من جلستها وهي تهمس لعمار ..
الليلة !! ... بدرية شافتنا قاعدين مع بعض .. هسة تجري تكلم امي السرة وتعمل لينا مشكلة ..
امسكها عمار من يدها واجلسها دون ان يعير بدرية التفاتاً .. سحبت اميرة يدها بسرعة .. لكن حركة اختها المتوترة انبأتها بانها قد رات ما يمكنها به ان تشعل نار الحرب .. امتقع وجهها وهربت منها الكلمات .. احس عمار بما يعتمل داخلها فحاول طمأنتها ..
- ما تخافي يا اميرة .. احنا ما بنعمل حاجة غلط .. انا في اقرب فرصة القاها حافتح الموضوع مع عمي حامد .. وانشاء الله ربنا يسهلها .. انتي كل المطلوب منك لمن يسالك تقولي موافقة ..
ثم اضاف غامزاً وبلهجة حنونة تحمل الآف المعاني
- يعني احتمال الشهر الجاي زي المواعيد دي تكوني مرتي ...
دخلت بدرية كالعاصفة الى غرفة السرة المكتظة بالضيوف ... كانت ترتعش من الغضب .. ومن عينيها تنطلق شرارات الغيظ والغيرة ... لم تابه برهط النساء المستغرق في حوارات صاخبة تتخللها الضحكات وقفت امام سرير والدتها المندهشة من هيئتها الغريبة .
امي ... شفتي عمار قاعد مع اميرة بت نعمات وطاقيين الونسة والضحك ...خيم على الغرفة صمت فضولي مترقب .. استدارت العيون وتركزت على السرة التي تحفزت من اتكاءتها الخاملة بعد ان استفزتها كلمات ابنتهاالهستيرية ...
- قاعد معاها وين ؟؟ وبيقول ليها شنو ؟؟!! ...
- ما سمعتهم يا امي .. لكن شكلها كان مبسوط وهو زاتو ما حاسي بالدنيا حواليهو ..
انتبهت السرة للعيون الفضولية التي تترقب ردة فعلها ... استعادت سيطرتها على نفسها وامرت بدرية بحزم
- خلاص اسكتي هسة وخلي الموضوع دة لبعدين .. امشي شوفي بلقيس محتاجة لشنو وساعديها ... يلا امشي ..
- لكن يا امي ...اسمعي الكلام يا بت وامشي هسة ...
خرجت بدرية بزمجرة عنيدة تتبعها التعليقات الهامسة .. واحست السرة بنذر الخطر تقترب من حلمها .. وبيد القدر تمتد لتلهو بابنتها كما لهت بها منذ زمن طويل ... لكنها لن تستسلم هذه المرة ... سوف تحارب من اجل ابنتها ... تلك الحرب المؤجلة التي لم تخضها لاجل نفسها في الماضي ..
في الزقاق الضيق الهادئ اتكأت جاكلين بدلال على سيارة ابراهيم وهي مستغرقة تماماً في الاستماع الى كلمات ناصر بصوته الهادئ وتأمل ملامحه المتناسقة ... كان مربوع القامة بلون قمحي نضر وعينان واسعتان شديدتا السواد تنبعث منهما لمعات ودودة .. تغطى جبينه العريض بلفائف من الشعر الاسود الناعم تدلت حتى اذنيه المرفوعتين الى الامام .. احست جاكلين بالافتنان وهي تتابع حركات اصابعه الطويلة الرشيقة باظافرها القصيرة المرتبة التي تشاركه التعبير بلغة تنافس الكلمات .. انساها استغراقها فيه حذرها فلم تنتبه للبص الصغير وهو يقف بمحاذاة الزقاق ونسختها الاخرى تنزل منه وهي تحتضن كتبها وتتوجه نحوها بخطوات متحفزة ..
جاكلين ؟؟!! ... انتي واقفة هنا بتسوي شنو ؟؟ وشنو الموقفك مع البني آدم دة ؟؟!! المفاجأة والخوف الجما جاكلين واصبحت كالتمثال وهي تواجه توامتها الغاضبة .. ساكتة مالك ؟؟ القطة اكلت لسانك ؟؟ ما تردي ...
عندما اجابها الصمت مرة اخرى قبضت على ذراع شقيقتها بيد قوية وجرتها ورائها ..
- قدامي على البيت .. خلي ماما وجمال وخالو الفاكين ليك الحبل على القارب يشوفوا انتي بتعملي شنو من وراهم ..
حاول ناصر صد هجوم جانيت على فتاته فسد الدرب بجسده
- لحظة يا جانيت .. خليني اشرح ليك ..
عندما التفتت اليه بعينان تقدحان شرراً .... بدت شديدة الاختلاف عن توأمها الى حد بعث فيه القشعريرة ..
انت تخرس خالص .. انا ما عندي معاك كلام .. وابعد عن سكتي احسن ليك ...ازاحته عن طريقها بضربة من كتفها وكانت خطواتها اقرب للهرولة وهي تشد وراءها شقيقتها العاجزة عن التصدي لها .. احست جاكلين بالاذلال من نظرات ناصر المندهشة فانتزعت ذراعها من يد جانيت بعنف وهي تصرخ فيها ..- جانيت .. اوقفي وبطلي البتسوي فيهو دة .. انا ما عيلة صغيرة تجريني وراكي .. ما ليكي دعوة بي ... عاوزة تكلمي ماما وخالو وجمال ؟؟ امشي كلميهم .. انا ما خايفة ولا عملت حاجة غلط .. مجرد اني واقفة باحترام بتكلم مع زميلي ما بيديك الحق في انك تعامليني وتعامليهو بالطريقة الوقحة دي ...- انا الطريقتي وقحة يا جاكلين ؟؟ يشهد ربنا ما حد وقح غيرك .. اصبري بس لغاية ما نصل البيت كان المشهد صاخباً في المنزل الصغير خصوصاً بعد ان استدعت جانيت كل افراد العائلة ..شفتي يا ماما ؟؟ شفتي بتك بتعمل في شنو ؟؟ امبارح لمن قلت ليك سبهليية وما مسئولة زعلتي ..- في شنو يا جانيت ؟؟ جايبانا على ملا وشنا وبتصرخي كدة ليه ؟؟ اختك عملت شنو ؟؟- ابدا يا ستي ... كل الموضوع اني نزلت من بص الكنيسة ولقيتا واقفة تتقصع مع الولد الحبشي الاسمو ناصر ..انتهرها جمال بعنف ..
اتادبي يا بت واتكلمي كويس ... شنو تتقصع دي ؟؟!! وبعدين لو قاصدة بالحبشي جمال ولد عمي إميل لازم تعرفي انو ابوه انسان محترم ومن نفس منطقة بابا .. وما معنى انو امو حبشية تقولي عليهو حبشي .. من متين الاولاد بينسبوهم لامهاتهم ؟؟ حبشي ولا قبطي !! .. دة ما مهم .. المهم شوفوا بتكم واقفة معاهو بتسوي شنو ..ساد الصمت بعد جملتها الموحية وتركزت الانظار على جاكلين التي اصبح وجهها بحمرة ثمرة الطماطم
ماما صدقيني انا ما عملت حاجة غلط .. وقفت معاهو في عز الضهر .. وفي مكان أي زول ممكن يشوفني فيهو .. وبعدين ناصر انسان محترم .. وبصراحة .. هو عاوز يتقدم لي ويخطبني ..اعتلى الوجوم جميع الوجوه .. ولم يكسره الا ضحكة جانيت الهازئة ..
يخطبك ؟؟!! شفتي يا ماما ؟؟ جالك كلامي ؟؟ .. بتك الشاطرة المؤدبة بتاعت كلية الطب عاوزة تفضحنا وتخلي سيرتنا لبانة وسط الاقباط .. والمسيح .. لو اعمامي سمعوا الكلام دة الا يضبحوك .. اصلاً هم من زمان قالوا انك اتدلعتي زيادة عن اللزوم وخلوك تعمل الانتي عاوزاهو من غير رقيب .. وآدي النتيجة .. عاوزة توسخي عيلتنا الطول عمرها نضيفة بواحد حبشي ..رفعت رجاء يدها وصفعت ابنتها بقوة دفعتها عدة خطوات الى الخلف ..
حسك عينك يا جانيت تجيبي سيرة اعمامك في البيت دة تاني .. واياك تلمحي انو انا ما ربيتكم كويس .. انا ضقت المر عشان اكبركّم واعلمكّم وابقيكم احسن ناس ... عشانكم نسيت نفسي ونسيت الدنيا كلها ... ابوكم مات وانا في عزّ شبابي .. وياما جوني عرسان كان ممكن اتجوز واعيش حياتي .. بس قلت لا .. اولادي اولى بي من أي حد تاني .. حتى خالكم خلى الوراه والقدامو وجا قعد معاي عشان اربيكم .. انا الطول عمري معززة في بيت اهلي بقيت ابيع البسطرمة والسجك واخيط الهدوم عشانكم .. عشان ما تحتاجو لحد .. ولا تحسوا انو في أي شئ ناقصكم .. اعمامك عندهم القروش زي التراب ... ما فكروا يوم يساعدوني بشئ .. حتى حق ابوكم في الميراث اكلوهو وما رضوا يدونا ليهو وبرضو سكت وما عملت معاهم مشاكل عشان خاطركم .. وانتي كل يوم والتاني جاية تهدديني بيهم !! اعمامك ما ليهم حكم على بيتي واولادي فاهمة ولا لا ؟؟!! ...
كانت جانيت تبكي بحرقة وهي تضع يدها مكان الصفعة واصبحت كتلة من الغضب المتحرك...
انتي بتضربيني انا يا ماما ؟؟!! ... بتضربيني بدل ما تضربي بتك الماشة على حل شعرها ؟؟!! وانا الكنت قايلاك خايفة على سمعة العيلة دي ... اتاري انتي ولا هاميك
هدر صوت الخال الذي ظل صامتاً طيلة فترة النقاش
اخرسي يا بت يا قليلة الادب ... تعرفي لو في واحدة ما اتربت كويس في العيلة دي تبقي انتي ... ولو سمعتك تاني بتعلي صوتك على امك ولا بتكلميها بالصورة دي انا مش حاضربك وبس .. انا حامسح بيك الارض ..
اصبح صوت جانيت هستيرياً وهي تصرخ
انتو كلكم واقفين ضدي ؟؟!! .. بس لازم تعرفوا انكم كلم غلط وانا صح ... وبكرة تندموا على البتعملوهو فيني ... اتهنّوا ببعض .. انا مخلية ليكم الجمل بما حمل وماشة عند اعمامي ..
وقبل ان يتمكن احد من ايقافها كانت قد التقطت حقيبة يدها وركضت خارجاً ... انهارت رجاء باكية فالتف حولها شقيقها وابنها .. بينما وقفت جاكلين وقد احست بعبء الذنب يثبت قدميها على الارض فلم تستطع حراكاً .. ادراكها بانها قد تسببت بهذه المشكلة في بيتهم الهادئ اشعرها بتعاسة عميقة عبرت عنها دموعهاالغزيرة .. عندما هدأت رجاء نهضت بتثاقل واتجهت الى غرفتها دون ان تنبس بكلمة .. تبعها شقيقها المشفق عليها .. بينما انسحب جمال الى غرفته وهو يرمق جاكلين بنظرات لائمة .. تركها وحيدة يملأها احساس بالعزلة والخوف ...

جاكس
06-11-2012, 04:51 AM
الفصل السادس عشر

وقفت بلقيس شاردة وهي تتابع بنظرات حزينة مؤخرة السيارة التي تبتعد بعد ان اقلت رحمة وزوجها احست بخواء يستوطنها وكآبة تملا روحها ... كانت المرة الاولى التي تبتعد عنها احدى ابنتيها ... بدأ التراب الناعم يتسرب من قبضة يدها المضمومة فاحكمت تماسك اصابعها حتى لا تسقط منه ذرة وتضيع خطوات ابنتها التي انحنت لا شعورياً تجمعها من الارض وهي تتذكر كم مرة تصرفت امها وجدتها بنفس الطريقة وهن يتحججن بان قبض تراب خطوات المسافر يعيده سريعا الى اهله .. وضعت حفنة التراب بحرص في طرف ثوبها وربطته باحكام .. مسحت دموعها وهي تحتضن منال التي كانت تنافسها في البكاء .. أتت نحنحة ود العمدة لتنبيه جمع النساء بانتهاء طقوس الوداع .. وقبل ن يطلق التنبيه الثاني كان الجميع قد سارع بالدخول الى المنزل ..
تجمع من تبقى من الرجال في المصطبة العالية امام الديوان وتصاعدت في الجو رائحة الشاي بالنعناع .. جلس حامد بهدوء وهو يراقب تقدم عمار نحوه .. ابتسم مرحباً به وافسح له مكاناً بجانبه كم تمنى لو رزق بولد يشبه وسرح خياله في طيف وليده الذي فضل اللحاق بامه عوضا عن البقاء معه ... برغم حزنه على موته المبكر لكنه حسده على تمسكه بالرحيل خلف امونة ... كان يود لو استطاع ا للحاق بهما .. فالحياة من بعدهما لا تستحق ان تعاش ... ربما لو عاش ابنه لكان شبيها بعمار ...
- عم حامد .. كنت عاوزك في موضوع كدة بس خايف الوقت يكون ما مناسب ...
- قول يا عمار ..كل الاوقات مناسبة ليك ..
- عم حامد .. انا بحس بيك زي ابوي بالضبط .. عشان كدة ما عاوز الف وادور وحقول العاوزو مباشرة .. انا يشرفني جداً وابقى اسعد انسان في الدنيا لو وافقت اكون راجل بتك ...
عبرت الدهشة ملامح حامد بسرعة واستقرت في العينين الواسعتين .. .. رفع يده وربت بها على كتف عمار .. اتسعت ابتسامته وهو يرى القلق والترقب يعتصره ويتجلى في حركات جسده المتوترة
- عاوز تعرس يا عمار ؟؟!! ... والله خيراً تفعل .. العرس بدري عصمة للراجل من حاجات كتيرة ... لكن انت ما شايف بدرية لسة صغيرة ؟؟!! ... ما بتقدر تصبر شوية لغاية ما تكمل الثانوي العالي على الاقل ؟؟!! ...
اكتسى وجه عمار بشحوب شديد .. ... تقطعت كلماته واتسعت عيناه المعلقتان بشفتي ود العمدة الذي استغرب رد فعله المذعور ...
- مالك يا عمار ؟؟ انت شايف انها بعيدة ولا شنو ؟؟!! .. ما تخاف الزمن بقى يجري سريع .. وكلها سنتين ولا تلاتة وبت خالتك تخلص قرايتها ونديك ليها ... اصلا هي ما بالحيل على الدراسة وما اظنها تقول عاوزة تقرا الجامعة .. حتى لو طلع في راسها دخول الجامعة تدرسها من بيتك ..
- عم حامد انا ما باتكلم عن بدرية .. انا عاوز اميرة ..
ساد صمت ثقيل بين الرجلين وتبادلا نظرات حافلة بالاسئلة .. اخيرا نطق حامد بصوت هامس ..
- اميرة بت نعمات ؟؟!! .. يعني ما بدرية بت خالتك ؟؟ !! ...
- اميرة بتك يا عم حامد ... انا عارف الموضوع دة حساس وممكن يخلق مشاكل كتيرة ومن ما فكرت فيهو انا متوقع الممكن يحصل لمن خالتي السرة وامي يعرفوا .. لكن انا اتكلت على الله وعليك .. لاني عارف لو انت وافقت ووقفت معاي مافي زول تاني بيقدر يقول كلمة ... بدرية صحي بت خالتي وما فيها كلام ... لكن يا عمي القلب وما يريد .. وانا عاوز اميرة من زمان بس كنت منتظر اقيف على رجليني في الشغل وابقي في وضع يخليني جدير بيك وبيها ..
غمرت حامد موجات من التعاطف بعد كلمات عمار الصريحة المخلصة .. اطرق تحت وطأة ذكريات زمن كان فيه مثله مليئا بالحب والاحلام ... يتوق للزواج بمن احبها ... اعترته مرارة عندما استعاد احساس اللحظة التي اضطر فيها للتخلي عن حلمه لاجل واجب فرض عليه ... احس كأن تاريخه يعيد نفسه مع عمار ... كان الفارق بينهما ان القدر وضعه في موقع المتحكم وصاحب القرار ... ابهجته فكرة مقدرته على رد الصفعة القديمة ... فرفع راسه بتصميم ..
- ابشر يا عمار .. اديتك اميرة .. ومافي قول بعد قولي ...
في تلك الليلة وبعد ان ودع حامد آخر ضيوفه .. تهيأ لخوض المعركة ومواجهة العواصف التي ستهب عليه من جهتين ... اتجه اولاً الى بيت نعمات .. احس بالغرابة وهو يطأ العتبة الامامية للمنزل .. محاولاً ان يتذكر آخر مرة زاره فيها ... هل مر شهر ؟؟ او ربما شهران !! كان في اعماقه موقناً بفداحة الظلم الذي يوقعه على نعمات ... زوجته المكابرة التي تخفي احاسيسها خلف قناع شفاف لم يعجز يوماً عن رؤية ما تحته .. كان يحس برغباتها بمجرد النظر الى عينيها .. ويشعر باحتياجها اليه من حركات جسدها ورائحته .. لكنه كان عاجزاً عن تلبية دعواتها السرية .. لقد فقد الرغبة في أي تواصل حميم مع نسائه منذ وفاة امونة .. حاول ان يجبر نفسه على ارضاء زوجتيه .. فاعفته السرة من واجبه تجاهها واعلنته صراحة عن عدم رغبتها في أي علاقة زوجية...
- حامد .. انا عافياك لله والرسول من الشئ دة .. انا خلاص كبرت وما بقى فيني حيل ولا مزاج للحاجات دي .. العيال زاتهم كبروا .. وعيب بعد دة نرقد مع بعض في اوضة واحدة .. وفر طاقتك لنعمات .. هي لسة صغيرة ومحتاجة ... والله يقدرك تكفيها..
اربكته صراحتها الفجة .. وفي نفس الوقت رفعت عنه عبئاً ثقيلاً ... لكن نعمات ما زالت في قمة انوثتها واحتياجها الجسدي والمعنوي برغم اعتصامها بكبرياء عنيد يرفض ان يقر باحاسيسها ... لقد حاول منذ فترة ان يكافئ صبرها الطويل واحترامها لحزنه بعد وفاة امونة وطفله... ارتمى في احضانها كخرقة بالية جاهدت هي في رتق ثقوبها بكل ما تملكه من خبرة ومهارة .. تفننت في محاولتها لتحفيز مشاعره وجعله الرجل الذي عرفته منذ زمن طويل ... فوصلت الى نتيجة متواضعة لم ترض طموحها ... ولم تشبع جوعها الذي طال امده ... .. بعدها احس بالخجل وانسحب الى معتزله بعد ان تاكد بانه لم يعد يصلح لرفقة أي امراة ... اعتاد تفادي نظرات نعمات اللائمة .. واعتادت هي هجره لها ...
- خير يا حامد ؟؟ ... في شنو ؟؟!! ..
- انشاء الله خير يا نعمات ... اميرة جاها عريس ..
- عريس ؟؟ لاميرة ؟؟ طيب ونادية ؟؟!! ما كنت تقول ليهم الكبيرة اول وبعدين الاصغر منها .. ودة منو دة العريس دة ؟؟ ولد منو واهلو منو ؟؟!! ...
كان سيل الاسئلة يندفع من فم نعمات بلا توقف وقد تضاربت مشاعرها بين الفرح والغيظ .. اسعدتها فكرة زواج احدى بناتها .. لكنها تمنت لو كانت نادية .. تبسم حامد بتفهم بينما احال الخجل اميرة الى تمثال ينبض قلبه في عنقه ..
- ما تخافي يا نعمات ... كل بت بجيها نصيبها .. ومافي معنى اني اوقف نصيب واحدة عشان التانية .. وبعدين نادية زاتها صغيرة وبكرة يجيها صاحب رزقها ...
صمت حامد مسافة وظهرت على وجهه علامات تردد اخافت نعمات .. لقد ذكرتها باليوم الذي اخبرها فيه بقرار زواجه من امونة ...وفي اللحظة التي همت فيها بالسؤال حسم حامد تردده ونطق بالكلمات التي كانت تتوجس منها ...
- العريس ولد ممتاز ... اصل وفصل واخلاق وادب ..يا ستي العريس عمار ..
احست نعمات بانفاسها تضيق .. وطال صمتها حتى شك حامد بانها قد سمعت كلماته ... وكان السكون الذي يسبق العاصفة .. انفجرت نعمات بعنف لم يتوقعه ..
- قلت شنو ؟؟ .. العريس منو ؟؟ عمار ؟؟ اوعى تقول لي عمار ولد محاسن !! .. عاوزني ادي بتي لولد اخت السرة ؟؟ والله الا اكون مجنونة عشان اوافق على حاجة زي دي .. بتي انا تعرس ولد اخت ضرتي ؟؟ ليه ؟؟ من قلة الرجال في الدنيا دي ؟؟ والله لو بقى آخر راجل .. واميرة تقعد طول عمرها ما تعرس ما اديها للناس ديل ؟؟ ياهو الفضل !! بتي انا تعرس ...
قاطعها حامد مزمجراً ...
- نعمات ؟؟ شنو ماسكاني بتي بتي ؟؟ انتي اميرة دي اشتريتيها من السوق ولا لقيتيها واقعة في الشارع ولا جبتيها براك من الهوا ؟؟ .. اميرة بتي قبل ما تكون بتك .. ولا انتي خلاص لغيتي ابوتي لبناتي ؟؟ ما تتكلمي فارغ وشوفي إنتي بتقولي في شنو .. وبعدين مالو عمار ؟؟ عيبيهو لي !! ولد ممتاز ومافي زول يقدر يقول كلمة عليه .. متدين ومحترم عصامي واخلاقو مافي زيها .. ولا عشان ولد اخت السرة يعني انتي مقومة الدنيا ومقعداها ؟؟!!
- ايوة يا حامد عشان ولد اخت السرة .. انا ما بارمي بتي في النار بيدي .. كفاية الانا شفتو من السرة واهل السرة من يوم ما عرستك .. كفاية الكراهية والحقد والعنصرية الاتعاملوا بيهم معاي ... أديهم بتي عشان يعملوا فيها نفس العملوا فيني ؟؟
خبط حامد الارض بعصاه بعنف دل على انفعاله الشديد ... وقفزت اميرة خوفاً من اولى بوادر غضب ابيها ..
- انا ما عاوز اسمع كلام فارغ يا نعمات.. انا كلمتك من زمان ..طلعي الاوهام دي من راسك اهلي لا بيكرهوك ولا عمرهم اتعاملوا معاك بعنصرية .. اهلي انتي البعدتي وعزلتي نفسك عنهم .. عشان كدة اعقلي وما تخلي الافكار الفي راسك دي تاثر على مصلحة بتك .. عمار انسان كويس وما حالقى احسن منو لاميرة ...
- منو القال ليك ما حتلقى احسن منو ؟؟ اولاد اهلي راقدين بالكوم ... وكلهم زي عمار واحسن منو كمان ... وقبل فترة فاتحوني بانهم عاوزين نادية واميرة .. لكن انا قلت ليهم عاوزين البنات يكملوا تعليمهم وبعداك نفكر في العرس .. والاسبوع الفات ولد بت خالتي اتصل مخصوص من كندا وقال لامو عاوز اميرة .. لمن كلمتني قلت ليها حفاتحك في الموضوع بعد ما تخلص من عرس رحمة .. اها داك برضو انسان متعلم وفيهو كل الصفات الكويسة .. وكمان اتكلم قبل عمار .. يعني هو ...
قطعها حامد بحدة ...
- نعمات .. قصَري كلامك وخليني اتفاهم مع بتي .. اميرة .. رأيك شنو في عمار ؟؟ موافقة عليهو ؟؟!! ...
رفعت اميرة وجهاً شاحباً وهي تنقل نظراتها الحيرى بين ابيها المشبع بالتحدي .. وامها التي تنتفض غضباً .. لم تستطع مواجهة اعينهم المركزة على شفتيها فخفضت بصرها وسالت دموعها بغزارة .. كانت تحاول حسم الصراع داخلها بين قلبها الذي يميل الى عمار وعقلها الخائف من النتائج ... لقد توقعت رفض امها ... لكنها لم تتوقعه بهذا العنف ..
- اميرة .. انا منتظر ردك .. اتكلمي .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟...
انتفضت من لهجته الغاضبة .. وقبل ن تنطق بكلمة ردت نعمات ...
- طبعاً ما عاوزاهو .. انت ما شايفها بتبكي ؟؟!! في واحدة عاوزة ليها زول بتبكي لمن يسالوها ؟؟
- اسكتي يا نعمات انا ما باسالك انتي .. ردي يا بت .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟!! ...
- ما عارفة يا ابوي .. ما عارفة ...
هبت نعمات من كرسيها بعصبية تجلت بوضوح في العرق الذي قفز من جبينها وهو ينبض بجنون ..
- ما عارفة ؟؟!! .. يعني شنو ما عارفة يا اميرة ؟؟ انتي مفروض تقولي لا بدون تردد .. ولا نسيتي محاسن ام عمار دي بتكرهني قدر شنو ؟؟ نسيتي بتعاملني كيف ؟؟ حتعرسي ولدها كيف يعني ؟؟ انتي عاوزة تكرري غلطتي تاني ؟؟!! ..
التفت حامد الى نعمات بعينان تقدحان شرراً ... واصبح صوته هادرا كالرعد ..
- غلطتك ؟؟ انتي بتعتبري زواجك مني غلطة يا نعمات ؟؟ .. واكتشفتي الغلطة دي متين ؟؟ وما كلمتيني ليه عشان اصلحها ليك ؟؟
انكمشت نعمات من زلة لسانها التي فضحت ما يدور باعماقها منذ زمن طويل ... احست بالدوار يكتنفها وغامت عيناها بالدموع .. ارتمت على الكرسي بعد ان ضاعت منها الكلمات .. تجاهلها حامد والتفت الى اميرة الباكية ..
- انا بسألك للمرة الاخيرة يا بت .. عاوزة ولا ما عاوزة ؟؟ ...
تنقلت عينا اميرة بحيرة بين والديها وخرجت كلماتها خافتة ..
- ابوي انا ما عاوزة تحصل مشكلة بينك وبين امي بسبب الموضوع دة ... اذا وجود عمار حيخلق مشكلة انا ما عاوزاهو ..
داهمتها موجة من البكاء العنيف فادرات ظهرها وركضت تجاه غرفتها واغلقت الباب خلفها بقوة ارتجت لها الجدران ... احس حامد كأن الزمن قد عاد به الى الوراء بصورة رتيبة ... تحولت اميرة الى امونة عندما زارته في المستشفى وهي ترجوه ان يتزوج السرة حتى يتفادى المشاكل مع ابيه وتضار امه بسبب الخلاف .... تذكر انه اذعن وقتها وخالف قلبه واستسلم لسطوة والده ... لكن ليس هذه المرة لن يستسلم .. سوف ينتصر لامونة ... سوف ينتصر لاميرة التي كانت حيرتها دليلا واضحا على تعلقها بعمار ورغبتها في الارتباط به ... لن يدعها تضحي كما فعلت امونة بحبهما .. سوف يؤازرها سوف يهزم القدر هذه المرة ... خرج صوته بارداً مفعما بالتحدي والعناد ..
- شوفي يا نعمات .. انا اديت كلمة لعمار وما برجع منها .. والعاوز يكسر كلمتي بمسحو من حياتي لا يعرفني ولا اعرفو ليوم القيامة ...
اتجه الى الخارج بخطوات واسعة تاركاً اهل بيته كل يصارع احاسيسه الخاصة ... واتجه مباشرة الى البيت الكبير وقد تحفزت مشاعره بعد المواجهة مع نعمات وقرر ان يحسم كل الامور في تلك الليلة ...
قوبل دخوله بنفس الدهشة التي اثارها في البيت الآخر ... هبت بلقيس من جلستها ما ان راته ...
- ابوي !! ... اهلاً اهلاً ... ادخل ما معانا زول غريب ...
كانت بدرية تجلس عند قدمي امها بعد ان رفعتهما على حجرها ويداها تمسدهما بحنان ... حاولت السرة ان تجلس لكنه امرها بهدؤ ..
- خليك مرتاحة يالسرة .. ما تقومي من رقدتك .. مالك شكلك تعبان كدة ؟؟ ..
اصرت السرة على تغيير وضعها فانزلت قدميها المنتفختين ارضاً وجلست بصعوبة بأنفاس متحشرجة يقطعها سعال عميق ...
- مافي حاجة يا ود العمدة .. دة بس تعب العرس .. يومين راحة وببقى كويسة ...
- حاولي خففي السجاير شوية .. صدرك ما بقى يتحمل ...
كان ممتعضاً من فكرة تدخينها ... لكنه لم يتدخل لايقافها ... كانت في البداية تدخن على استحياء في جلسات القهوة التي تجمعها بجاراتها يومي الاحد والاربعاء وتتخللها طقوس رمي الودع واللعب بأوهام ( الظار ) التي ادعّت السرة تلبسه لها ... كان يحس بالذنب تجاهها بسبب تقصيره واهماله لها فلم يحاول منعها من ممارسة الاشياء التي تسري عنها وتنسيها غيابه طالما ظلت في طي الكتمان ... بعد عودتها من غضبتها الشهيرة في القرية والتي اعقبت زواجه بنعمات .. اصبحت تدخن بشراهة ولم تعد تحرص على كتمان تدخينها .. احس انها تعلن رفضها لزواجه بهذه الطريقة ... فسكت على مضض حتى لا يثير حفيظتها مجدداً .. بمرور الايام اصبح هو من ياتي لها بالسجائر حتى لا تضطر الى ارسال احد لابتياعها .. واصبحت لفافة التبغ بيد السرة شئ عادي لا يثير دهشة واستغراب أي من معارفها ..
- اقعد يا حامد مالك واقف ؟؟ ..
كان في صوتها تساؤل اغضبه وذكره بتقصيره .. قرر ان ينهي ما اتى لاجله بسرعة ويرحل .. لم يعد يتحمل احساس الذنب الذي يتآكله كلما التقى باحدى زوجتيه ..
- انا جيت اكلمك يالسرة .. عمار ولد محاسن جاني قال عاوز اميرة وانا اديتو ...
ندت شهقة مشتركة من السرة وبدرية بينما الجمت المفاجاة بلقيس وشحب وجهها لعلمها برغبات شقيقتها وامنيات امها ... كانت بدرية اول من كسر حاجز الصمت بصوت باك ...
- شفتي يا امي ؟؟ مش قلت ليك ؟؟
خرج صوت السرة قويا غاضبا ومتناقضاً مع شكلها المتعب ...
- عمار قال عاوز اميرة بت نعمات ؟؟!! ... ولد اختي يخلي بتي ويمشي لبت ضرتي ؟؟ والله لو انطبق السما على الارض ما يحصل ..
قاطعها حامد بصوت بارد حازم ...
- عمار عاوز اميرة بتي يالسرة .. ولا انتي نسيتي انها بتي واخت بدرية ؟؟!! ..
- الخوخة التشق حلقها وحلق نعمات معاها .. صحي البت شبه امها .. مش كفاية امها خطافة الرجال دي شالتك مني ومن بناتك ؟؟ كمان تجي هي تخطف ولد اختي من بتي ؟؟ والله الا في احلامهم .. والا كان ياخدو بلا اهلو زي ما امها قلعتك قلعة الضرس من أهلك .. وكان محاسن اختي وافقت ومشت معاهو الا اقاطعها قطاعة الموت والحياة ...
كان رزاز البصاق يتطاير من فم السرة في جميع الاتجاهات ... وارتفع نحيب بدرية ليطغي على كل ما عداه ...
- اسكتي انتي وهي .. ما عاوز اسمع صوت واحدة فيكم .. شنو يالسرة !! انا بقيت طرطور في البيت دة ولا شنو ؟؟!! ما شايفاني راجل قدامك وعاوزة تكسري كلمتي ؟؟!! حرّم .. وعلى الطلاق بالتلاتة .. منك انتي ونعمات .. لو واحدة فيكم فتحت خشمها بكلمة زيادة في الموضوع دة .. الا اكسر العكاز دة في راسها .. انتو قايلني جاي اشاوركم ولا شنو ؟؟!! انا جاي اديكم خبر بس ... انا خلاص اديت كلمة لعمار .. وما كنت ناوي استعجل ... لكن عشان قلة الادب السويتنها دي .. العقد حيكون الخميس الجاي والمرا فيكن تفتح خشمها .. وتنتظر الراجيها ... بلا مسخرة فارغة بتاعت نسوان ...
ادار ظهره وخرج تاركاً الغرفة تسبح في بحر من الحزن والغضب .. اتجه خارجاً يملأه احساس غامض بالرضا .. عندما لامس الهواء ملامحه المتصلبة انفرجت اساريره وظهرت شبه ابتسامة على شفتيه .. كانت اللهفة تسوق خطواته نحو المنزل الصغير في آخر الساحة والذي شهد اسعد أوقات حياته مع امونة ... لقد اعتاد ان يزوره من فترة لاخرى .. يستنشق رائحة ذاكراها العابقة في الفضاء والجدران .. ويبثها لوعته لفراقها .. اليوم سوف يزف اليها خبر انتصاره على القدر الذي يحاول ان يفرق بين قلبين غضين ... سوف يخبرها بانه قد ثأر لها ... وله ....

جاكس
06-11-2012, 04:52 AM
الفصل السابع عشر

كان الصباح غائماً بفعل ذرات التراب العالقة في الجو والتي تدعمها الرياح بحفنات اخرى تكتسحها من الارض وترتفع بها الى اعلى في دوامات صغيرة متتابعة .. احست رجاء بلسعة برد تخترق ملابسها فاحكمت جاكيت الصوف الاسود حول جسدها وهي تسرع الخطى نحو مدخل الكنيسة العريض .. كان الهدؤ يسود المبنى في هذا الوقت المبكر .. احست بالانقباض وهي تسمع طرقعات كعب حذائها على الارضية الاسمنتية الجافة ... ما ان فتحت الباب الداخلي حتى داهمتها رائحة البخور ودفئه .. وملاتها سكينة المكان براحة كانت تحتاج اليها ...اغلقت الباب خلفها ووقفت تنظر بخشوع الى تمثال المسيح المعلق بالحجم الطبيعي في نهاية القاعة الكبيرة ... رسمت علامة الصليب بيدها على صدرها .. اعادت وشاح الدانتيل الاسود الذي انحسر عن راسها الى مكانه وبدات تخطو في الممر الضيق الذي يفصل بين صفوف الكنبات الخشبية المتراصة طولياً بلونها البني الداكن .. كانت تحس بالتعب واعترتها رغبة بالجلوس .. فاختارت طرف كنبة في مقدمة الصفوف وجلست .. رفعت وجهها الشاحب في مواجهة حزم الضوء المتسللة عبر النوافذ الكبيرة التي تغطي جنبات المبنى القديم وهي تتأمل باعجاب لا يفتر دقة الرسوم الملونة على زجاج النوافذ والتي طغت عليها الوان السماء والبحر وحمرة الشفق عند المغيب .. ذكرتها دقات ساعة بعيدة ما اتت من اجله فنهضت بتثاقل واتجهت الى نهاية القاعة .. انحرفت الى اليمين ووقفت امام طاولة عالية وضعت فيها كمية من الشموع تحت صورة مضيئة لمريم العذراء .. شبكت كفيها بقوة امام صدرها ورفعت نظراتها المتضرعة الى التمثال في صلاة صامتة ثم حملت احدى الشمعات واشعلتها ووضعتها على الحامل وهي تجفف بالمنديل الابيض الصغير دمعة حارة انحدرت على
تحاملت على نفسها واتجهت خلف المذبح الى باب مقوس صغير يؤدي الى باحة واسعة تمركزت في وسطها نافورة جافة واحاطت بها اشجار الجوافة والمانجو والنيم ... قادتها خطواتها الى مكاتب الادارة ودقات قلبها تنافس تصارع انفاسها وهي تتوقع رؤية ابنتها التي غادرت المنزل منذ اسبوع ولجات الى بيت عمها الكبير الذي اخبرهم في مكالمة هاتفية مقتضبة ان ابنة اخيه ستظل عنده وامرهم بتجهيز ملابسها واغراضها وتسليمها للرسول الذي سيرسله .. عندما طالبته رجاء الباكية بان يدعها تكلم ابنتها رفض واغلق الهاتف في وجهها بفظاظة جعلتها طريحة الفراش منذ ذلك الوقت .. اخيراً توقفت امام باب خشبي ثقيل طرقته بنعومة ودلفت الى الداخل وهي تبتسم للمراة الاكبر سناً التي احتل مكتبها الضخم ربع مساحة الحيز الصغير .. كانت تبدو ضئيلة بنحافتها الملحوظة وشعرها الفضي المشدود الى الخلف مظهراً ملامح الوجه المتغضن .. ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة حانية وخرج صوتها عالياً بنبرة حادة وهي تحيي زائرتها ...
- رجاء ؟؟!! اهلاً وسهلاً .. ازيك يا وحشة ... وينك ؟؟ من زمان ما شفناك ؟؟!! ..
اندفعت رجاء نحوها وقبلت خديها بحرارة ...
- اهلاً يا ايزيس .. كيفك وكيف اولادك ؟؟ ...عارفة اني متلومة معاك .. لكن يشهد ربنا كل ما انوي اجيك تحصل حاجة واتلخم فيها .. براك عارفة مشاغل الدنيا المخليانا حتى روحنا ما لاقينها .. قسيس نجيب موجود ؟؟ فاضي ولا مشغول ؟؟!! ...
رمقتها ايزيس بنظرة فضولية مستفسرة ..
- موجود بس معاهو واحد من الشمامسة الصغار .. اقعدي اشربي معاي القهوة على بال ما يخلص على الاقل تحكي لي اخبارك واخبار اولادك .. انتي اخوك دة ما ناوي يتجوز ولا شنو ؟؟ هو فاكر روحو لسة صغير .. الفي عمرو اولادهم بقوا طولهم .. انا عندي ليهو عروس ممتازة وكنت ناوية اجيك مخصوص عشان اكلمك في الموضوع دة بت ما بتتفوت يا رجاء .. ادب وتعليم واخلاق ومن عيلة ملتزمة ومرتاحة ..
- والله ياريت .. ايدي على كتفك يا ايزيس .. انا بتمنى انو يعرس ويستقر ويجيب عيال تصدقي انا حاسة بالذنب لانو نسى روحو بسبب مسئوليتي انا وعيالي .. والمسيح يا ايزيس ما بيمر يوم الا واتكلم معاهو في موضوع العرس .. رشحت ليهو بنات اشكال والوان وهو عامل لي ودن من طين والتانية من عجين ..
- خلاص يا رجاء خلي الموضوع دة عليّ .. انا ياما عرست لاولاد وبنات من جماعتنا شوفي الاحد الجاي لازم تجيبيهو معاك الكنيسة يحضر القداس .. وما تجيبي ليهو أي سيرة .. خليني انا اتصرف بطريقتي واعرفهم على بعض .. متاكدة انها حتعجبو .. البت حلوة وبتعجب أي حد .. الا صحي عاوزة اسالك ... ليه جانيت خلت كنيستنا ؟؟ انا بالاول ما صدقت وقلت مستحيل بت رجاء ترتد بالصورة دي .. لكن لمن خلت الشغل هنا وعرفت انها اشتغلت هناك اتاكدت انو الكلام صح ... ليه كدة يا رجاء ؟؟ الحصل شنو ؟؟!! ...
كانت رجاء تستمع الى الكلمات المندفعة من فم ايزيس بقلب واجف ...لقد تحققت اسوأ مخاوفها .. انسلاخ ابنتها من الكنيسة التي تعمدّت فيها وانضمامها الى كنيسة اشقاء زوجها جعلها توقن بانها قد فقدتها الى الابد .. اندفعت دموعها بغزارة وارتمت على الكرسي بعد ان احست بقدميها تلتويان تحت حمل جسدها ... خرجت ايزيس من وراء مكتبها بانزعاج وجلست في الكرسي الملاصق لرجاء .. امسكت يدها بتعاطف وخاطبتها بلهجة امومية حنونة ...
- بسم الصليب ... مالك يا رجاء ؟؟ .. والله لو عارفة سؤالي بيعمل فيك كدة ما كنت سالتك ..لكن انتي عارفة انا طول عمري باعتبرك زي اختي الصغيرة واولادك زي اولادي اهدي وكلميني الحاصل شنو ؟؟ !! ...
قبل ان ترد رجاء فتح الباب خلف مكتب ايزيس وعلى عتبته ظهر فتى يافع بملابس الشمامسة الفضفاضة .. ومن خلفه قسيس نجيب بثوبه الاسود والصليب الفضي الكبير المتدلي من عنقه .. ملات الابتسامة وجهه الصبوح وهو يرحب برجاء ثم تبعتها تقطيبة حيرة لمراى الدموع على خديها ربت على كتف الفتى وامره بالانصراف ثم تقدم نحو رجاء التي انحنت وقبلت يده باحترام .. قادها بصمت تجاه باب مكتبه .. وقبل ان يتواريا خلفه التفت الى ايزيس وامرها بحزم ..
- ما تخلي أي حد يدخل علينا ...
استقر خلف مكتبه القديم وجلست رجاء في مواجهته .. تاملها بصمت العارف وبنظرات مشفقة .. انه يحترم هذه المرأة التي صارعت الحياة من اجل ابنائها .. ورفضت اكتر من زوج رشحه لها برغم شبابها وجمالها .. وكان جوابها ثابتاً لا يتغير ..
- انا بعد ابو اولادي ما عاوزة حد تاني .. بتكفيني ريحتو فيهم .. ربنا يقدرني اربيهم واعلمهم وهم بعدين يشيلوني ..
بذل المستحيل لاقناعها .. لكنها اصرت على موقفها بعناد وتصميم لم تلينه الايام ولا الظروف ..
- كنت متوقع جيتك يا رجاء ولمن اتاخرتي نويت أمر عليك في البيت الليلة ولا بكرة .. الحصل شنو ؟؟ جانيت مالها ؟؟
- كنت جاياك قبل كم يوم يا ابونا .. بس العملتو جانيت هدّ حيلي ورقدت رقدة ما قمت منها الا الليلة وعلى طول جيتك ..هي صحي خلت الكنيسة هنا ومشت كنيسة اعمامها ؟؟ ليه خليتها تعمل كدة ؟؟ انت مش عارف الناس ديل وطريقة تفكيرهم واسلوبهم الغلط ؟؟ ديل متعصبين وعنيفين وبتاعين مشاكل وحياخدوا بتي في سكتهم .. ليه كدة يا ربي ؟؟ يعني انا اربي واكبر واعلم وهم يجوا ياخدوها على الجاهز ويحرقوا قلبي عليها ؟؟ ليه ما منعتها ؟؟ ليه خليتها تمشي معاهم ؟؟ انا كنت مطمنة على وجودها هنا معاك ومع ايزيس وعارفاكم بتاخدوا بالكم منها .. وقلت كلها كم يوم وتهدا وترجع البيت .. وانا الليلة جيت مخصوص عشان ارضيها واسوقها معاي البيت .. لكن هسة خلاص .. بتي ضاعت يا ابونا ... انا عاوزة بتي ترجع لي .. جيبوا لي بتي ..
انفجرت رجاء في نحيب ينضح بالالم .. فهب قسيس نجيب من مكانه وجلس قبالتها ... امسك يديها المرتعشتين وبدا يكلمها بصوت مطمئن وبلهجة ابوية حانية ..
- شوفي يا رجاء .. انا ما حقلل ليك من خطورة مشي جانيت عند اعمامها ... كلنا عارفين طريقتهم الغلط في التعامل وبنرفض اسلوبهم ومعالجتهم للامور .. لكن كمان الانتي بتعملي فيهو دة ما بيجيب نتيجة .. لازم نفكر بهدوء كيف نرجعها .. هي في الاصل سابت البيت ليه .. زعلتوها في شنو ؟؟ احكي لي عشان اعرف احل المسألة ...
شعرت رجاء بتردد طفيف في ترديد اتهامات ابنتها .. ثم قررت ان تخبره كل شئ فهو الوحيد القادر على مساعدتها .. اخبرته عن تشدد ابنتها والمواجهات الدائمة بينها وبين شقيقيها .. حتى الحدث الاخير الذي فجر المشكلة التي التي هجرت على اثرها المنزل .. كان يستمع اليها بانتباه شديد دون ان يقاطع حديثها المتهدج حتى افرغت كل مخاوفها بين يديه .. اعتدل في جلسته وبدت علامات الجدية على محياه ..
- يا ريت لو كنتي جيتيني من بدري يا رجاء .. على الاقل كنت اتكلمت معاها ولحقتها قبل ما الافكار الغريبة ددي تسيطر عليها .. يمكن انا متفق معاها في حاجات زي عدم التزام جمال بالكنيسة برغم انو ولد شاطر واخلاقو ممتازة .. لكن فعلا ما بيجي هنا الا نادراً .. ما بيحضر قداس الاحد بانتظام وما بيشارك في أي نشاط ... لكن انا عذرتو عشان ظروف دراسته ومتاكد انو بعد ما يخلص الجامعة حيجي ويبقى عضو فعال في نشاط الكنيسة ... لكن جاكلين ملتزمة وبتشارك في كل شئ .. هي صحي شوية مهرجلة ومرات بتغيب .. لكن عموما من بناتنا الكويسات الانا باعتمد عليهم في أي نشاط .. جانيت بالتاكيد متاثرة باعمامها شديد .. عشان كدة بقت متطرفة في افكارها وتصرفاتها وشايفة الناس كلها غلط .. لكن ما تخافي ... انا حوصي عليها هناك وحخلي حد ياخد بالو منها ..وكمان ححاول الاقيها واتكلم معاها يمكن اقدر اقنعها ترجع هنا وترجع البيت كمان ...
- ياريت يا ابونا .. ياريت تكلمها وتقنعها .. انا ما قادرة اقعد في البيت من غيرها وحاسة انو حتة من قلبي اتقطعت ...
- ما تشيلي هم يا رجاء ... ارجعي بيتك وخلي بالك من صحتك .. انا حاهتم بالموضوع
رافقها حتى الباب وظل يراقبها وهي تودع ايزيس بحرارة وتغادر بخطوات متعبة .. التفت الى المراة النحيلة وخاطبها بصوت شارد مهموم ..
- تعرفي يا ايزيس .. رجاء عندها حق في خوفها على بتها ... انا سمعت كلام كدة انو اعمامها بدوا يشجعوها تطلع حملات تبشير في الحتت لبعيدة .. وانتي عارفة حملات التبشير ممكن تتعرض لشنو ودي بت صغيرة وما عندها خبرة .. ومرات الحماس مع عدم الخبرة بيبقى خطر ...
تتمت ايزيس بصوت خافت ..
- يا يسوع .. دي كانت بتقى مصيبة لو الكلام دة طلع صح .. ولو رجاء عرفت حتقع من طولها ..
- انا ما كلمتها .. وانتي كمان ما تجيبي ليها سيرة الموضوع دة خالص لغاية ما انا اتاكد واحاول اتكلم مع البت واقنعها ترجع .... برغم اني عارف كمية المشاكل الممكن ادخل فيها مع الجماعة ديل لو فكرت اقلعها منهم ... هم خاتين قانون انو البيدخل معاهم ما يطلع منهم تاني الا على ظهره ...
دخل مكتبه واغلق بابه تاركاً ايزيس في حالة خوف وقلق ...

جاكس
06-11-2012, 04:54 AM
الفصل الثامن عشر

جلست محاسن في الكرسي الملاصق لسرير السرة بتوتر تنبئ عنه حركة قدميها المتقاطعتين اللتين تهتزان بعنف .. كانت ملامحها المتجهمة ونبرة صوتها الحادة تدلان على غضبها ..
- اعمل شنو يالسرة ؟؟ .. ابو عمار حلف عليّ طلاق لو ما جيت معاهو نخطب بت نعمات .. لكن انا اصريت اجيك الاول واوريك الحاصل عشان ما تزعلي مني ...
نفخت السرة دخان سيجارتها بعصبية تبعتها سعلة قوية .. وعلت وجهها ابتسامة متشنجة ساخرة ..
- شنو قصة حلفان الطلاق الواقعين فيها الرجال ديل اليومين دي ؟؟!! هم قايلين روحهم بمسكونا من يدنا البتوجعنا ؟؟ ومالو الطلاق ؟؟ لا حرام ولا عيب .. الطلاق حق بنات الرجال ...
- سجمي يالسرة !! طلاق شنو البتتكلمي عنو بعد العمر دة ؟؟ دي فضيحة تقعد لينا لجنى الجنى .. والناس تقول طلقونا بعد ما بقينا حبوبات .. انا برّيت قسم ابو اولادي وجيت معاهو .. لكن رجلي ما بشيلها اوديها لبيت نعمات .. باقعد معاك هنا عشان اوريها اني ما دايرة بتها .. انا بس لو عرفت قشيرة دي سوت للولد شنو ؟؟!! .. بقى ما شايف غيرها وقال يا هي يا بلاش .. ولا كمان يالسرة ياختي ما شفتي الولد التاني المفعوص المسجم جاني بعد عرس رحمة وقال لي يا امي ما شفتي فاطنة بت ابراهيم بقت سمحة كيف !! عليك الله ما تخطبيها لي .. قلت ليهو والله ياهو الفضل كمان .. دة يكون آخر يوم في عمري كان خليتك تعرس بت حبيبة ..
كانت محاسن تتكلم باندفاع .. لكن نظرة خاطفة الى ملامح السرة انذرتها بالخطر .. فقد تحولت تعابيرها من الغيظ الى الغضب .. ضاقت عيناها وارتفع راسها الى اعلى بتحد ... وخرجت كلماتها هادرة لتؤكد انفعالها ..
- محاسن ؟؟ انتي قلتي لولدك ما يفكر يعرس بت ابراهيم ؟؟ ليه ياختي مالها فاطنة ؟؟!! هو انتي اديتي الكبير لبت المرة الخطفت راجلي ومستخسرة التاني في بت ولدي ؟؟!!
- اجي يا يالسرة !! انتي نسيتي امها منو ؟؟ جدها وحبوبتها منو ؟؟ خيلانها منو ؟؟ عاوزاني ادي ولدي لبت الخادم ؟؟ على الاقل بت نعمات حرة ومرة واصلها ما فيهو كلام .. لكن بت حبيبة ..
قاطعتها السرة بحدة جعلتها تبتلع بقية كلماتها ...
- هوي يا محاسن هوي ... اوعي لروحك وشوفي انتي بتقولي شنو .. فاطنة ما بت حبيبة ... فاطنة بت ابراهيم ولد ابراهيم ود حسن الامين العمدة ... حبيبة دي قربة وفرغّت ... والبيابا بت ولدي الواحد معناها اباني انا زاتي .. يا اختي يا بت امي وابوي يا العاملة فيها متضامنة معاي .. جاية تقولي لي بت نعمات حرة ومرة ؟؟!! .. سمح وقت كدي المقعدك هنا شنو ؟؟ ما تقومي تمشي ليهم ...
- انتي بتطرديني من بيتك يالسرة ؟؟ دة جزاي الابيت امشي مع ولدي واول فرحتي عشان خاطرك ؟؟ ... سمح ياختي ..كتر خيرك .. لكن انتي ما غلطانة .. انا الغلطانة العملت ليك خاطر اكتر من راجلي وولدي ..
هبت من مكانها بغضب واندفعت خارج الغرفة كالعاصفة وكادت تكتسح في طريقها بلقيس التي انحرفت وهي تجاهد للحفاظ على استقامة كوب العصير بعد ان مال وتدفق محدثاً فوضى في المكان..
- مالك يا خالتي محاسن !! .. ماشة وين ؟؟ ...
- ماشة بيت نسيبتي ... يمكن تحترمني اكتر من اختي ..
في منزل نعمات امتلات الصالة الفسيحة بالرجال بينما ضاقت غرفة الضيوف بقريبات صاحبة المنزل وصديقاتها .. حول طاولة الطعام في المطبخ جلست نعمات وقد بدت علامات الغيظ والغضب على ملامحها وهي تستمع الى كلمات امها الهامسة ..
- دة كلام دة يا نعمات ؟؟!! .. يجونا اخوات الولد بدون امو وخالاتو ؟؟ انتي كيف توافقي على حاجة زي دي ؟؟ اميرة دي ست البنات على حدهن وتشرف أي راجل واهله .. عشان شنو امو ما تجي ؟؟ قولي الباقيين اصلهم قاعدين تحت جناح السرة وبيخافوا يزعلوها .. لكن الام ما تجي تحضر عقد ولدها ؟؟ غايتو ديل ناس غريبين بالجد ... هم قايلين روحهم شنو ؟؟ احسن من باقي الله بشنو ؟؟
ردت شقيقة نعمات بنفس طبقة الهمس ..
- هو انتي زاتك يا نعمات بعد المغصة المسويها ليك حامد.. كيفن تدي بتك لواحد من اهلو ؟؟ مالك ما سمعتي بالمثل البقول كفاية من الدستة مغرفة ؟؟ وديل كمان مغرفتهم سقتك الحنضل .. مش كفاية انو حامد عرس فيك وانتي لسة نفسا ؟؟ مش كفاية الطريقة الاتعاملوا بيها معاكي ومعانا من يوم ما عرستي حامد ؟؟
انطمس الهمس الدائر بينهم بفعل زغرودة منغمة عالية اصابت الجميع بالوجوم ...
- دي منو دي البتزغرد بالحماس دة ؟؟
أتت الاجابة من نادية التي دخلت بوجه متهلل ...
- أمي ... حبوبة .. تعالوا بسرعة دي ام العريس جات ...
تبادل الجميع نظرات مشحونة بالدهشة .. نهضت نعمات بتثاقل وخرجت من المطبخ تتبعها امها وشقيقتها .. وما ان وطأت قدماها ارض الغرفة المزدحمة حتى تعالت الزغاريد وبادرتها محاسن بسلام حار ردته نعمات بحرارة مماثلة لا تخلو من التعجب ...
- وينها عروس ولدي ؟؟ نادوها لي اسلم عليها ..
تطايرت النظرات بين نعمات ووالدتها التي تنحنحت باحراج قبل ان ترد ..
- معليش يا محاسن .. ما جهزنا اميرة لقعدة برة عشان الموضوع جا سريع ...
- أجي !! يعني ما حشوف عروس ولدي ؟؟ دة كلام شنو دة يا نعمات ؟؟ وروني مكانها وانا بمشي ليها بنفسي ..
في لحظات اندفع فوج من النساء تتقدمه نعمات قاطعاً الصالة وسط دهشة الرجال الموجودين .. فوجئت اميرة بباب غرفتها يفتح وغابة من الاذرع تمتد اليها وتنقلها من شخص لآخر بينما صمّ صدى الزغاريد اذنيها ... في الخارج تعالت طلقات الرصاص لتعلن انتماء اميرة لعمار رسمياً ...
بعد ان انفض الجمع وخلا المنزل من زوراه .. جلست اميرة في غرفتها هائمة تعبث بخصلات شعرها الناعمة .. ويعبث بها خيالها وقد اكتسحتها سعادة عميقة وتفجرت احساسيها المكبوتة تجاه عمار لتغمرها بفرح لم تظن انها سوف تشعر به يوماً .. ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها تراقصت على اثرها غمازتيها وتعمقتا في خديها لتضفي على وجهها الفاتن سحراً مشرقاً ... عندما دخلت نادية ونظرت الى شقيقتها ... احست بحسرة تغمرها لعلامات الرضى والسعادة المرتسمة على ملامحها ... وتذكرت يوم زواجها من زاهر .. كان مليئاً بالخوف والتوجس ... حفه الصمت وغاب عنه ضجيج الفرح فلم تسمع صدى زغرودة تطرق اذنيها .. وتوارت فرحتها خلف القلق العميق الذي انتابها بسلامة تصرفها .. لكنها لم ولن تشعر بالندم على قرارها .. زاهر هو رجلها وحب حياتها .. معه تحس بانوثتها كما لم تشعر بها مع احد آخر .. وهو يعاملها كأنها اميرة متوجة على عرش النساء ... لن تخذله ابداً .. وستحارب من اجله ان استدعى الامر ...
- مبروك يا اميرة ... ربنا يتمم ليك على خير ...
احتضنتها بشدة .. وترقرقت عيناها بالدموع عندما اتاها الرد التلقائي ..
- الله يبارك فيك يا نادية ... عقبالك ...
ابتعدت عنها نادية وهي تنظر اليها بحزن ..
- انا معرسة يا اميرة ... ولا انتي نسيتي ؟؟!! ..
اختفت كل علامات الرضى والسعادة من وجه اميرة وحلت محلها تقطيبة ضيق عميقة .. انحبست انفاسها عندما عاودتها ذكرى ذلك المشهد المخزي الذي بذلت المستحيل كي تنساه .. لكنه ظل يطفو على سطح ذاكرتها بقسوة وعناد متحديا ارادتها ...
- نادية !! انا مش قلت ليك كلمي امي ؟؟ ما كلمتيها لغاية هسة ليه ؟؟ انا اديتك فرصتك كاملة عشان الكلام يجي منك ما يجي مني انا .. لكن بعد دة ما حتستر عليك .. وحكلمها... انتي يا بت ما قادرة تستوعبي حجم الشئ الانتي عملتيهو ولا ما مقدرة نتائج تصرفك دة ممكن تكون شنو ؟؟!! ...
همست نادية بخجل بعد ان لطمتها هي الاخرى ذكرى المشهد الذي وجدتها فيه شقيقتها ...
- ما تخافي ما حتكون في نتايج .. حالياً على الاقل .. انا وزاهر متفقين .. وهو عامل حسابو كويس ..
اعتراها قلق قوي بعد ان نطقت كلماتها .. دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة ... لحظة كان زاهر يجد صعوبة في التحكم فيها حتى في الاوقات العادية .. لكنها في تلك الليلة حدث شئ لم تعتده في لقاءاتها السابقة مع زوجها ... شئ لم تفكر فيه وقتها لاحساسها بالخوف والحرج وانشغالها بتبرير موقفها .. لكن بمرور الايام تزايد قلقها ولم تجرؤ على سؤال زاهر عما حدث في المكالمات التلفونية المختلسة التي كانت تجريها عندما تضمن خلو المنزل من الجميع .. اصبح مرور الايام كابوس يجثم على صدرها ويخنق انفاسها ... وبات العد هوايتها المرعبة ... عندما تم ذلك اللقاء المشئوم كان قد مر اسبوع على انقضاء دورتها الشهرية .. والآن شارفت الاربعة اسابيع على الانتهاء .. الايام القليلة القادمة ستحدد صحة مخاوفها من عدمها ... لم تعد تملك غير الدعاء لله بان لا يكشف سترها ... اخرجها صوت اميرة الممتعض من افكارها المتلاطمة ..
- نادية !! انا ما بتكلم عن حمل مع انو بعد الشفتو اليوم داك حيكون احتمال وارد .. انا هسة بتكلم عن فضيحتنا قدام الناس لمن يعرفوا انتي عملتي شنو ... عٌرفي يا نادية ؟؟!! انتي يا بت ود العمدة تعرسي عُرفي ؟؟!! .. بالدس وكانك بتسرقي ؟؟!! ومنو ؟؟ واحد نكرة .. لا اصل ولا فصل ولا اسم يشرف ... واحد اكتر شئ كان ممكن يوصل ليهو في الظروف العادية انو يشتغل عند ابوي في الدكان ...
- أميرة !! .. انا قلت ليك قبل كدة ما تتكلمي عن زاهر بالطريقة دي .. دة راجلي وانا باحبه ... هسة انا لو اتكلمت ليك عن عمار بالطريقة دي بترضي ؟؟!!
- تتكلمي عن عمار ؟؟!! هو عمار فيهو حاجة تتكلمي عنها ... وهو اصلاً في مقارنة بين عمار وزاهر بتاعك دة ؟؟!!
- ليه مافي مقارنة يا اميرة ؟؟ راجلي ناقصو شنو من راجلك ؟؟!! .. زاهر شاطر واول دفعتو كل سنوات دراستو في الجامعة ... وظيفتو مضمونة اول ما يتخرج .. انسان خلوق وشهم وحنين وبيحبني عشاني انا .. لشخصي ... مش عشان انا نادية بت حامد الامين ود العمدة .. ولعلمك .. زاهر من اسرة كبيرة ومحترمة في منطقتهم .. يعني ما زول أي كلام زي ما انتي متخيلة ....
- كلام جميل يا نادية .. لكن هل انتي مقتنعة بيهو ؟؟ واذا كنتي مقتنعة بيهو.. ليه عرستي بالدس .. ما كان تخلي يجيب اهلو ويجي البيت .. يقابل ابوي ويطلبك منو رسمي !!
تدافعت الدموع من عيني نادية وهي تستمتع الى لهجة اميرة المهينة بحقها وحق الرجل الذي تحبه ..
- تعرفي يا اميرة قدر ما اقول ليك انا مخذولة فيك قدر شنو ما حتتخيلي .. طول عمري كنت قايلة عقلك كبير وفهمك واسع وبيتخطى عمرك ... كنت قايلاك انسانة واعية ومثقفة ومنفتحة .. كنت قايلة قلبك كبير وبتعرفي يعني شنو انك تحبي انسان ويبقى دنيتك كلها ... كنت معتمدة عليك تقيفي معاي وتسنديني لمن احتاج ليك .. لكن للاسف طلعتي قاسية وقلبك بتحكمو افكار عنصرية تافهة عن لون وجنس وقبيلة .. زيك زي أي واحدة جاهلة مخها ضيق ومتبنية تفكير امها وحبوبتها ...
انخرطت نادية في نحيب متالم جعل اميرة تحس بالذنب لبرهة .. ثم عاودتها ذكرى المشهد المخجل ونظرات زاهر المتحدية .. فغاب تعاطفها الهش في التو واللحظة ...
- اسمعي يا نادية ... ما تفلسفي الامور وتحاولي تطلعي نفسك صح والعالم كلو غلط ... انا بعرف حاجة واحدة بس .. الصح ما بتعمل في الضلمة وبالدس .. الصح ما بيخجَل ولا بيحرج .. الصح بيكون في النور .. قدام العالم كلو ... الصح زي العملوا عمار لمن جا لابوي وطلب يتزوجني والناس كلها عرفت ... اسالي نفسك اذا انتي فعلاً صح ليه حاجاتك كلها مدسوسة ؟؟ !! ...شوفي يا نادية انا باحذرك للمرة الاخيرة ... لو ما كلمتي امي انا حكلمها ...
- تكلميني بشنو يا اميرة ؟؟ ...
صدرت شهقة مشتركة من الفتاتين الغافلتين عن وجود نعمات ... تجمدت حركتهما واصبحا تمثالين بعيون متسعة خائفة ...
- اميرة ... انطقي سريع ... تكلميني بشنو ؟؟ .. اختك عملت شنو وداسيين مني ؟؟
جاوبها صمت اميرة ودموع نادية الغزيرة ...ارتفع صوت نعمات بشكل هستيري وهي ترى حال ابنتيها الغريب ...
- قسماً عظماً لو ما اتكلمتوا سريع الا ارسل اجيب ابوكم واخلي هو يتصرف معاكم .. اتكلمي يا نادية في شنو ؟؟ ... عملتي شنو ؟؟
لم تستطع نادية مواجهة الموقف فركضت خارجة بعد ان تملصت من محاولة نعمات للامساك بها بقوة غريبة امدها بها خوفها ..ووجدت اميرة نفسها وحيدة في مواجهة عيني امها اللتين تطلقان شررا ينذر بالخطر ...
- امي .. عليك الله اهدي .. انتي زولة ست عيا والانفعال ما كويس عشانك ... انا بحكي ليك بس لازم تروقي وتسمعيني براحة .. الموضوع عاوز هدوء لانو أي جوطة فيهو حتعمل لينا فضيحة ...
انتفضت نعمات وشهقت بقوة ...
- سجمي فضيحة ؟؟ فضيحة شنو يا اميرة ؟؟ اختك عملت شنو ؟؟
تكلمت اميرة بصوت منخفض وهي تنتقي عباراتها .. حكت لامها عن الخطوط العريضة دون ان تخوض في التفاصيل .. عندما صمتت اخيرا وهي تهنئ نفسها على لباقتها ورفعت عيناها لتنظر الى رد فعل امها ... فوجئت بها تتهاوى ارضا كقطعة طوب ... تعالت صرخاتها مدوية فشقت سكون الليل وفي لحظات امتلا المنزل بسكان الحوش الكبير فيما عدا السرة التي كانت تشعر باعياء شديد لم يمنعها من اطلاق تعليقها الساخر ..
- تلقاها ما اتحملت فرحة بتها العرسها زينة شبابنا ... الله يشيلها هي وبتها في يوم واحد عيلة خطافين رجال ...
عج المستشفى الخاص باسرة ود العمدة التي رافقت نعمات الغائبة عن الوعي ... وقف حامد يستمع الى الطبيب بانزعاج ...
- للاسف يا حاج حامد .. الارتفاع المفاجئ في الضغط عمل جلطة .. الكويس انكم جبتوها سريع ... احنا حالياً سيطرنا على الضغط ....ونأمل انو الجلطة تكون خفيفة وآثارها بسيطة ...لكن ما حنقدر نعرف حجم الضرر الحصل الا لمن تفوق .. واحنا هسة اديناها مهدئ عشان تنوم اطول فترة ممكنة لغاية ما الضغط ينزل لمستواه الطبيعي يعني لبكرة انشاء الله بتتضح الرؤية .. عشان كدة انا باقترح عليكم كلكم ترجعوا البيت وتخلوها لينا وما تخاف حتكون في ايدي امينة وانا بنفسي حأشرف عليها .. وبعدين هي اصلاً ما واعية بوجودكم .. يعني قعدتكم ما عندها معنى غير التعب ليكم .. وبصراحة اللمة والازعاج ما كويس عشانها وكلما قل عدد الناس الحواليها يكون احسن
- خلاص انا بقعد معاها والباقيين يمشو ... ابراهيم .. سوق اخواتك وارجع البيت ..
تصاعدت جمل محتجة هنا وهناك .. واصوات باكية تطالب بالبقاء تكفلت ضربة غاضبة من عصا حامد على الارض باسكاتها .. وتبع الجميع خطوات ابراهيم العجولة خروجاً ..وقبل ان تختفي اميرة خلف الباب التفتت الى والدها برجاء ...
- ابوي انا حجي بكرة الصباح بدري ..
اجابها بشرود ..
- اتصلي براجلك وخلي يجيبك ... وانت يا ابراهيم امشي السوق واقعد في المحلات لغاية ما انا ارجع...
ادار ظهره واتجه الى غرفة زوجته .. دخل واغلق الباب بحرص .. وقف طويلاً يتامل الاجهزة التي تحيط بها وترسل اشارات منتظمة الى الشاشة المثبتة اعلى راسها .. حمل كرسي صغير من احدى الزوايا ووضعه بالقرب من سريرها وجلس بتعب ينظر الى ملامحها الشاحبة .. احس بالعطف المخلوط بالذنب تجاهها .. لقد ادرك منذ اول ليلة لزواجهما مدى حبها له عندما منحته جسدها واحاسيسها بلا قيود .... لقد حاول ان يبادلها مشاعرها برغم اعترافه لنفسه بانه لم يتزوجها لانه احبها .. لقد اعجبته انوثتها المتدفقة ودلالها ... ارضى غروره انبهارها الواضح به ...شجعه على الارتباط بها رغباته التي نضجت بمرور الايام ولم تعد السرة قادرة على اشباعها ... ودفعته اليها امنيته بالحصول على الولد الذي عزّ حضوره .. كما كان يامل ان يغرق فيها وينسى حبه لامونة ...
لكن بعد مرور عدة اشهر ايقن ان محاولاته للنسيان قد عمقت حبه اكثر للمراة الوحيدة التي عرف معها معنى الحب الحقيقي ... كان قد اعتاد تنسم اخبارها بسرية تامة .. وكما اعتاد ان يحتفل مع نفسه بكل نجاحاتها منذ الشهادة الثانوية وحتى تخرجها من الجامعة .. ظل يشعر بالفخر لتفوقها .. وبفرحة انانية كلما سمع عن رفضها لمن يتقدم طالبا يدها ... وعندما وافقت على الارتباط باحد زملائها في العمل بعد سنتين من تخرجها .. ركب سيارته وسابق بها الريح تجاه القرية ... وفي منتصف الطريق بدات التساؤلات تغزو عقله عن حكمة تصرفه .. كان مدركاً بان امونة سترفض الزواج ان هو طلب منها ذلك ولكن ماذا بعد ؟؟!!.. هل يرغب حقاً في ان يراها وحيدة وتعيسة حتى نهاية حياتها ؟؟!! ... لقد ضحت به وبحبها الكبير له من اجل استقرار اسرته .. هل يكافئها بطلب اناني يحكم عليها بالعنوسة الى الابد ؟؟ .. عندما توالت الاجات الرافضة لانانيته ادار مقود سيارته وعاد ادراجه ... في تلك الليلة دهشت السرة من عنف زوجها ورغبته المتوهجة وقد اعتادته عجولاً ..هادئا وروتينياً ... كان يفرغ شحنات انفعاله في جسدها المستسلم .. وكعادته في لحظة اكتفاؤه .. نطق باسم امونة بصوت حزين مبحوح ...
في ليلة زفافها هرب الى ملجاه المفضل .. جلس في منطقة منعزلة امام النيل وبكى بحرقة .. ومثّل خبر سفرها مع زوجها المبعوث الى الخارج عزاؤه الوحيد .. فهو لم يكن يثق في نفسه وردة فعله إن رآها وقد اصبحت ملكاً لرجل آخر ... .. خلال السنوات التالية انعدمت أي فرص لقاء بينهما خصوصا بعد ان اختار زوجها البقاء في غربته عندما حصل على عرض مغر من احدى الجامعات هناك ... كانت تحضر الى الوطن في اجازات متباعدة ... ولم يلتقيا الا بعد عشر سنوات من زواجها عندما حضرت لوفاة والدتها ... كان قوامها النحيل قد اذداد بضعة كيلوجرامات تشكلت في استدارات ناعمة زادتها جمالاً وانوثة ... بينما احتفظ وجهها بملامحه الطفولية الآسرة التي تحتل ذاكرته باصرار عنيد ... ارتعشت يداه المرفوعتان لقراءة الفاتحة امام وجهها .. وعندما احتضن كفها الرقيق بكلتا يديه وغاص واستكان بدعّة بين كفيه العريضين احس بدوار يكتنفه .. واحتبست انفاسه في حلقه .. هربت منه الكلمات وظل يحدق في تفاصيلها الدقيقة بشوق جائع وهو يتنسم رائحتها العطرة .. كانت هي تتامله بارتباك ونظرة غامضة تراود عينيها الحزينتين ... عندما تحرر الكلام السجين من بين شفتيه .. ادهشته العبارة التي خرجت منه دون ان يملك السيطرة عليها ..
- نسيتيني يا امونة ؟؟!! ...
شحبت من وقع سؤاله .. لكنها اجابته بهمس ناعم ...
- انساك يا حامد ؟؟!! الظاهر انت النسيت !! ... نسيت الكلام القلتو ليك آخر مرة لمن اتلاقينا في المستشفى ؟؟ قلت ليك انت زي دمي الجاري في عروقي .. زي دقات قلبي زي نفسي الطالع من صدري .. عمرك سمعت بدم نسى يجري ؟؟ ولا قلب نسى يدق ؟؟ ولا نفس نسى يدخل ويطلع ؟؟ وقلت ليك كمان مافي راجل ولا مرة بيقيفوا بيني وبينك .. لانو البيني وبينك دة لا بتغير ولا بتاثر ولا بنتهي ...
خنقتها دموعها فصمتت .. لم يدر هل تبكي امها .. ام تبكي روحها .. ام تبكيه هو .. لكنه احس بفرحة كانت قد غادرته منذ سنين ...
- عارفة يا امونة .. كلامك دة حيبقى لي زاد لغاية نهاية عمري ...
خرجا من حالة السحر التي غلفتهما بصراخ نسوة اتين ليقدمن واجب العزاء للابنة المكلومة .. وانعدمت فرصة لقاء آخر حتى عادت الى زوجها وحياتها البعيدة عنه ... مرت السنوات وهو يحمل كلماتها تميمة فرح يتحسسها كلما عصفت به الالام .. وعندما سمع بنبأ وفاة زوجها في حادث سيارة نجت منه هي بجروح استدعت شهور من العلاج في مهجرها قبل عودتها الى الوطن كان احساسه مزيج من الحزن والفرح ... اخيراً اصبحت حبيبته حرة .. ويستطيع الارتباط بها بعد ان تحرر هو ايضاً من وصاية الكل عليه ... تكررت زياراته للقرية واصبحت رعايته لابنة خالته الارملة امراً طبيعياً ولا يثير التساؤل .. وعندما طلبها للزواج قوبل بترحاب من اشقائها الغارقين في حياتهم والراغبين في التخلص من عبء رعاية شقيقتهم الارملة ... ملاته سعادة لا توصف .. وعاد ذلك الفتى العاشق الذي يجهز نفسه للزواج بحبيبته .. رسمت امونة خارطة بيتها بنفسها .. وانتقت كل قطعة اثاث على ذوقها .. فاصبح البيت الصغير جنته .. حاول ان يكون عادلاً بينها وبين زوجتيه ... قسم ايام الاسبوع بينهم بالتساوي .. واضاف اليوم المتبقي لايامها .. كان يرى علامات التانيب والغيظ والغيرة في وجهي نعمات والسرة كلما ذهب لاحداهما .. لكنه لم يهتم .. لقد ارضى الجميع لفترة طويلة .. وحان الوقت ليرضي نفسه .. اصبحت غرف نوم نسائه الاخريات مكان لاداء الواجب .. بينما صارت غرفة امونة هي العش الذي يحتضن حبه ويجعله متلهفاً للعودة اليه كلما غاب عنه ... احياناً كانت تدفعه غيرته من ماضيها لسؤالها عن زوجها المتوفي .. خصوصاً عندما تجمعهما اللحظات الحميمة وتناوشه ذكرى آخر منحته نفسها قبله .. وكانت دوماً تجيبه بابتسامة حانية متفهمة يتبعها صمت يحرق روحه ويقض مضجعه ..
في احدى المرات التي تكور فيها في صدرها كقط كسول بعد وجبة دسمة سالها بغيرة ملحة ..
- امونة ؟؟ كنتي بتحسي معاهو بنفس الاحساس المعاي دة ولا اكتر ولا اقل ؟؟ ... وما تتهربي من الاجابة زي كل مرة .. قولي وانا ما بزعل مهما كان ردك ...
كانت لحظتها تعبث بخصلات شعره الناعمة بحنان وشغف .. فتوقفت يدها عن الحركة .. وعندما رفع اليها نظرات متسائلة وجد عيناها تتأملانه بحزن افزعه ...واتى صوتها الخفيض ليعمق ندمه على الحاحه ...
- يا حامد المرحوم كان طيب شديد .. كفاية انو عرف من اول يوم انو في انسان تاني جوة قلبي .. واتقبل الوضع دة بكل هدوء وتفهم .. عمرو ما طالبني بشئ اكتر من الاديتو ليهو لانو كان متاكد اني مخلصة ليهو ولحياتي معاهو .. واني حافظاهو في بيتو وشرفو .. كان عارف انو الجواي دة شئ اكبر مني ومنو ومن زواجنا زاتو .. انا عملت كل البقدر عليهو عشان اسعدو واريحو .. وهو مقدر الشئ دة .. ولو بتسالني عن احساسي كان شنو في لحظة زي دي ما حقول ليك غير انو الشئ البحسو معاك ما حصل حسيتو في حياتي كلها ...
انقبض قلبه عندما راى دموعها .. احتضنها معتذرا وجففها لها بشفتيه المتعطشتين دوما لعصير عينيها المالح ... بثها حبه واعتذاره فعلاً لا قولاً .. وانتشى بالاصوات الصغيرة التي كانت تصدرها وتعبر بها عن رضاها ... وكانت تلك آخر مرة يحس فيها بالغيرة من شبح زوجها الراحل .. مضت ايامه معها بمذاق الشهد حتى ظن ان لاسعادة اكبر من تلك التي يعيشها الآن ... حتى تلك الليلة .. كان متوسدا صدرها في رقدته المعتادة الوادعة بين ذراعيها عندما همست في اذنه ...
- حامد ... بكرة عاوزة امشي الدكتور ..
انتفض ونظر اليها بذعر ..
- دكتور ؟؟!! ليه يا امونة ؟؟ مالك حاسة بشنو ؟؟
كان محتارا من لمعة السعادة في عينيها والابتسامة المتراقصة على شفتيها ...
- لا ابدا ً ..محتاجة اتاكد من حاجة .. ما تخاف ...
- ما اخاف ؟؟!! كيف يعني ما اخاف ؟؟ امونة انتي عارفة انا ما باحمل فيك شئ ؟؟ قولي لي حاسة بشنو ؟؟ لو في حاجة واجعاك نقوم هسة نمشي الدكتور ..
- نمشي وين نص الليل يا راجل ؟؟ وبعدين انا مافي حاجة واجعاني .. انا بس (غابّة) لي اسبوعين ..
لم يستوعب في البدء المعنى الخفي لكلماتها .. وظل ينظر اليها ببلاهة في انتظار بقية تفسيرها وقد ازدادت دهشته من ضحكاتها المكتومة التي جعلت جسدها يرتج باغراء بين ذراعيه .. ثم بدات المعاني تتسلل ببطء الى عقله ... وفي لحظة انفجر بداخله نور غمر مكامن ادراكه واضاء وجهه فخرجت منه شهقة لا ارادية وسال بصوت تجاور فيه الرجاء مع عدم التصديق ...
- امونة ... انتي حامل ؟؟!! ...
لم يكن قد فكر منذ زواجهما في امكانية حملها باعتبار السنوات الطويلة التي قضتها مع زوجها بدون انجاب .. في واقع الامر لم يكن يهتم .. فزواجه بامونة لم يكن من اجل انجاب مزيد من الابناء .. لقد تزوج بها لاجلها هي .. لا يحتاج لغير وجودها ... فهي الحبيبة والابنة والام وكل ما يرغب فيه في حياته .. لكن فكرة حملها لطفله جعلته يحلّق من السعادة .. انهال عليها تقبيلاً حتى كاد يخنقها بعناقه وهي تضحك بحبور لتصرفاته .. اخيرا عندما استطاعت الكلام اتى صوتها جاداً ..
- حامد .. كدة خلينا نمشي الدكتور اول ونتاكد .. ممكن ما يكون حمل .. احتمال اكون خلاص قطعت عشان كدة دورتي ما جات ....
في عيادة الطبيبة جلس حامد وهو يشعر باضطراب في معدته وقلق شديد عبرت عنه دقات عصاته المتواترة على الارض ...
- مبروك يا حاج .. المدام حامل ...
نزلت كلمات الطبيبة بردا وسلاما على قلبه الملهوف ... احس وكانه يبشر باول طفل في حياته ... وغرقت امونة في بحر من الدلال طيلة شهور حملها التي مرت كالحلم .. وكانت خلالها تزداد جمالاً كلما انتفخ بطنها .. واختل ميزان العدل لدى حامد الذي اصبح يقضي معظم وقته في بيت حبيبته متجاهلاً غضب السرة وثورة نعمات ... كان يقيس تقدم حملها بيديه ومشاعره التي تأججت حتى لم يعد يحتمل فيضانها ... احس كأن الدنيا قد ضحكت له أخيراً بعد طول عبوس ... طارت الايام وتبعتها الشهور وحمل امونة يتقدم بسلاسة ... عندما حان موعد ولادتها اصبح حامد كطفل صغير يترقب حلول العيد ... وٌلد الامين في ظهر يوم صيفي حار .. ونحرت لمقدمه ست عجول وعشرات الخرفان ووزعت بسخاء على المساجد وبيوت الفقراء ... كان حامد يعيش حالة من عدم التصديق لمقدم الولد الذي تمناه طيلة عمره من المراة التي يعشقها ...
عندما اكمل الامين اسبوعه الاول .. توفيت امونة بعد ان باغتتها حمى نفاس غادرة ظلت تصارعها لمدة ثلاثة ايام قبل ان يستسلم جسدها النحيل لترحل مخلفة وراءها زوجاً على حافة الجنون ورضيع رفض تقبّل غياب امه فقرر اللحاق بها بعد عدة ايام .. بكى حامد كالنساء وتحول الى شبح حزين غاضب .. عافت نفسه الاكل والشرب والكلام ... قضى ايام العزاء شارداً في عالم آخر لم يستطع أي كان اختراق اسواره .. بعد انفضاض الجمع انزوى في احدى الغرف البعيدة معتزلاً الجميع ... خرج بعد شهر وقد تغير كل شئ فيه الى الابد ... بدأ وكأن عمره قد زاد عشرون سنة دفعة واحدة فقدت عيناه بريقهما المعتاد .. واكتست تعابيره بجمود مخيف .. لم يعد يحتمل البقاء مع الناس .. قام ببناء غرفة ملحقة بالديوان خارج المنزل ومنع الكل من دخولها ... اصبح عالمه محصوراً بينها وبين بيت حبيبته الراحلة الذي خصص له خادمة تقوم بتنظيفه يومياً .. اضاءة الانوار واطلاق البخور .. اصبح المكان مزاراً يهرب اليه كلما احرقه الشوق .. يجلس طويلاً مع امونة ..يقص عليها احداث يومه ويبثها لوعته على فراقها الذي احرق روحه وجعلها رماد .. ويبكي بوجع غدر القدر به للمرة الثانية..
استيقظت نعمات ونظرت حولها بدهشة .. في البداية لم تستطع تحديد مكان وجودها .. ادارت راسها بتعب لتفاجأ بوجود حامد جالساً في كرسي بالقرب من سريرها .. كانت عيناه المغمضتان وراسه المستند على ظهر الكرسي تدلان على نومه .. على ضؤ الغرفة الشاحب رات نعمات اللمعة على خديه النحيلين .. اغمضت عينيها وفتحتهما مرة اخرى .. فوجدت ان دموع زوجها لم تكن وهماً ولا خيالاً .. اجتاحتها فرحة عارمة انستها سبب وجودها في هذا المكان .. يكفيها ان حامد بقى بقربها طيلة الليل .. وانه قلق لاجلها حد البكاء .. فهي لم تره يبكي الا لاجل امونة .. وبكاؤه من اجلها يعني لها الكثير .. نادته بصوت متحشرج ..
- حامد ... حامد ..
عندما لم يتجاوب مع صوتها الضعيف حاولت ان ترفع يدها لتهزه قليلاً .. لكن يدها رفضت ان تطاوعها .. احست بها ثقيلة كالحجر وملتصقة بالفراش .. انتأبها الفزع وحاولت مرة اخرى .. ومع كل فشل كان فزعها يزداد .. بدات تنتحب بصوت عال ايقظ حامد من حلمه التعيس عن وفاة امونة ركض خارجاً وطلب الطبيب الذي اتى مسرعاً ...
- دي نتيجة متوقعة بعد الارتفاع المفاجئ في الضغط وبالصورة دي .. لكن ما تقلقوا دي مرحلة مؤقتة وانشاء الله كل شئ يرجع مع العلاج الطبيعي ..
رفضت نعمات البقاء في المستشفى واصرت على العودة الى بيتها فامتثل حامد لرغبتها ورتب لحضور اختصاصي العلاج الطبيعي الى البيت يومياً .. في اسبوعها الاول كان التقدم بطيئاً لكنها استطاعت تحريك يديها بعناء .. ساد البيت جو من الحزن الممزوج بالخوف .. واصبحت نادية كالشبح الهائم وهي تحوم خارج غرفة امها التي رفضت رؤيتها ومنعتها من الدخول اليها .. كان الاحساس بالذنب يفتك بها ..ففرضت على نفسها سجناً اختياريا وامتنعت عن الخروج من المنزل بتاتاً اتصلت بزاهر واخبرته في مكالمة هاتفية قصيرة عن الاحداث التي تلت معرفة امها بزواجهما وقرارها بالامتناع عن الحضور الى الجامعة حتى شفاء والدتها ... لم تفلح كل محاولاته لثنيها عن نيتها فطالبها بان تتصل به كلما واتتها الفرصة ... لكن وجود والدها المستمر بالبيت اضافة الى سيل الضيوف الذي لم ينقطع جعل معاودة الاتصال مستحيلة خصوصا بعد ان امرت نعمات بوضع الهاتف في غرفتها ... كان مرض امها ورفضها رؤيتها يذبحها ويشعرها بفداحة ما ارتكبته ... اعتادت على تحين فرص نومها لتتسلل على اطراف اصابعها وتتاملها بحزن ... تنسحب بسرعة عندما يهدد بكائها المكتوم بفضح وجودها .. فتهرب الى غرفتها لتجلس وحيدة وهي تعاني خوفها من مستقبلها المظلم ..
في الاسبوع الثالث بدات حركة نعمات تزيد .. وبشرها الاختصاصي بان استجابتها للعلاج جيدة وقد تنقضي فترة قصيرة حتى تعود الى طبيعتها ... كانت تحس بالملل من البقاء وحيدة في وضع ثابت لا يتغير .. فرفعت صوتها منادية ...
- اميرة ... يا اميرة ..
ظهرت هادية في فتحة الباب وسالت امها بحنان اصبح سمتها منذ مرض امها ...
- عاوزة حاجة يا امي ؟؟ اميرة دي مشت تشوف حبوبة العينة قالوا عيانة شديد ومودينها المستشفى ..
ابتسمت لها بفرح وهي تفكر بان مرضها ثمن بخس تدفعه لاستعادة حب ابنتها المتمردة ..
- تعالي يا هادية اسنديني .. عاوزة اقعد شوية ضهري وجعني من الرقدة الكتيرة .. نادية وين ؟؟ ..
- نادية ساكنة جوة الحمام من صباح الرحمن !! ..
رفعت نعمات راسها بحدة للجملة التي نطقتها هادية بلامبالاتها المعتادة
- ساكنة جوة الحمام ؟؟!! .... بتعمل شنو ؟؟ بتستحمى يعني ولا شنو ؟؟!! ...
- والله ما عارفاها يا امي .. لكن زي سمعت صوتها بتستفرغ .. ولمن سالتها قالت مافي حاجة ...
احست نعمات بتنميل في راسها وبرودة في اطرافها وموجة دوار تهاجمها ..
- اديني حبة الضغط سريع يا هادية .. اهي العلبة الفي راس الكمودينو دي وامشي نادي لي نادية ..
وضعت الحبة تحت لسانها ... اغمضت عينيها واسندت راسها على الوسادة وهي تدعو في سرها ان يكون ما خطر ببالها مجرد وهم صوره لها عقلها القلق .. لكن هيئة نادية التي دخلت الغرفة بخطوات مترددة اكدت ظنونها ... كانت تبدو مخيفة بوجهها الشاحب ودوائر سوداء عميقة تحيط بعينيها .. فقد شعرها الطويل حيويته ولمعانه وتدلى باهمال وراء ظهرها .. برزت عظام كتفيها اعلى جسدها الهزيل .. تاملتها نعمات بدقة من راسها وحتى اخمص قدميها .. لمعت في عينيها نظرة ادراك خبيرة رفعت صوتها المحبط وامرت ابنتها الصغرى ..
- هادية .. اطلعي واقفلي الباب وراك .. اقعدي في الصالة وما تخلي أي زول يدخل علينا الا اميرة .. فهمتي ؟؟ ..
- طيب ولو ابوي جا يشوفك اقول ليهو شنو ؟؟!! ..
- قولي ليهو راسي وجعني شديد وبلعت حبوب وما عاوزة زول يزعجني ..
رمقتهم هادية بنظرة مليئة بالتساؤل ثم استدارت خارجة واغلقت الباب خلفها بهدؤ ..
بدات نادية ترتجف بعنف وسالت دموعها غزيرة امام النظرات الغاضبة المتهمة ..
- تعالي اقعدي في الكرسي الجنبي دة ..
اطاعتها بخوف وبدات تتكلم بصوت مهتز تقطعه تشنجات البكاء ...
- امي عليك الله ما تنفعلي .. كل الانتي عاوزاهو بسويهو ليك .. انا حتى الجامعة ما مشيت من يوم ما انتي رقدتي ولو عاوزاني اخليها خالص بخليها .. حاعمل أي شئ بس انتي ترضي علي .. انا ما بتحمل غضبك ...
قاطعتها نعمات بسؤال مباشر ...
- انتي حامل مش كدة ؟؟..
بهتت نادية ونظرت الى وجه امها الجامد بعينين متسعتين .. ثم عجزت عن مواجهتها فاطرقت بحرج وهي تتمنى لو تنشق الارض وتبتلعها ...
- اتكلمي يا بت .. آخر مرة دورتك جات متين ؟؟ وهسة متاخرة كم عن مواعيدها ؟؟ ..
- مر شهر وشوية من آخر مرة جاتني ...
انقطع الحوار المؤلم بفعل طرقات ناعمة على الباب فتح على اثرها وظهر راس اميرة التي وقفت تتامل المنظر بحيرة .. فوالدتها رفضت كل محاولات نادية للاعتذار ومنعتها من دخول غرفتها .. جلستهما الآن سوياً لا تبشر بخير ..
- ادخلي يا اميرة واقفلي الباب .. تعالي جيبي التلفون واتصلي لي بامي ...
كانت يد نعمات بالكاد تقوى على رفع سماعة الهاتف .. خرج صوتها خشنا ومبحوحاً وهي تخاطب والدتها ...
- امي .. عاوزة اجي اقعد عندكم كم يوم .. لا ما براي .. انا ونادية لكن ما عاوزة أي زول يعرف اننا عندكم ..
كان الصوت من الطرف الآخر ينبعث عالياً ومنزعجاً ليبدد صمت الحجرة اثناء سكون نعمات ...
- لا يا امي ما اتشاكلت مع حامد ولا السرة ولا مع أي زول تاني .. بكلمك بالموضوع لمن اجي .. وزي ما اتفقنا .. مافي جنس مخلوق يعرف اننا عندكم ..
عندما انهت المكالمة كانت في عينيها نظرة غريبة .. ومصممة ..
- وينها ورقة الزواج العرفي بتاعك ؟؟ ولا كمان مافي ورقة وعرستي شفهياً ؟؟ ..
قفزت نادية من جلستها بلهفة ..
- في ورقة يا امي .. انا وريتها لاميرة وكمان كان في شهود حاضرين لمن عملناها ومضوا فيها .. دقيقة اجيبها ليك تشوفيها ...
- خليك قاعدة قبلك ... امشي يا اميرة جيبيها ...
كانت اميرة تراقب تصرفات والدتها باستغراب حقيقي ... فهي لم تكن تتوقع منها هذا البرود في التعامل مع مشكلة نادية العويصة ... عندما احضرت الورقة الصغيرة المطوية بعناية .. فتحتها نعمات وظلت ممسكة بها امام عينيها فترة طويلة حتى خيل للفتاتين انها قد نسيت وجودهما .. اخيرا اطلقت تنهيدة عميقة .. رفعت راسها نظرت اليهما وانهمر سيل الاوامر ..
- نادية .. قومي جهزي شنطة صغيرة ختي فيها هدوم تكفيك اسبوع او عشرة يوم بالكتير حتمشي تقعدي معاي عند ناس امي لغاية ما نشوف حل للورطة الدخلتينا فيها دي .. وانتي يا اميرة جهزي شنطتي وما تنسي الادوية وبعد ما تخلصي نادي لي ابوكي ... والكلام الدار جوة الاوضة دي يندفن قبلو ... مافي واحدة فيكم تجيب سيرتو ..
لم تتحرك أي منهما وظلتا تنظران اليها بحيرة ..
- اتحركي يا بت انتي وهي سريع .. مالكم ؟؟ عاوزني اترجم ليكم الكلام دة بلغة تانية عشان تفهموه ؟؟ ...
في لحظات تحولت الغرفة من حالة الجمود التي سيطرت عليها الى حركة دائبة .
- عاوزة تمشي تقعدي عند اهلك ليه يا نعمات ؟؟ الناقصك هنا شنو ؟؟ لو محتاجة أي حاجة كلميني وانا اوفرها ليك ..كيف يعني تمشي بيت اهلك وانتي بالحالة دي ؟؟ والعلاج بتاعك حتوقفيهو ولا كيف ؟؟ وسايقة معاك نادية لشنو .. البت دي ليها قريب شهر ما مشت جامعتها .. مش مفروض بعد دة تمشي تشوف الفاتها شنو ؟؟
كانت اسئلة حامد تندفع من فمه بانزعاج بعد ان عاوده مرة اخرى احساس الذنب والتقصير تجاه زوجته التي ما ان اظهرت عليها بوادر التحسن حتى عاد هو الى معتزله واكتفى بزيارتها يوميا لفترات قصيرة خصوصا بعد ان احس بعدم رغبتها في الحديث معه وتظاهرها احيانا بالنوم كي تتخلص من وجوده ..
- ما ناقصني شئ يا حامد .. لكن انا زهجانة من الحبسة هنا براي ومحتاجة اغير جو .. قلت امشي ناس امي كم يوم .. ما بقطع العلاج .. انت اتفق معاهو يجيني عند ناس امي في نفس المواعيد .. ونادية سايقاها عشان تخدمني .. انت عارف امي في البيت براها وبقت مرة كبيرة وما بتقدر على الخدمة .. وكان على الجامعة ما مشكلة .. هي غابت دة كلو .. يعني ما جات ليها على اسبوع تقعدو معاي .. وبعدين اميرة بقت في عصمة راجل .. يعني ما بقدر اسوقها كدة ساكت .. وانا بكون مطمنة لمن اخليها وراي عشان تراعي هادية والبيت ...
احس حامد بجو غريب يحيط بزوجته لكنه لم يستطع تحديده .. ربما لانها تتفادي النظر اليه مباشرة لقد اعتاد ان يقراها من عينيها الصافيتين اللتين تعكسان كل ما يدور داخلها بشفافية .. تعمدها تجنب نظراته اشعره بانها تخفي شيئا ما لكنه لم يشأ الضغط عليها لمعرفته مراعاة لحالتها الصحية ..
- خلاص يا نعمات .. اذا مشيك هناك حيريحك انا ما عندي مانع ... وفي أي لحظة تحتاجي أي شئ او عاوزة ترجعي اتصلي بي ..
حال وصولهم الى بيت جديها .. انعزلت نادية في الغرفة التي خصصت لها مع والدتها .. جلست منكمشة تستمع الى الاصوات المنفعلة الغاضبة تاتيها من الغرفة الاخرى التي اجتمعت فيها امها مع خالها وجدتها حال وصولهم .. وقد ادركت بانها هي موضوع الحديث .. احست بالخوف والوحدة .. فبرغم رد فعل امها الهادئ الى حد ما .. الا ان كل الدلائل تشير الى نوايا اخرى مبيتة .. مرت عليها اللحظات كالدهر وهي متكورة في طرف السرير تتحسس بطنها الذي يحمل ثمرة اللقاء الاخير بينها وبين زوجها .. انتابتها مشاعر متناقضة ما بين الحب لهذا الكائن الصغير الذي اتى على غفلة والخوف من وجوده .. لقد تاكدت من حملها بعد ان غابت دورتها عن مواعيدها المعتادة واصبح الاستيقاظ صباحاً اكثر صعوبة .. عافت نفسها الاكل وحتى اللقيمات الصغيرة التي تزدرها على مضض لا تستقر في معدتها الا لدقائق قليلة تركض بعدها الى الحمام لتلفظها .. كما بات انفها حساسا تجاه الروائح لدرجة مزعجة .. فلم تعد تتحمل حتى عطورها التي كانت تفضلها .. وبرغم ذعرها مما يحدث لها .. الا انها احست بفخر خفي كونها تحمل طفل الرجل الذي تعشقه بجنون ...
قفزت من جلستها عندما فتح باب الغرفة فجاة .. ولم تنتبه لدموعها التي اغرقت وجهها حتى سمعت صوت جدتها المؤنب ...
- بتبكي ؟؟!! .. بتبكي على شنو يا نادية ؟؟ على الفضيحة العاوزة تفضحينا ليها .. دي عملة تعمليها يا بت ؟؟!! ...
قاطعتها نعمات التي دخلت مستندة علي ذراع شقيقها بلهجة محذرة ..
- امي .. احنا مش اتفقنا خلاص ؟؟ مافي داعي للكلام دة .. الحصل حصل .. خلونا في المفيد .. خشوا واقفلوا الباب دة مافي زول يجي يسمعنا ..
- ما تخافي .. انا قفلت باب الشارع بالترباس وحذرت الشغالة ما تفتحوا لاي زول ..
التفتت نعمات الى ابنتها الوجلة وخاطبتها ببرود ...
- نادية .. احنا مبدئياً ما عندنا مانع انك تتزوجي الزول دة بصورة رسمية .. لكن في الوقت الحالي قررنا انك لازم تنزلي الفي بطنك ..
خرجت من نادية آهة مكتومة وتراجعت خلفاً وهي تضع يديها على بطنها بصورة حمائية ...
- اسمعيني كويس يا بت احنا عاوزين نلم الفضيحة ونستر روحنا ..
- حرام يا امي .. حرام عليكم .. انتو مش خلاص قلتو موافقين على زاهر ؟؟ يعني ما حتكون في فضيحة ... لو عملنا العرس هسة وانا لسة في بداية الحمل مافي زول حيعرف حاجة ..
تخلت نعمات عن برودها وانفجر غضبها لدى سماعها اسم زاهر ..
- تحرم عيشتك يا فاجر يا قاهر .. هو انتي بتعرفي الحرام ؟؟ لو كنتي بتعرفي جد كنتي عرفتي انو الفي بطنك دة جنى حرام .. ايوة يا فاهمة يا متعلمة يا بتاعت الجامعة .. ما علموك انو ما بٌني على باطل فهو باطل ؟؟ الشيخ السالتيهو ... دة لو صحي سالتي شيخ ما وراك انو البت البكر ما بيصح زواجها الا بوجود ولي امرها وعلمه وموافقته ؟؟ انتي ابوك عايش على وش الدنيا ومشيتي عرستي زي بنات الشوارع ... يبقى عرسك باطل .. وعلاقتك بالعواليق بتاعك دة زنا في زنا .. والفي بطنك دة جنى حرام .. فهمتي ولا افهمك زيادة ؟؟ ..
ارتج جسد نادية النحيل بعاصفة من النحيب الهستيري .. وانكمشت في زاوية الغرفة كأنها تحاول ان تنحت جسدها داخل الجدار لتحمي طفلها .. تبادل خالها نظرة متواطئة مع شقيقته ثم تقدم نحوها ببطء .. احتبس صوتها واتسعت عيناها ...انحنت لتغطي بطنها بيديها وهي تنتظر الضربات الموجعة التي ستسقط طفلها... لكن لدهشتها الشديدة وضع يده على كتفيها وامسكها برفق وهو يوجه خطواتها نحو السرير .. اجلسها بقربه وخاطبها بصوت هادئ ..
- اسمعي يا نادية .. انتي دخلتينا كلنا في مشكلة كبيرة ولازم نلقى ليها حل .. ابوك لو عرف ابسط حاجة حيعملا انو يطلع مسدسو ويفرغو فيك وفي الزول دة ويدخل السجن .. وممكن اميرة اختك تتطلق بسبب الموضوع دة لانو اهل ابوك ديل ناس صعبين وما بيغفروا الحاجات الزي دي .. عشان كدة احنا حنقعد مع بعض ونتشاور ونشوف نعمل شنو اول حاجة لازم نفكر كيف نقنع ابوك انو يوافق على الزول دة .. وانتي عارفة دي مهمة صعبة شديد وممكن تاخد زمن طويل .. انا مستعد اقيف معاك واساعدك .. لكن على شرط انك تنزلي الطفل لاننا ما عارفين متين حنقنع ابوك والمسالة ممكن تاخد شهور على بال ما نمهد ونتكلم براحة براحة وبالتاكيد في الفترة دي حملك حيظهر ... يا نادية احنا طول عمرنا ناس مستورين .. وما حنقدر نوضح لكل الناس انك حملتي من زواج شرعي لانو الناس عليها بالظاهر .. وانتي قدامك العالم كلو لسة بت ما متزوجة ... يعني الرشاش حيطالنا كلنا وتاني مافي زول فينا حيقدر يرفع راسو في أي حتة ... انتي لسة صغيرة وقدامك العمر كلو عشان تجيبي العيال العاوزاهم .. ويا ستي بكرة لمن تتزوجي زاهر بصورة رسمية اولدي جيش ومافي زول حيكون عندو عندك حاجة .. لكن حاليا الطفل دة لازم ينزل .. اها قلتي شنو ؟؟ موافقة على كلامي دة ؟؟ ...
احست نادية بالاطمئنان للهجة خالها الهادئة وكلماته الموزونة المقنعة .. دارت نظراتها وهي ترى اللهفة في العيون التي تنتظر ردها .. فاومات ايجاباً .. وخرجت تنهيدة راحة من جميع الافواه ..
- خلاص دة انتهينا منو .. الشئ التاني زاهر لازم يجي يقابلني ويجيب معاهو الورقة البتثبت زواجكم عشان نتناقش ونشوف حنقدر نعمل شنو وكيف نقنع ابوك ... يعني بعد ما نخلص من موضوع العملية وتشدي حيلك .. تتصلي بيهو وتخليهو يجينا هنا .. الكلام دة كويس معاك ؟؟
انفرجت اسارير نادية واحست براحة تغمره جسدها المتوتر فارتمت في احضان خالها الذي احتضنها بيدين متخشبتين وما لبث ان هب واقفا وهو يخاطب امه ...
- امي .. انتي شوفي موضوع الداية وخليها تجي بكرة ولا بعدو بالكتير .. واكدي عليها انو الموضوع دة لو طلع برة انا بدفنها حية ..
- ما تخاف .. الداية دي زي اختي .. انا بثق فيها وانتو كلكم اتولدتوا على ايديها .. بطنها غريقة .. وياما حفظت اسرار اسر وحافظت على بيوت من الخراب ... انا بمشي ليها بنفسي وبخليها تجي بكرة بعد المغرب .. وزي المواعيد دي حيكون كل شئ انتهى ...
احتاجت نادية اسبوع كامل حتى تتعافى من آثار العملية المزدوجة .. كان اكثر ما يؤلمها الجلسات الطويلة في الماء الحار المملح حتى تلتئم جروح عملية الختان التي اجريت لها عنوة وبدون استشارتها .. لقد انتبهت للهمس الدائر بين امها وجدتها والقابلة العجوز .. لكنها لم تعرف فحواه الا عندما استلقت شبه عارية وهي تنظر بدهشة للادوات الت تخرجها القابلة من حقيبتها .. شفرات .. خيوط .. ابر معقوفة .. ومقص .. دفعها خوفها لمحاولة الجلوس .. لكن وجدت نفسها مثبتة بيدي امها وجدتها التي همست في اذنها ..
- اركزي يا بت .. لازم نطهرك عشان القص والخياطة يدسوا اثر العملية ..
تمتمت بذهول ..
- تطهروني ليه ؟؟ .. وندس اثار العملية من منو .. زاهر عارف.. تاني شنو ؟؟
رمقتها نعمات بنظرة غاضبة تشع حقداً وهي تضغط بيدها الضعيفة على كتفها ..
- انتي يا بت عاوزة تجلطيني تاني ؟؟ ولا المرة دي عاوزة تقتليني عديل ؟؟ اقفلي خشمك دة واسكتي ساكت .. احنا عارفين مصلحتك اكتر منك ...
الجم الاحساس بالذنب وخوفها من غضب امها لسانها وحركتها وهي تحس بطعنات الابرة تغوص عميقا في لحمها ... تفصد العرق غزيراً من جسدها حتى احست بانها تغرق فيه .. وانقذها فقدانها للوعي من أي احساس آخر ...
عندما اصبحت قادرة على الوقوف والمشي بدون مساعدة .. حضر اليها خالها مرة اخرى بنظراته المتواطئة ويديه المتخشبتين ..
- اتصلي بالزول دة وخلي يجي يقابلني بكرة بعد صلاة العشا .. واهم شئ يجيب الورقة البتثبت زواجكم معاهو ...

جاكس
06-11-2012, 04:55 AM
احست نادية بفرحة طاغية تجتاحها وتملا الفراغ الذي سكن اعماقها منذ ان وافقت على قتل جنينها سارعت الى الهاتف تحت مراقبة ثلاثة ازواج من العيون الجامدة .. كانت اصابعها ترتجف وهي تطلب الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب ..
- الو .. ممكن اكلم زاهر ؟؟ قول ليهو نادية ...
اتاها صوته مليئا باللهفة والقلق ..
- نادية ؟؟!! .. انتي وين ؟؟ انا كنت خلاص قربت اجن .. ليه عملتي فيني كدة ؟؟ مش احنا متفقين انو مهما ساءت الظروف برضو توريني الحاصل شنو ؟؟ يا نادية ...
قاطعت سيل كلماته بصوت ناعم ..
- زاهر .. معليش انا لي كم يوم جيت مع امي عند حبوبتي وما لقيت طريقة اتصل بيك امي وخالي وافقوا على زواجنا .. تعال بكرة بعد صلاة العشا عشان تقابل خالي ..
قفز قلبها عندما سمعت شهقته تاتيها حارة وتذكرها بشهقات اخرى حفرها في اذنها واذابها بها .. عندما طال صمته نطقت اسمه بهيام ...
- زاهر .. سمعتني ؟؟ قلت ليك ...
قاطعها صوته الباكي ..
- سمعتك يا نادية .. سمعتك .. بس ما قادر اصدق البسمعو منك ..
- صدق يا زاهر .. اخيرا ربنا استجاب لدعواتنا وحنبقى مع بعض لغاية آخر يوم في عمرنا بكرة جيب معاك ورقتك ..خالي عاوز يشوفها عشان يتاكد اننا فعلا اتزوجنا .. ما تتاخر .. تعال بعد الصلاة طوالي ...
ليلتها لم يغمض لها جفن .. استغرقتها احلام اليقظة التي غذاها شوقها الجارف الى زوجها بنار احرقت جلدها .. كانت تحس بانها تسبح في غمامة ناعمة وصورة مستقبلها مع زاهر تتراقص امام عينيها ... تمدد الزمن وتمطت ساعات النهار بكسل يتحدى لهفتها ... قضت الوقت وهي تحاول تحسين منظرها المزري .. وعندما نظرت الى المرآة لترى نتيجة جهودها .. صدمتها صورة عظامها الناتئة وملامح وجهها الشاحب الهزيل .. انتابها القلق من ان يراها حبيبها بهذا الشكل .. وذابت مخاوفها عندما التقت عيناهما لحظة دخولها الغرفة ورات الحب والشوق يشعان منهما بوضوح ....بدا انيقاً وسيماً برغم فقدانه الكثير من وزنه .. كان يتقدم نحوها ماداً يده عندما اوقفه صوت خالها الصارم
- اقعد يا زاهر وخلينا نتفاهم ..وينها ورقتك كدة خليني اشوفها ...
جلس زاهر بارتباك بينما ظلت عيناه معلقتان بنادية التي خافت من خذلان ساقيها فجلست في اول كرسي صادفها وهي تراقب كل حركة من حركات زاهر الذي اخرج من جيب قميصه مظروف ابيض مطوي بعناية .. فتحه بحرص واخرج منه ورقة صغيرة شبيهة بورقتها التي يمسكها خالها بين يديه فتحها ببطء وناولها لليد الممدودة ... كان جميع من في الغرفة يتابعون حركة الرجل الطويل الممتلئ الذي نهض من جلسته المتململة ممسكاً كل ورقة بيد واتجه بخطوات واسعة الى نهاية الصالون الفسيح وقف بالقرب من النافذة التي تحتل مساحة كبيرة من الجدار .. اخرج علبة سجائره وضع اللفافة بين شفتيه واخرج قداحته .. وبهدؤ اشعل النار في الاوراق التي استقرت في يده اليمين ورمى بها داخل مزهرية فارغة بالقرب منه .. صرخت نادية وقفز زاهر على قدميه بينما ارتسمت ابتسامة راحة على شفتي نعمات وامها .. عندما وصل زاهر الى حيث يقف الخال كانت الاوراق قد اصبحت بقايا متفحمة قبض عليها فتفتت في يده وتحولت الى قطع صغيرة تطايرت في كل الاتجاهات وقف زاهر مذهولاً بفم مفتوح وعينان امتلاتا بالدموع .. وخرجت كلماته مختنقة ..
- ليه كدة يا خال ؟؟ ليه حرقت الاوراق ؟؟!! ...
اتاه الرد من الجدة الحانقة ...
- خال ؟؟ خلال الشوك اليشق حلقك .. خالك بوين ؟؟ والله انت لو ما الزمن صحي بقى كعب ما كان واحد زيك قدر يغش على بتنا الماصلة المفصلة ويعرسها ..
تجمد زاهر في مكانه وبدا عرق غاضب ينتفض في اعلى جبينه .. حاولت نادية التحرك من جلستها لكنها احست بكل عصب في جسدها قد تحول الى هلام لا تملك السيطرة عليه .. خرجت كلمة الاحتجاج الوحيدة من شفتيها بالم ..
- حبوبة ..
التفتت اليها نعمات بغضب متفجر وقد اختفى كل برودها الذي تعاملت به منذ بداية الموضوع ..
- الحب اليخنقك يا فاجر يا ام عينا بيضا .. انتي صدقتي اننا كنا حنخليك تعرسي الجربوع دة ؟؟ والله لو اقطعك وارميك لكلاب الشارع ما اخليك تفضيحنا وتكسري ضهرنا وتبقينا لبانة في لسان اليسوى وما يسوى .. عاوزة تشمتي فيني السرة وتخليها تقول اني فعلا ما عرفت اربي ؟؟ عاوزة تجبري ابوك حامد ود العمدة يخت يده في يد الغرابي ؟؟ !! ...
كانت الكلمات تنزل على زاهر كسياط من نار تخترق جلده ويصل المها حتى عظامه .. حاول ان يتماسك من اجل حبيبته التي كانت تنتحب بهستريا .. خرج صوته قوياً رغم الالم .. حاداً رغم الهوان ... ثائراً برغم الامتهان ...
- اسمعوني كلكم ... انتو قايلين روحكم شنو ؟؟!! احسن ناس في الدنيا دي ؟؟ ربنا ما خلق غيركم ؟؟ مافي زول زيكم ؟؟ رافضني ليه ؟؟ بتهينوني بالصورة دي ليه ؟؟ عشان ما لونكم ؟؟ بتعاقبوني عشان شكلي ما بشبهكم ؟؟ عشان قبيلتي ما قبيلتكم ؟؟ بلاهي انتو مسلمين انتو ؟؟ انا الله خلقني كدة وخلقكم كدة ... لكن انا ما اقل منكم .. ولا انتو احسن مني .. وما تفتكروا عشان حرقتوا الورق معناها خلاص الموضوع انتهى .. نادية مرتي وبشهادة شهود ..
قاطعه الخال الذي بدت ثورته في حركاته المتوترة ..
- زواجك من نادية كان غلطة وحنصلحها حالاً .. ارمي يمين الطلاق واتفضل برة .. تاني وشك دة ما عاوزين نشوفوا .. وتاكد اني لو عرفت انك حاولت مجرد محاولة انك تتصل بيها حيكون آخر يوم في عمرك ..
- اطلق ؟؟ انا اطلق نادية ؟؟ ما حيحصل ولا حتى في ابعد احلامكم .. نادية مرتي .. وحتفضل مرتي لمن اخش التراب .. ومستعد اعمل أي شئ عشان تبقى معاي .. انا حامشي البوليس وافتح فيكم بلاغ واطالب بيها عن طريق المحكمة ... والفضيحة الانتو خايفين منها دي حجيبها ليكم لغاية خشم بابكم .. وعندي الشهود ومستعد اصل لغاية الطبيب الشرعي وانشر قصتنا في الجرايد عشان اثبت انها مرتي ..
نطق كلماته الاخيرة بتحدي جعل نعمات تمتقع .. بينما ادخل الخال يده في جيبه واخرجها بحركة مفاجئة وهي تحمل مسدس صغير لامع .. تراجع زاهر خلفاً وتعالت صرخات نادية الفزعة ...
- انت بتهددنا يا كلب ؟؟ بتهدد اسيادك ؟؟!! .. حتطلقها .. حتطلقها ورجلك فوق رقبتك .. لو عاوز تطلع من البيت دة حي حتطلقها .. ارمي اليمين وغور في ستين داهية ...
ثبت زاهر في وقفته كالطود وعقد ذراعيه حول صدره وهو ينظر الى نادية المنكمشة في كرسيها بالم وخرج صوته كالفحيح ..
- انت قايل روحك بتخوفني بمسدسك دة ؟؟ انا ما بخاف .. اقتلني لكن ما بطلقها .. اضرب .. لكن طلاق ما بطلق ونادية حتفضل مرتي غصباً عنكم .. وحاعلن زواجي بيها في كل مكان .. حاخلي السودان كلو يعرف انها مرتي ... واعلى ما في خيلكم اركبوا ...
قفزت نادية من كرسيها برعب وهي تسمع صوت قفل الامان في المسدس يحرر استعدادا لاطلاقه ..
- لا يا زاهر ما تفضحني وتفضح اهلي .. طلقني .. انا عاوزة الطلاق ... لو سمحت طلقني وخليني اخلص ..
التفت اليها الجميع بدهشة .. كانت نظرات حبيبها المفجوعة تذبحها .. لكنها لم تهتم .. سوف يكون هناك متسع من الوقت للالم فيما بعد .. ربما العمر كله .. لكنها الان سوف تنقذه مهما كان الثمن الذي يتوجب عليها دفعه ..لن تسمح لهم بقتله .. يكفي انهم قتلوا طفله وقتلوها معه .. احست بدوار قاس يحتكر احساسها ويكاد يفقدها وعيها .. لكنها تماسكت امام سؤال زاهر المذهول ..وقررت ان تلعب على وتره الحساس الذي تدرك بانه لن يسمح لاي كان .. ولا حتى هي بمسه .. وتر كرامته التي يعتز بها كثيراً ... سوف تحميه من اهلها بالطريقة الاكثر ايلاما لها .. وله ...
- نادية ؟؟ انتي بتقولي طلقني وبتسمي اعلان زواجنا فضيحة ؟؟ مش دة الشئ الكنا عاوزينو انا وانتي من يوم ما عرفنا بعض ؟؟ حصل ليك شنو .. خوفوك ؟؟ ضغطوا عليك عشان تقولي الكلام دة مش كدة ؟؟ لكن انا قلت ليك من زمان ما بطلقك حتى لو انتي طلبتي .. لاني متاكد وواثق من حبك لي زي ما انا واثق من حبي ليك .. عارف انك بتقولي الكلام دة من ورا قلبك ..
انحدرت دموعها حارة على خديها الشاحبين .. اغمضت عينيها بقوة حتى تستجمع شجاعتها ... خرجت كلماتها مهتزة .. لكنها واضحة ...
- اسمع يا زاهر .. بصراحة انا القلت لاهلي عاوزة الطلاق واتفقت معاهم على كل حاجة
لم تبال بالصوت المجروح الذي خرج منه عنوة .. ولا بنظرات الدهشة التي تبادلها الجميع وواصلت بتصميم ..
- انا في البداية كان عاجبني الموضوع .. الطريقة الحبيتني بيها اشبعت غروري .. ما حانكر اني حبيتك ... بس ما لدرجة اني اضحي باهلي عشانك .. ولا بالعريس المتقدم لي لانو ما بتعوض ...
كانت دموع زاهر تنزل كماء النار على جروح روحها المعذبة .. توترت انفاسها وهي تجبر الكلمات على الخروج من شفتيها الجافتين ...
- تعرف انا اتاكدت اني فعلا ما عاوزة اواصل معاك متين ؟؟ لمن عرفت اني حامل ؟؟
خيم صمت ثقيل على الغرفة .. كانت النظرات الموجهة الى نادية تحمل معاني متباينة ... اكثرها تعبيرا تلك التي ارتسمت على وجه زاهر فتقدم نحوها وهو يتمتم ..
- نادية انتي حامل ؟؟ ليه ما كلمتيني ؟؟ دة السبب المخليك تطلبي الطلاق مش كدة ؟؟ مفتكرة اني ما اوفيت بوعدي ليك ؟؟ والله يا نادية ما اتعمدت اعمل كدة .. الشئ دة حصل غصبا عني لمن اميرة ...
قاطعت تقدمه برفع يد مرتعشة في وجهه .. وكلمات لا تقل عنها ارتعاشاً ...
- كنت حامل يا زاهر .. كنت .. انا عملت عملية ونزلت الجنين .. ما عاوزة حاجة تربطني بيك .. الحمل فوقني من الوهم الكنت عايشة فيهو .. وهم انو الحب ممكن يخليني اتغاضى عن الفروقات البيني وبينك .. انا ما بقدر اعيش حياتك يا زاهر .. وانت ما حتقدر تعيشني في المستوى الانا اتعودت عليهو .. عشان كدة لو سمحت طلقني .. اذا انت فعلا بتحبني زي ما بتقول وعاوز سعادتي ... يبقى طلقني .... طلقني يا زاهر ما عاوزاك .. طلقني ..
وقفت جامدة وهي تدعو بحرارة في سرها ان تكون قد اجادت التمثيل واقنعت حبيبها برفضها له .. باستطاعتها ان تتحمل بعده وفراقه .. لكنها لا تستطيع ابدا ان تتحمل موته ... بسببها .. وبيد خالها..
تعمق الصمت اكثر بعد كلماتها الباكية ولم يقطعه سوى انفاس زاهر العالية المضطربة .. ظل ينظر اليها لفترة طويلة وهو يامل بان تخبره بانها لا تعني ما تقول .. وانهم يجبرونها على قول هذه الكلمات السامة .. كان على استعداد للموت من اجلها .. لكنها تحاشت النظر اليه بالتحديق في كفيها المتقاطعتين بقوة ابيضت لها مفاصلها ... واقنعه صمتها المصمم بجدية طلبها ... رفع راسه بكبرياء تصلبت ملامحه وخرج الهواء حاراً من انفه ... نظر الى الجميع باحتقار وكراهية .. ثم نطق كلماته
- نادية ... انتي طلقانة ... طلقانة .. طلقانة ...
اعتصم بما تبقى له من قوة وانسحب خارجاً دون ان يلقي نظرة الى الوراء ... تراخت اليد التي تحمل المسدس ... ارتسمت ابتسامات راحة على وجه نعمات وامها ... وانهارت نادية ارضا ما ان تاكدت من نجاة حبيبها وهي تبكي بحرقة تتخللها صرخات حادة ..
- انا بكرهك يا امي ... بكرهكم كلكم .. وما حسامحكم على العملتو فيني لمن اموت ...

الفصل التاسع عشر

انطلقت صرخات حبيبة الملتاعة لتبدد سكون الجو وتملا ممرات المستشفى الهادئ بضجيج حزين ... لم يكن مرض امها الطويل كافياً لتهيئتها على تحمل الم فقدانها .. كانت بالنسبة اليها الام والاخ والاخت والصديقة .. الصدر الحنون الذي يستقبل كل احباطاتها وحزنها وغضبها .. كانت كل ما تبقى لها من عائلتها بعد وفاة ابيها واختفاء عبد الرزاق وتعمد عبد الستار الابتعاد عنها وعن عائلتها في السنوات الاخيرة .. هذا الابتعاد الذي اراحها كثيراً .. فمع كل زيارة كانت النظرات المتبادلة بين زوجها وشقيقها تشعرها بالغثيان .. نظرات غامضة تحمل مزيجاً غريباً من الحب والكراهية وتشحن الجو بشرارات من التوتر المرهق .. كانت تحرص على عدم انفرادهما ولو لدقائق .. فهي قد تتحمل ممارسات زوجها على مضض طالما تتم بعيداً عنها ومع غرباء ... لكن فكرة وجود زوجها مع شقيقها كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال .. اصبح عدم ارتياحها وتحفزها واضحاً في كل زيارة .. وبات تواجدها الكثيف حولهما مقلقاً ... فتباعدت الزيارات حتى انقطعت عن بيتها تحديداً ... لكن من حين لآخر كانت تلتقيه عند حضوره لزيارة امهما .. ما ان يراها حتى يبدا بالتململ وسرعان ما ينتحل عذراً للمغادرة دون ان تلتقي عيناهما ...
- حبيبة !! ... دة شنو البتسوي فيهو دة ؟؟!! ... البسي توبك واستري روحك ..
كانت عبارات ابراهيم الزاجرة سبباً في انتباهها لحالتها المزرية ... فقد انفرط ثوبها عن جسدها واصبح يزحف خلفها على الارض كاشفا تضاريسها المغرية للعيون الفضولية ... لملمته حولتها وهي تنظر الى زوجها الذي بدا حزينا على رحيل امها بقدر حزنها هي ... في بداية زواجهما كانت تظنه يتظاهر بحب اسرتها ارضاء لها .. لكن مع مرور الايام تاكدت بانه يحمل مشاعر حقيقية لامها وابيها واخويها ... مشاعر ربما كانت تفوق تلك التي يحملها لها هي زوجته وام بناته .. كان يتعامل معها باحترام ويغدق عليها من المال بما يفوق طلبها واحتياجها .. لكنه ابدا لم يمنحها ما تحتاجه منه حقاً .. حبه ..
- سوقي البنات وارجعي البيت .. انا حخلص الاجراءات واستلم الجثمان واحصلكم .. واول ما توصلي كلمي الجماعة واتصلي بعم حامد عشان يجهز للفراش ..
عندما وصلت سيارة التاكسي التي تقل حبيبة وبناتها الى ناصية الشارع فوجئت بالجموع المتمركزة امام الحوش واصوات البكاء والعويل التي تصم الآذان ... اندهشت من السرعة التي وصل بها الخبر وهمست لنفسها بمرارة ...
- يا حليلك يا العينة .. ما كنت متخيلة الناس حتجي لجنازتك قدر دة .. لكن هم اكيد ما جايين عشانك .. ولا عشاني .. اكيد كلهم جايين يجاملوا ود العمدة وابراهيم ...
شقت السيارة الجموع بصعوبة وتوقفت امام الباب الكبير .. عندما ترجلت حبيبة وجدت نفسها في مواجهة بلقيس التي احتضنتها ما ان راتها وهي تبكي بحرارة وتخرج كلماتها متقطعة من بين شهقاتها العالية ..
- احي يا حبيبة من نار امي ... ووووب عليّ من حرقة السرة المشت خلتني ..
تملصت حبيبة من قبضة بلقيس وسالتها بحيرة ..
- السرة ؟؟!! السرة ماتت يا بلقيس ؟؟!! .. السرة ماتت مع العينة في يوم واحد ؟؟!! ..
توقفت بلقيس عن البكاء لبرهة وهي تنظر الى حبيبة بجزع ..
- العينة ماتت ؟؟ اماتنا ماتن في يوم واحد يا حبيبة ؟؟ ..
وبدات عاصفة هوجاء من البكاء غزتها توصيفات بلقيس وحبيبة واستمرت حتى خروج الجنازتين متجاورتين .. انهمك بعدها الجميع في التجهيز لايام طويلة من استقبال المعزين... اصرت بلقيس على جلوس حبيبة بجانبها .. ومع كل قادمة من اهلها كانت تكرر نفس الجملة ...
- عزوا حبيبة مرت ابراهيم .. امها برضو ماتت الليلة ..
كانت بعض الايدي تمتد بتردد وتوضع في راس حبيبة المحني بلمسة خاطفة لا تكاد تستقر حتى تبتعد مع انقضاء الصوت الرفيع الذي تصدره النساء مجاملة لطلب بلقيس ودون مراعاة لمشاعر حبيبة التي احست بالغضب من برود وتعالي اهل زوجها .. في نهاية اليوم قررت ان تقاطع مجلس العزاء في البيت الكبير حتى تجنب نفسها هوان المجاملة الرافضة وتمارس حزنها بالطريقة التي تستحقها العينة
كانت تشق ممرات البيت الكبير في طريقها الى منزلها عندما استرعى انتباهها صدى اصوات تعرفها جيداً .. ابطأت سيرها ولم تبذل جهداً لاستراق السمع .. فقد كانت الاصوات عالية بما يكفي لتصل اليها واضحة ..
- عليكم الله بلقيس ما بالغت ؟؟!! .. مقعدة الخادم جنبها في المرتبة وعاوزانا كمان نخت يدنا فيها ونعزيها ؟؟!! غايتو احرجتنا جنس احراج ...
- ولا احراج ولا حاجة .. انا ابيت اخت يدي في راسها ولا اباكيها .. ياهو الفضل كمان اعزي الخادم !! .. دة الا يكون آخر يوم في عمري ... والله مش كان عرست ابراهيم ود العمدة لو عرست العمدة زاتو حتفضل خادمنا .. ومن متين احنا بنعزي الخدم كمان ؟؟!! تعرفوا ... السرة الله يرحمها لو عرفت العينة دي بتموت معاها في نفس اليوم كان اجلت موتها شوية .. وكان عرفت انو ود العمدة بيدفنها جنبها ..كان خلت الموت زاتو .. يا حليلها المسكينة تلقاها هسة بتتقلب في رقدتها وما قادرة ترتاح ..
احست حبيبة بالدم يغلي في عروقها .. فتقدمت وسدت الباب المفتوح بجسدها المتوتر ونظرت الى النساء الغافلات بغضب وتحد ..
- تعرفوا انكم نسوان قليلات ادب وما مربيات وما لاقيات زول يلمكم .. عاملات فيها ربيبات الحسب والنسب وبنات الاصول .. وانتو ما عندكم شئ غير الحقد والكراهية .. وما بتعرفوا غير النميمة واكل لحم خلق الله ... انا لولا احترامي لنفسي وللظروف الحاصلة .. كنت وريتكم شغل الخدم على اصولوا .. و البتسووا فيهو انتو دة انا البتقولوا علي خادم ما بسوي زيو...
بهت جميع من في الغرفة لظهورها المفاجئ وكلماتها الحادة .. ولم تجرؤ أي من الموجودات على التفوه بكلمة .. نظرت اليهن باحتقار وقبل ان تختفي التفتت وخاطبتهن بمرارة ..
- يالحراير يا بنات الاصول .. لو ياها دي اخلاقكم انا مبسوطة اني طلعت خادم .. على الاقل الخادم عرفت تراعي حرمة الموت وما اتجاوزت حدها حتى مع ربها الخلقها .. اخي تفو عليكم ناس موهومين وتافهين وقلوبكم زي السكن ...
بصقت على الارض ثم غادرت دون ان تنتظر رداً .. ولم تعاود الظهور في البيت الكبير طيلة ايام العزاء التي امتدت لشهر كامل .. وبرغم ضغوط ابراهيم عليها لم تمتثل لطلبه وانهت النقاش بحسم..
- اسمع يا ابراهيم .. انا اهلك ديل خلاص اكتفيت منهم ومن حقارتهم لي ولاهلي .. استحملتهم سنين وسنين لكن خلاص فاض بي .. ومافي شئ تاني بيجبرني استحمل سخافتهم وعنصريتهم .. سبحان الله ديل حتى في الموت عاوزين يعملوا خيار وفقوس اها الله وراهم .. الموت ما فيهو تمييز ... والعينة الخادم ماتت مع السرة بت الاصول في نفس اليوم واتدفنت في قبر جنبها .. يكون في علمك انا البيت الكبير تاني ما ماشة والعاوزني يجيني هنا ...
لم يؤازرها في حزنها غير نعمات التي تجنبت البيت الكبير بعد فشلها في تحمل نظرات وغمزات الشماتة التي راتها سافرة في اعين اقارب السرة وهم يراقبون حركتها البطيئة التي استعادتها بعد مجهود جبار في العلاج الطبيعي .. ومن وقت لآخر تحضر رجاء التي اصبحت صورة باهتة وحزينة للمراة المرحة المحبة للحياة التي كانتها يوماً .. لقد اصابها هجران ابنتها للمنزل في مقتل ...
- يا رجاء ما تعملي في نفسك كدة .. حتموتي لو استمريتي بالطريقة دي .. انتي ما قاعدة تعايني في المراية ؟؟ ما شايفة روحك بقيتي كيف ؟؟!! وبعدين هي البت مشت وين ؟؟ مش عند اعمامها ؟؟ يعني اكيد ما بتجيها عوجة ..
كانت الكلمات تخرج من نعمات حارة ... مواسية ... متفهمة .. لم تعد الامور الى طبيعتها ابدا في اسرتها الصغيرة بعد مشكلة نادية التي جاهرتها بالعداء والكراهية باسلوب مخيف فأصبحت هماً يؤرقها ويقض مضجعها ... حتى استعادتها لصحتها لم تفرحها .. وبدا الخوف والقلق يتسللان الى قلبها عندما رفضت ابنتها باصرار وعناد كل من تقدم طالباً يدها .. وتوقفت محاولاتها للضغط عليها عندما انهت احد النقاشات العديدة معها بوقاحة وتحد ..
- شوفي يا امي .. ما تكتري كلامك معاي .. عرس ما حعرس .. حاقعد ليك كدة عشان كل ما تشوفيني تتذكري انتي عملتي شنو فيني ...
- هو انا عملت شنو فيك يا بت يا قليلة الادب ؟؟!! .. انا عملت فيك خير لمن خلصتك من العواليق الكان غاشيك وماكل عقلك ... عملت شنو غير سترتك من الفضيحة والجرسة وسط الناس وحافظت على سمعتك .. والله ومليت خشمي بالله لو ما وافقتي على العريس دة الا اخلي ابوك يغصبك ويعرس ليك ورجلك فوق رقبتك ...
- بالله ؟؟!! عليك الله يا امي انتي صدقتي كذبتك الانتي صنعتيها عشان تبرري بيها جريمتك في حقي وحق راجلي وطفلي ؟؟!! اوعي تصدقي انك عملتي دة كلو عشاني .. لانو انا وانتي عارفين انو كل العملتي كان عشانك انتي .. عشان امي السرة ما تشمت فيك وتقول بتك عرست العبد .. وعشان ما تطلعي قدام ابوي ما عرفتي تربي .. وعشان تحافظي على صورة اهلك قدام الناس ..اتآمرتي علي انتي واهلك .. ودمرتيني بقلب بارد كاني ما بتك .. لكن انا بحذرك يا امي ... لو اصريتي على موضوع العرس دة ولا كلمتي ابوي .. قسماً بالله الا افضحك الفضيحة الجد ..واول حاجة امسك العريس واهلو واحكي ليهم قصتي من طق طق للسلام عليكم ... وبعدها امشي احكي لامي السرة وبلقيس عن العملتوا فيني .. حيحصل شنو يعني ؟؟ حيقتلني ابوي مثلاً ؟؟ يا ريت .. دة حتى الموت اهون علي من الحياة الانا عايشاها هسة دي ..
كانت لهجة نادية وملامحها كافية لاقناعها بجدية تهديداتها .. فاعتذرت لاهل العريس وهي تتخوف من سنوات قادمات سوف تضطر فيها لمواجهة مشاعر الحقد والغضب التي احتلت ابنتها وحولتها الى مخلوقة اخري لا تعرف الرحمة ... ولا الغفران ..
- تعرفي يا رجاء تربية البنات صعبة شديد .. زي اكل الجمر .. لكن انتي ما قصرتي في أي حاجة .. يعني ما تلومي نفسك لانو بتك خلت البيت ومشت لاعمامها .. خليها شوية بكرة تروق وتهدا .. حتعرف غلطتها وترجع ليك براها ..
- متين يا نعمات ؟؟ متين ترجع .. وحياة المسيح انا حاسة كانو حتة من قلبي قطعوها وشالوها ... ما قادرة اتحمل فراقها يا نعمات .. يشهد ربنا انا ما بانوم الليل لمن اتذكر انها ما نايمة في سريرها ..
- اصبري يا رجاء ... اصبري .. الزمن بيحل كل شئ ..
في غرفته جلس ابراهيم متململاً ضجراً وهو يشعر بدبيب النمل يجتاح جسده ويفصح عن احتياجه لاشياء انزوت في اعماقه منذ وفاة السرة والعينة ... لقد جعله رحيلهما معا في يوم واحد يشعر بحزن حقيقي لم يشعر به منذ زمن طويل .. تحديداً منذ اكتشافه ان حامد ليس ابوه .. يومها راوده احساس اليتم لاول مرة في حياته .. واوجعته الصدمة كما لم يوجعه شئ آخر ... لكن فقدان من انجبته ومن ربته ورعته كان له طعم مختلف ... طعم الفراغ .. لقد اصيب بالرعب من ذلك الاحساس الذي احتل روحه وجعله يفقد القدرة على التواصل مع كل ما حوله ومن حوله .. فانفصل عن واقعه وسجن نفسه داخل فقاعة صلبة شفافة ينظر من خلالها الى العالم الخارجي وهو يتحرك حوله دون ان يستطيع مشاركته في حركته .. فقدت كل الاشياء طعمها .. الاكل .. الضحك .. البكاء حتى سجائره المخلوطة القابعة في احد اركان خزانته لم تثر فيه رغبة تدخينها .. ولم يعد جسده يتجاوب مع الاغراءات المعتادة التي كانت تحركه فيما مضى ... حاول اخراج نفسه من هذه الحالة بشتى الطرق ...فقاد سيارته لساعات وساعات ... تجول في الشوارع المزدحمة .. وتاه في الخلاء المقفر .. وقف امام المباني الفخمة في الاحياء الراقية .. وخاض داخل الحفر الناتجة عن صب مياه البالوعات في الاحياء الفقيرة .. زار اضرحة الشيوخ وتاه وسط المزارع والزرائب .. نام على مقود سيارته امام البحر الصاخب وابتل جسده بالعرق عندما التصق به تراب الارض الحار .. كان فشل محاولاته اليائسة لاستعادة الاحساس بالحياة والتخلص من الفراغ الذي ابتلعه يدخله في دائرة جديدة من الحزن والاحباط .. زادتها سؤاً نظرات حبيبة التي تحولت من اللوم والاتهام الى الاستنجاد وطلب الدعم ...
لذلك غمرته فرحة طفولية عندما احس بالوخزات التي تعبر جسده ... فهي دليل تعافيه من التبلد المؤلم الذي ناء بحمله طيلة الفترة الماضية .. نهض من جلسته بنشاط محموم .. بدل ملابسه .. وفي لحظات كان يقطع الصالة العريضة تسبقه رائحة عطره الخانق .. رفعت حبيبة راسها ورمقته بنظرة كليلة بعد ان رات في ملامحه شرارات ظنتها قد خبت ... تمتم بتحية باهتة دون ان ينظر الى النساء الجالسات اللائي تابعن خطواته حتى اختفى خلف البوابة .. تبادلت نعمات وحبيبة نظرة عميقة حملت معان خفية ونمت عن ادراك مشترك .. ففي احدى لحظات ضعفها النادرة احتاجت حبيبة لشخص آخر تشركه معها في السر الاسود الذي يخنقها .. فلم تجد غير نعمات التي كانت تبادلها الود والاحترام ... يومها اندهشت لجمود وجه نعمات .. ثم ادركت بانها كانت تعلم منذ زمن بعيد بعد ان اخبرها ود العمدة بهواجسه التي كادت تصبح يقين عن سلوك ابن اخيه المشين ... ولم يكن هناك ما يمكن فعله غير التزام الصمت والتظاهر بان ما يحدث غير حقيقي ...
وقف ابراهيم امام باب سيارته وقد تجمدت يداه من لفح الهواء البارد .. دلف الى الدفء الداخلي واغلق الباب خلفه .. اشعل المحرك ثم لفافة التبغ وجلس ساكناً وهو يستمع الى صوت الماكينة يعلو وينخفض ويتامل دخان سيجارته التي تحترق بين اصابعه بشغف .. قاد بهدوء حتى وصل الى بيت (منّان ) الطيني بجدرانه القصيرة ولونه الكالح الحائر بين البني والرمادي ..عندما ترجل امام الباب الحديدي الصدئ بدا التناقض واضحاً بينه وبين المحيط المتواضع حوله ... دفع الباب بلهفة لترتد يده بالم .. فاعاد النظر اليه ليفاجأ بوجود جنزير حديدي سميك يطوق عنقه وفي نهايته قفل ضخم ... تبسم باستهزاء .. فالجدران القصيرة لا تحتاج الى جهد كبير لقفزها لكنه وقف بصبر نافذ وطرق بعنف حتى سمع انين باب الخشب الداخلي يعلن وجود مجيب لطرقاته .. راقب ابراهيم من خلف الحائط راس منان الاشيب وهويظهر ويختفي وسمع صوته المتوتر يسأل بحذر ..
- منو ؟؟!! منو في الباب ؟؟!! ...
- افتح يا منان انا ابراهيم ..
تهللت اسارير الرجل البدين لمراى ضيفه واهتزت طبقات الدهن في جسده وهو يهرول تجاه الباب ..
- معقولة ؟؟!! ... ابراهيم ود العمدة ؟؟!! ياخي بيتنا نور ... الليلة عيد ...
وفي لحظات فُتح القفل وسُحب الجنزير الخانق وهو يصدر طقطقات عالية عند اصطدامه بالجسد الحديدي .. خطا ابراهيم داخلاً وعانق منان بحرارة ادهشتهما معاً ..
- والله ليك وحشة يا منان .. مالك الليلة مقفل بالجنزير ؟؟ عندك شنو ؟؟ معاك منو ؟؟!!
- معاي جادين بس ...
توقفت خطوات ابراهيم عن الحركة وبدا يسحب يده من قبضة منان الذي تمسك بها بشدة ..
- روق يا ود العمدة .. انا عارفك الزول دة ما بتدورو .. لكن ما عندك معاهو أي شغلة وهو زاتو ما حيقعد .. جا جاب لي بضاعة ومتخارج طوالي ..حرّم تدخل وتجربها ...
حسم الحاح منان تردد ابراهيم الذي شعر بحاجة عقله الماسة الى طعم ورائحة الدخان الازرق .. فدخل الغرفة ليجد نفسه في مواجهة عيني جادين المستديرتين ونظراته الباردة التي تنضح كراهية .. لقد ظل لفترة طويلة يسال نفسه بحيرة عن سر هذه الكراهية ... بل حاول ان يزيل اسبابها بالطريقة الوحيدة التي يتقنها فاغدق عليه الاموال والهدايا .. لكن ماله المبذول لشراء الحب تحول الى حطب يغذي نار حقده عليه .. وعندما اصابه الياس منه بادله مشاعره بمثلها لكنها تفوقها سفوراً وقوة .. واصبح الكره بينهما كالظل الاسود الذي يخيم على كل جلسة تجمعهما .. القى ابراهيم التحية على جادين المطرق بتجهم ويتظاهر بالانشغال في اعادة رص قناديل البنقو على طاولة قصيرة امامه .. فرد عليه ببرود ودون ان يرفع راسه ... دلت نظرات منّان على حرجه من تصرف جادين العدائي فبالغ في الاحتفاء بابراهيم ...
- يا ود العمدة ياخي اشتقنا ليك عديل كدة .. يا زول كيف تقطع مننا قدر ده وانت عارفنا غيابك ما بنحملوا ؟؟!! .. والله انا لولا ظروف بيتكم كنت جيتك .. اها الاهل كيف انشاء الله متصبرين ؟؟ ...
اختار ابراهيم كرسيه المفضل وجلس بترفع واضعاً قدم فوق الاخرى لتنتصب مباشرة في وجه جادين الذي امتقع غضباً وتوترت حركات جسده حتى سقطت بضاعته الثمينة من يده وتبعثرت على الارض بفوضى .. كان ابراهيم يراقبه بعيون ضيقة اخفى نظرة الرضا والتشفي الواضحة فيها باسدال رموشه الغزيرة عليها .. لقد كان يستمتع بزرع الغضب داخل جادين محاولاً تعزيز احساسه بالدونية امامه .. الم يرفض ان يبيعه حبه ؟؟!! .. اذن سوف يمنحه كراهيته بلا مقابل .. لم يخف اسلوب ابراهيم المستفز على منّان فسعى لتلطيف الجو بعبارات مجاملة ..
- والله يا ود العمدة المرة دي جادين جاب ( دوكو ) .. منجة بس !! يا زول انا جربتو قبيل وحسيت روحي طاير فوق السحاب .. ايه رايك ؟؟ الف ليك واحدة ؟؟ ...
- لا ما تلف لي .. عندي مزاج الف براي .. بس ناولني العدة ...
هرول منّان واحضر احدى الطاولات الموزعة في الغرفة ووضعها امام ابراهيم .. وسرعان ما اصطفت على سطحها مختلف انواع علب التبغ وحزمة صغيرة من الاوراق الناعمة وقندول متخم بالحبوب .. كان ابراهيم يتابع حركة صديقه الدؤوبة بلهفة حتى انتهى ..
- شيل البرنسيسة يا منان وجيب لي ورقة بيضا عادية ...
- اوووووه .. يا عمنا الظاهر عليك الليلة عندك مزاج ( نقرفة ) عالي ..
وضع ابراهيم الورقة البيضاء في منتصف الطاولة .. اخرج علبه سجائره من جيب قميصه وتناول منها لفافة رفعها امام عينيه ودار بينهما حديث صامت ثم بدأ يضغط عليها برفق من اسفل الى اعلى حتى بدأت حبات التبغ الخشنة تطل براسها من مخبئها الضيق لينزلها بحرص على سطح الورقة .. كرر العملية بصبر حتى افرغ اللفافة من احشائها وحنى راسه على الطاولة متابعاً حركة اصابعه التي تعزل بعض قطع التبغ وتتخلص منها .. عندما انتهى من من عملية الفرز البطيئة حمل القندول ورفعه الى انفه ... استنشق منه نفساً عميقاً قبل ان يبدا بفركه بقوة فتساقطت حباته واستقرت مشكلة هرماً صغيراً تخللته انامل ابراهيم الطويلة ومزجته باحتراف حتى تكون الخليط الذي يرغبه .. حمل ورقة اخرى وطواها في شكل قرطاس بفتحة صغيرة اسفله ووضع بداخله مزيجه الغالي ثم بدا يعيده بحرص شديد داخل اللفافة المفرغة .. بعد ان استقرت آخر قطعة في مكانها حمل للفافة بعناية وضربها على طرف الطاولة ضربات سريعة متتالية ثم برم طرفها برقة قبل ان يشعلها ويعيد تموضع جسده داخل الكرسي العريض .. اغمض عينيه واسند راسه الى الخلف وبدأ يعب انفاس عميقة لا يكاد يخرج من دخانها الا اقله ... احس بهمومه تتلاشى .. وباحزانه تخرج من جسده وتتراقص حوله كالظلال قبل ان تتبدد في فضاء الغرفة الخانق ... لم يعد هناك احساس بالفراغ .. لقد امتلا جوفه بفيضان من الالوان الزاهية .. وبدا يشعر بسعادة كان قد افتقدها منذ زمن طويل .. تراقصت ابتسامة رضا على شفتيه وما لبثت ان تحولت الى ضحكات عابثة .. قاطعها جادين بصوت كالفحيح..
- صحي دنيا دبنقا !! .. ناس تجري وتتعب وتجازف بروحها عشان تجيب البضاعة وناس تلقاها باردة وعلى الجاهز ...
رفع ابراهيم راسه من اتكاءته ونظر الى جادين بجفون خاملة .. واتسعت الابتسامة الناعسة وهو يخاطب غريمه باستعلاء متعمد زاده وضوحاً تلاعب الدخان الازرق بخلايا عقله الواهن ...
- تعرف يا جادين انك زول حاسد وحاقد ؟؟!! .. انا بس المحيرني انت بتكرهني قدر دة ليه ؟؟ انا عملت ليك شنو ؟؟ .. عرست امك ولا قتلت ليك زول ؟؟ .. ياخي حكمة ربنا اني طلعت غنيان وعندي قروش كتيرة وانت طلعت فقران وعدمان وصرمان .. يعني عاوز تعتطرد على حكمة رب العالمين كمان ؟؟!! ولا عاوز تحاسبه عشان بقاني كدة وبقاك انت كدة ؟؟!! دي حاجة غريبة والله .. ياخي بيّض نيتك شوية يمكن ربنا يفتح عليك ...
اصبح جادين صورة مجسدة للغضب فهب واقفاً بعنف .. وخرج صوته زاعقاً حاداً ..
- انا حاقد ؟؟!! .. انت بحسدك ؟؟!! على شنو ؟؟!! عشان غنيان ؟؟ طظ فيك وفي قروشك .. وبعدين مش لمن تبقى قروشك بالجد ؟؟!! هو انت جبتها بضراعك ولا بنفاعك ؟؟ اشتغلتها ولا تعبت فيها ؟؟ انت حيا الله قمت من نومك ولقيت كومك ... يعني لو ما قروش عمك انت ما كنت حتسوى بصلة معفنة ...
- براحة يا جادين ... روّق شوية احسن يطق ليك عرق .. وبعدين ياخي القروش حقتي حقت عمي .. حقت ابوي .. ولا حتى حقت امي .. ما مهم .. المهم انو عندي قروش وقروش كتيرة شديد بقدر اشتري بيها أي حاجة انا عاوزها ...
- لو بتقدر تشتري بيها أي حاجة كنت اشتريت بيها رجالة تتم بيها نقصك .. اوعى تكون مفتكر عشان قدرت تغش الناس كلها بعرسك وولادتك حتقدر تعمل فيها راجل عليّ انا كمان ؟؟!! ... احنا دافنينو سوا .. وانا عارف قيرك وقعيعيرك .. اها انا ما عندي زي قروشك .. لكن احمد الله انا راجل كامل وما فيني نقص بيحوجني اتدسى ورا العندي ..
احس ابراهيم ببروده يفارقه وبدات الدماء تغلي في عروقه ... لقد نكأ جادين جرحه ومكمن وجعه فوقف بعنف في مواجهة خصمه الضئيل ..
- انا راجل غصباً عنك يا كلب .. عاوز تعرف رجالتي ؟؟ تعال هسة اوريك ليها ..
تراجع جادين خطوة الى الوراء وارتفعت ضحكته ساخرة ..
- رجالتك دي وريها للبتشتريهم بقروشك .. انا ما لازماني ... وكان انت مقتنع انك راجل زيك زيي واحد .. اريتها الرجالة تطير ..
لم يشعر ابراهيم بيده وهي تصطدم بوجه جادين .. لكنه سمع صوت الآهة التي اطلقها قبل ان تطيح به الضربة ارضاً .. عندما دخل منَان الغرفة فوجئ بمنظر ابراهيم المتحفز وجادين المرمي ارضاً وقد امتلا وجهه بالدماء التي تسيل من انفه وشفتيه ...
- بسم الله في شنو يا جماعة ؟؟!! مالكم ؟؟ استهدوا بالله .. الحصل شنو ؟؟!!
قفز جادين من سقطته صارخاً ...
- التافه دة ضربني عشان وريتو حقيقتو ... لكن والله ما افوتها ليك يا واطي .. وان ما اخدت منك حقي بايدي ابقى صحي انا المرا وانت الراجل ..
بحركة مفاجئة رفع كم جلبابه العريض واستل من حزام جلدي مربوط بذراعه خنجر صغير لامع ... وقبل ان يدرك أي منهم خطوته التالية كان السلاح المميت قد استقر في بطن ابراهيم الذي تمايل بذعر وهو يحاول سد الفجوة التي تنزف منها الدماء بغزارة ... تسمر منّان في مكانه وحل بالغرفة سكون تام الا من صوت تنفس ابراهيم المتسارع .. عندما استوعب جادين ما فعلته يداه .. رمى سلاحه واطلق ساقيه للريح ...
شق حامد طريقه الى داخل الغرفة التي وضع فيها ابراهيم وقد امتلات برجال الشرطة بينما تحلق بعض الفضوليين خارجها .. اخافه شحوب وجه ابن اخيه الذي حاكى لون غطاء السرير القذر .. والتفت الى الطبيب بتساؤل صامت ...
- ما تخاف يا حاج حامد حيبقى كويس .. هو فعلا فقد كمية كبيرة من الدم .. لكن قدرنا نلحقو .. ما شاء الله بنيته قوية وحيتحمل .. كلها كم يوم ويرجع لحالتو الطبيعية ...
التقط ضابط الشرطة الموجود في الغرفة طرف الحديث وخاطب حامد باحترام ينم عن معرفة سابقة
- معليش يا حاج حامد .. اول ما يفوق حنكون مضطرين نسوقو عندنا .. الموضوع الدور دة ما ساهل ومافي طريقة نلمو زي كل مرة .. دي بقت فيها محاولة قتل .. اضافة لكدة البيت الاتضرب فيهو سيدو تاجر مخدرات معروف وسمعتو زي الزفت .. وعامل بيتو وكر للمنوعات وحاجات تانية كتيرة ...ولمن مشينا بعد البلاغ لقينا مخدرات بالكوم ... والزول الطعن ابراهيم زاتو تاجر معروف .. الدورية قبضت عليهو في موقف الباصات كان بيحاول يسافر .. واول حاجة قالها انو ابراهيم هو سيد التجارة كلها وهو الممول لنشاطهم ... ولو التحقيق اثبت صحة الكلام دة وانو ابراهيم فعلاً متورط معاهم في تجارة البنقو .. حتواجهوا مشكلة كبيرة وصعب يطلع منها .. المرة دي .. حتى انت ما حتقدر تعمل ليهو حاجة ..

جاكس
06-11-2012, 04:55 AM
الفصل العشرون

اختار جمال الجلوس في اعلى مكان داخل القاعة الفسيحة .. فالتقطت عيناه كل شاردة وواردة تدور في الكنبات المتدرجة تحته .. تشبعت خياشيمه بعبق الرطوبة المخلوط بروائح المحاليل والتي اضفت على المكان جواً مميزاً ادمنه طلاب كلية الطب .. حاول ان يشغل نفسه بقراءة الكتاب الضخم القابع على حجره منذ فترة طويلة دون ان يتزحزح عن الصفحة الاولى .. كان يرفع راسه بانتباه كلما احس بظل قادم يحجز ضؤ الشمس الذي لا يستطيع التوغل الى مساحة اكثر من المدخل العريض حيث اعتاد جميع الداخلين التوقف بعده لبرهة حتى تعتاد اعينهم على عتمة المكان برغم اضواء النيون الموزعة في السقف بسخاء ..
كانت الكنبات تحته شبه فارغة الا من قلة قليلة .. نظر الى ساعته بقلق .. لقد تاخرت منال عن موعدهما وهذا تصرف غير معتاد منها ... شرد عقله في الترتيبات التي عكف عليها منذ اشهر وتبسم بسعادة لنجاحه في تجهيز كل الاوراق اللازمة لضمان حصولهما على تاشيرة الدخول الى استراليا التي قرر الذهاب اليها حتى يكونا بمنأى عن ردود الفعل المتوقعة لهروبهما سوياً .. لم يكن يهتم بما قد يحدث له .. لكنه لن يتحمل ان يحدث أي شئ لمنال ... حبيبته التي يجعله احساسه بها على استعداد للقيام باكثر الامور جنوناً في العالم حتى هجران دينه وعشيرته ... حتى اقتلاع جذوره وهدم كل جسور التواصل مع اهله ... كان اكثر ما يؤلمه هو اضطراره لترك امه .. هذه المرأة التي ظلمتها الحياة فلم تستسلم .. وتحدت ظلمها ببذل مزيد من الحب لكل من حولها .. تذكرها بحزن وحنان .. خوفه عليها من مغبة تصرفه هو الشئ الوحيد الذي يفتت عزمه احيانا ويجبره على اعادة التفكير .. لا يريد ان يتسبب بايلامها .. خصوصاً الآن وهي ما زالت تعاني من هجران جانيت للمنزل واعتصامها ببيت عمها .. لقد حاولت المستحيل لاعادة ابنتها .. وعندما فشلت .. اعتصرها الالم وتحولت الى شبح حزين صامت .. حتى خطبة جاكلين لناصر لم تنتزع منها الا ابتسامة باهتة اثناء وقوفها في باحة الكنيسة لاستقبال ضيوفها ... كانت عيناها مشغولتان بالبحث عن طيف ابنتها المتمردة .. لقد املت في حضورها حتى تستطيع الانفراد بها بعيدا عن سطوة اعمامها ومحاولة اقناعها بالعودة .. لكنها خيبت امال الجميع وزرعت الحزن في قلوبهم بمقاطعتها الحفل
افاق جمال من شروده على هزة ناعمة من كف رقيق استقر على كتفه .. رفع راسه ليطالع وجه منال الفاتن بابتسامتها المغرية .. تهللت اساريره وغاب عن باله كل شئ الا وجودها بقربه .. تلاشت كل الافكار القاتمة وتوارى قلقه وانزوى حزنه خلف اشراقة حضورها وشوقه الجارف اليها ..
- اللي واخد عقلك يا دكتور !! سرحان وين قدر دة ؟؟!! ... لي ساعة بأشّر ليك وانت غايب في عالم تاني ..
طفا به صوتها الهامس في غيمة مخملية واستنفر حواسه الجائعة اليها ... امسك يدها النائمة على كتفه وسحبها حتى اجلسها بقربه فاندلعت تيارات من الكهرباء تعبث باعصابه من جراء التصاق جسديهما ...
- وحياتك انتي مافي واحدة غيرك واخدة عقلي وروحي وقلبي وتفكيري وكياني ... وحشتيني يا منال .. ليه غبتي عني قدر دة ؟؟ انتي مش عارفة اني ما بتحمل بعدك فترة طويلة ؟؟!! ..
جاوبته بابتسامتها المغرية ثم انحنت كأنها تهمّ بالتقاط شئ سقط منها ارضاً .. وبهدوء استقرت شفتيها على ظهر كفه في قبلة دافئة متانية حبست انفاسه وانتقل تاثيرها من يده لينتشر في جسده كالحمى ... اغمض عينيه وهمس باسمها مرارا وتكرارا ...
عندما رفعت راسها احست بالغرور وهي ترى تاثير ما فعلته واضحا في نظراته الذائبة ويديه المرتعشتين ..
- اعمل شنو يا جمال ؟؟ انت ما شايف الظروف الاحنا بنمر بيها ؟؟ اول شئ وفاة حبوبة السرة وحبوبة العينة في يوم واحد .. لسة ما خلصنا حصل الحادث بتاع خالو ابراهيم .. واهو يادبوك طلع من المستشفى على السجن طوالي .. وجدو عاوز يجن من الموضوع ده .. ما خلى محامي في البلد ما وكلو ليهو ... لكن الظاهر الموضوع المرة دي اكبر من نفوذ ود العمدة زاتو .. وكمان رحمة حامل وتعبانة شديد ... امي رفضت تخليها تجي تقعد معانا.. قالت ليها البيت عندنا جايط وما حترتاح وجبرتني انا امشي عندها كل يومين اقعد معاها واساعدها .. هسة الليلة انا طلعت بالعافية .. ولو امي عرفت اني خليت رحمة براها حتكسر رقبتي .. اها يلا وريني بسرعة عملت شنو لاني ما بقدر اقعد كتير ..
- طيب يا ستي اسمعي .. حصل كالآتي ...
كانت منال تستمع اليه وبداخلها دوامة من المشاعر المتناقضة .. خوف وفرح .. لهفة وحزن .. قلق وترقب .. لقد فكرت كثيراً في نتيجة فرارهما على اسرتيهما .. اصبح الارق رفيقها في الليالي الاخيرة وهي تتخيل مئات السيناريوهات لما يمكن ان يحدث بعد اختفائهما .. كل التصورات كانت ماساوية ومخيفة .. لكنها في قرارة نفسها ايقنت بانها مستعدة لتحمل تبعات قرارها .. ما لا تستطيع تحمله هو فكرة الحياة بعيداً عن جمال .. بعيداً عن حبه واهتمامه .. بعيداً عن وجوده .. كانت تشعر بحجم التضحية التي يتوجب عليه تقديمها حتى يكون معها .. وتقدرها حق قدرها .. فهو سيتخلى عن دينه وانتماؤه .. وسوف يقطع كل جذوره بعالمه القديم من اجلها ...
- منال .. عاوز اسالك للمرة الاخيرة .. لانو بعد دة ما حيكون في أي طريقة رجعة لورا انتي مقتنعة تماما بالشئ الاحنا بنعمل فيهو دة ؟؟ واثقة من قرارك ؟؟ ما حقدر اتحمل لو في يوم من الايام حسيت انك ندمانة ولا متحسرة على أي خطوة مشيناها مع بعض ..
قبضت منال كفه بقوة وتسللت اصابعها بين اصابعه وتقاطعت معها في اندماج حميم .. مالت على اذنه وحشرت صوتها الهامس بداخلها ...
- جمال .. احساسي بيك بقى اكبر من أي نقاش ... بقى قناعة ثابتة ... شئ ما بقدر اتنازل عنو حتى لو عاوزة .. حسرتي الوحيدة بعدين حتكون على العمر الفات بدون ما اكون فيهو بانتمي ليك فعلا .. امشي في التجهيزات زي ما احنا متفقين .. بس اديني شهر واحد عشان ارتب باقي حاجاتي كلها ومنها اطمن على رحمة وخالو ابراهيم .. بعد كدة .. انا كلي ليك يا جمال ..
تلفت جمال حوله بحثاً عن أي اعين فضولية تراقبهما .. لكن كل من جلسوا تحته كانوا اما غائبين في اعماق كتبهم .. او غارقين في بعضهم البعض كما هو حاله مع منال .. مال عليها وطبع قبلة شغوفة في خدها الناعم ... تمنى لو استطاع الانحراف قليلاً حتى يستعيد ذلك الاحساس الذي عاشه في تلك اللحظة الفريدة يوم زواج رحمة .. لكن توتر منال انباه بضرورة الاكتفاء بما هو متاح حالياً ..
تحركت من جانبه بعناء تركته وفي عينيها وعود كثيرة .. وقبل تبدا في هبوط الدرجات التفتت اليه وتحركت شفتاها بجملة صامتة لم تسمعها اذنه ... لكنها ضجت في اعماقه كما لو انها صرخت بها غادرت وتركته شاردا فيها بعد ان تركت رائحة عطرها ترافقه في جلسته .. شعر بالحماس لاكمال ما بداه ... وباللهفة الى حد الرغبة في اختزال الايام وصولا الى اللحظة التي يتمناها وينتظرها بشوق .. فجاة عاد به تفكيره الى امه .. فاختفت كل الاشياء الا وجهها الباكي .. احس بالضيق والعجز ... وتاه في افكار من نوع آخر تقاطع فيها احساسه بالذنب مع احساسه بالمسئولية ورغبته في تقديم شئ لها يعوضها عن غيابه .. هدية اخيرة تشفع له بعد غيابه الابدي عنها .. ثم قرر ان تكون هديته اعادة جانيت الى حضنها مهما كلفه الامر ... ربما يجعلها هذا تغفر له ما سياتي .. حفزه تفكيره على الحركة فخرج من مبنى الكلية مسرعاً وكان طيلة الطريق الى منزل عمه يفكر في المدخل المناسب الى شقيقته ... لم يكن قد استقر على شئ حتى لحظة وصوله امام باب المنزل الذي لم يزره منذ مراهقته الا مرات تعد على اصابع اليد الواحدة ... ترجل بتردد بعد ان بدا يساوره الشك في سلامة قراراه بالحضور .. كان على وشك التراجع عندما فتح الباب وظهر خلفه احد ابناء عمه رمقه بنظرة ناكرة مستغربة .. تمعن فيه بدقة .. ثم ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه ومد يده بترحاب ..
- ابن عمي الدكتور جا يزورنا ؟؟!! .. دي خطوة عزيزة .. اتفضل يا راجل .. معليش بالاول ما عرفتك .. شكلك اتغير شديد .. احنا لينا كم سنة ما شفنا بعض ؟؟ ...
تناول جمال اليد الممدودة وبادله التحية بحرارة مصطنعة بينما حملت نبرات صوته الكثير من اللوم..
- اتلاقينا قبل سبع سنين لمن جيت مع عمو تباركوا لي دخول كلية الطب ..
- بلاهي مرت سبعة سنين ؟؟!! يا يسوع !! شوف الزمن كيف بيجري .. طيب كويس انو جانيت جات عندنا عشان نشوفك .. ادخل ..دي ماما ما حتصدق انك جيتنا
كان يسير وراء ابن عمه في الممر الضيق بخطوات نادمة .. وتفاقم ندمه عندما عندما انتهى الممر فجاة ووجد نفسه في حوش فسيح اصطفت فيه الاسرة والكراسي التي جلس عليها عدد لا يقل عن عشرة اشخاص ما بين نساء ورجال واطفال كانت عيونهم تراقب دخوله بصمت وريبة ...
- طبعا ما عرفتو دة منو مش كدة ؟؟!! ما بتنلاموا لانو ليهو عشرة سنين تقريباً ما دخل بيتنا .. يا جماعة دة دكتور جمال ولد عمي ... يا جمال ديل اولاد عمك وبناتو ورجالهم ونسوانهم وعيالهم ....
استغرقت جولة التحية زمناً طويلاً وهو ينتقل من شخص الى آخر مجيباً على طوفان الاسئلة المتواصل عن اهله ودراسته .. ثم تبعها الحاح زوجة عمه بشرب الشاي باللبن ..
- وحياة المسيح دة شاي ما حتكون شربت زيو من سنين .. بلبن البقر الصافي المقنن .. ومرة عمك عاملة بسكويت مفرمة وخميرة لبن يغني عليهم المغني ... اقعد اشرب اكيد امك ما بتعمل ليكم الحاجات دي .. اصلها من زمان مدلعة روحها وما بتحب التعب ...
اغاظه الانتقاد الصريح لوالدته المكافحة .. اراد ان يصرخ فيهم ان يكفوا لسانهم عنها .. لكنه سجن انفعالاته حتى لا يضيع فرصة رؤية شقيقته .. كان اختلاط اصواتهم وارتفاعها يصيبه بطنين في اذنيه وبرغبة قوية في مغادرة المكان زادها تفاقماً ظهور عمه المفاجئ بلهجته المستفزة ..
- جمال ؟؟!! ايه المفاجاة دي ؟؟!! .. ازيك يا ولد ؟؟ عامل ايه ؟؟ وينك ما بتجي تشوف اهل ابوك ؟؟ ولا دي امك الحامياك تجينا ؟؟!!
تجاهل جمال الجملة الاخيرة واجاب عمه بتهذيب بارد ..
- اهلاً يا عمو .. كيف صحتك واخبارك ؟؟ ...
- صحتي بمب زي ما شايف يا دكتور .. لكن اخباري زفت .. بلاهي دي عملة تعملها امك ؟؟ تدي بت اخوي لولد الحبشية ؟؟!! ليه ؟؟ اولاد الاقباط خلصوا من البلد ؟؟!! وانت وخالك كيف تسمحوا بحاجة زي دي ؟؟ كيف توسخوا عيلتنا الطول عمرها نضيفة بالطريقة دي ؟؟ والمسيح .. انا لولا الناس مسكتني كنت جاي الكنيسة افضي مسدسي في اختك وامك ...
تملك الغضب جمال من اللهجة المهينة المتحاملة التي يتحدث بها عمه .. فخرج صوته جافاً متوتراً..
- لو سمحت يا عمو ما تتكلم عن ماما بالطريقة دي .. انا عاوز اعرف انتوا ليه بتكرهوها للدرجة دي ؟؟ عملت ليكم شنو ؟؟ ماما الانت بتشتم فيها دي ربت اولاد اخوكم لمن انتو اتخليتوا عنهم ... هجرت كل شئ ونست روحها ورفضت تتزوج تاني برغم انها كانت في عز شبابها وجمالها .. اشتغلت خياطة وباعت البسطرمة والسجق وهي الطول عمرها مدللة في بيت ابوها عشان تربينا وما نحتاج لحد ... عمرها ما اذتكم ولا اتطاولت عليكم .. حتى لمن رفضتوا تدوها ميراث بابا ما سالتكم ولا عملت معاكم مشكلة ..
- تعمل معانا مشكلة ؟؟ وهي تقدر ؟؟ وبعدين نديها ميراث اخونا عشان تستمتع بيهو هي واهلها ؟؟ دة بعدها وبعدهم .. الميراث محفوظ .. ولمن انت واخواتك توصلوا سن معينة كل واحد فيكم حياخد نصيبوا ... امك ما مننا .. ومن اول مرة ابوك قال عاوزها احنا رفضنا وقلنا ليهو مستحيل تتزوج واحدة من برة كنيستنا .. لكن هي اكلت مخو وخلتو يمشي وراها زي العميان .. خلتو يعصى ابوهو واخوانو الاكبر منو .. دة حتى في النهاية خلى كنيستنا وبقى يمشي معاها .. ودي بقى العمري ما حاغفرو ليها ..
- عموماً يا عمو انا ما جاي اناقش مشكلتكم مع ماما .. انا جاي اشوف جانيت واتكلم معاها .. نادوها لي لو سمحتوا ..
- جانيت ما موجودة .. طلعت شغل مع الكنيسة .. وما حترجع قريب .. لمن تجي حنكلمها انك جيت تزورها ..
احس جمال بالغيظ والاحباط لفشل محاولته رؤية شقيقته فهب مسرعا وهو يلقى التحية على الحاضرين بفتور وخرج .. جلس خلف مقود سيارته وهو يبحث عن كلمات لائقة ينهي بها هذا اللقاء العاصف مع عمه الذي اتكا على الباب وهو ينظر اليه بسخرية .. لم يجد شيئا يقله فادرا المفتاح وهمّ بالحركة عندما اتت سيارة مسرعة وتوقفت امامه برعونة مثيرة عاصفة من الغبار .. اخرج راسه ليحتج على السائق الذي نزل مهرولاً بثياب تلطخها الدماء وقد بدت عليه سيماء الانزعاج الشديد ..
- الحق يا بابا .. الحملة حصلت فيها مشكلة .. ناس المنطقة المشينا ليها ضربونا ضرب شديد ... وجانيت في المستشفى ...
قفز جمال مذعورا من سيارته عندما سمع اسم اخته .. وامسك ذراع الفتى واداره عليه بعنف ..
- جانيت ؟؟ جانيت اختي ؟؟ الحصل ليها شنو ؟؟ الضربها منو ؟؟ وليه ؟؟ وفي ياتو مستشفى ؟؟
نظر الفتى الى جمال بحيرة وخوف .. ثم التفت الى ابيه الغاضب الذي خرج صوته هادراً ..
- اتكلم يا ولد .. حصل ايه ؟؟!!
- ضربوهم يا بابا .. ضربوهم وكسروا عضامهم .. و في ناس ماتت ..
- مين اللي ضربهم ؟؟!! ..
- لمن وصلنا المنطقة اتوزعنا مجموعات .. كل مجموعة مشت مكان وبدينا نخش البيوت مجموعة جانيت دخلت بيت وطلعوا سيادو مسلمين متعصبين .. قفلوا عليهم الباب ووقعوا فيهم ضرب وبعدين رموهم لينا في الشارع زي الكلاب .. كانوا بيموتوا قدام عيوننا واحنا ما قدرنا نعمل أي حاجة ..
انهار الفتى باكياً بين ذراعي ابيه .. وبالكاد استطاع جمال ان ينتزع منه اسم المستشفى الذي ادخلت اليه جانيت ليسابق الريح بسيارته وقد انقبض قلبه واحس كان الدنيا باسرها تطبق على انفاسه .. وظل هذا الاحساس يراوده اثناء وقوفه امام القبر المفتوح وهو يستمع الى كلمات القسيس التي خرجت منه بصوت باك ...
" أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك.
لتكن مشيئتك. كما في السماء كذلك على الأرض.
خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم.
وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا.
ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير.
بالمسيح يسوع ربنا لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين.
طيلة ايام العزاء انشغل معظم الحضور عن مواساة اهل البيت في فقدهم بالحديث عن الحادث واسبابه .. وتطايرت العبارات الثائرة حتى في حضور وفد الحكومة الذي اتى معزياً وهو يحمل وعوده بالقبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة ... قابله الحضور برفض بارد وصامت ... لتشتعل النقاشات مرة اخرى بعد مغادرته ..
- يا جماعة الحصل دة شئ مؤسف ومؤلم وطعنة لينا كلنا ... لكن خلونا نقول الحق .. الغلط في الاساس من منو ؟؟ ليه الكنيسة ترسل اولاد صغار زي ديل في حملات تبشير ؟؟ الشغل دة عاوز ناس عندها خبرة وبتعرف تمشي وين ومتين وتتصرف كيف في الحالات الزي دي ... هسة حتى لو قدموهم لمحاكمة حيقولوا انو هم الدخلوا للناس في بيتوهم .. يعني ما طلعوا اتهجموا عليهم في الشارع وضربوهم ..
- حق ايه وباطل ايه البتتكلم عنو ؟؟ يعني الحق انهم يقتلوا عيالنا وبعدين يغشونا بكلام محاكمة وقانون ؟؟ احنا لازم ناخد حقنا بايدنا .. الحكومة ما حتجيب لينا دم عيالنا الراحو .. وبعدين الاولاد ديل الكنيسة ما رسلتهم .. هم الاتطوعوا يمشوا كجزء من نشاطهم .. وفرضاً الكنيسة رسلتهم .. وهم الدخلوا بيوت الناس .. فرضاً انو الكلام ما عجبهم .. كانوا يشاكلوهم .. يطردوهم .. لكن يضربوهم لمن يكسروا عضامهم ؟؟ يقتلوهم ؟؟ دة منتهى الوحشية .. واحنا ما لازم نسكت .. الموضوع دة لازم يوصل لاعلى جهة .. ومجلس الكنايس لازم يتحرك والا بكرة الحكومة تغطي عليهو ويقولوا لينا عشان الفتنة وعشان السلام .. ويتنسي الموضوع زي الما حصل شئ ...
كان الحوار يعمق جراح كل الحاضرين ويعيد جمال الى المشهد الذي انطبع في ذاكرته الى الابد .. مشهد جسد جانيت النحيل وقد تغطى بالدماء .. جمجمتها المهشمة وشظايا العظام المزروعة في المخ المكشوف لقد فعل المستحيل حتى تبدو الجثة باحسن صورة عندما تراها امه المنهارة .. لكن فقدانها الوعي عند رؤيتها دل على فشله في تجميل ما حدث .. وبرغم الدعم اللامتنهاي الذي تلقته اسرته من الاهل والاصدقاء والجيران .. الا ان الحزن المصحوب بدهشة ناقمة لم ينقص .. وبانقضاء اليوم الثاني للعزاء اصبح التحفز سيد الجو في الصيوان الصغير بين اهله وعشيرته وبين اصدقاؤه وجيرانه المسلمين بعد ان اصبح النقاش بين الطرفين يتجه الى منحنيات خطيرة .. لم يحسم الامر سوى خروج رجاء المنهارة وهي تستند على كتف شقيقها ومخاطبة الجمع الثائر بعد ان توغل توتر الخارج الى داخل المنزل واصبح الوضع لا يطاق ..
يا جماعة انا بتي خلاص راحت .. خلوها ترتاح في قبرها وما تعملوها سبب عشان تقوموا حرب وتسيل الدموم .. انا شخصيا مسامحة وما مطالبة اي زول باي شئ .. حانتظر القانون يجيب لي حقي وحق بتي .. ودة ما خوف ولا ضعف .. لكن انا باعمل كدة لاني انسانة مؤمنة وباعمل زي ما المسيح هدانا لمن قال :

" سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. واما انا فاقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الايمن فحوّل له الآخر ايضا. ومن اراد ان يخاصمك وياخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. من سألك فاعطه. ومن اراد ان يقترض منك فلا ترده ...
سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم. وصلّوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات. فانه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين. لانه ان احببتم الذين يحبونكم فاي اجر لكم. اليس العشارون ايضا يفعلون ذلك. وان سلمتم على اخوتكم فقط فاي فضل تصنعون. أليس العشارون ايضا يفعلون هكذا. فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السموات هو كامل"

يبقى الله يخليكم اقفلوا السيرة دي وشوفوا ليكم موضوع تاني اتكلموا عنو .. استدارت ودخلت ليسود بعدها صمت غاضب مضطرب ... وإنقطعت المناقشات حتى انقضاء اليوم الثالث وانفضاض الحشد كل الى حياته .. وبات على الاسرة الصغيرة ان تواسي بعضها البعض خصوصا رجاء التي هدها الحزن ونالت منها الفجيعة حتى الزمتها الفراش ...
كان جمال يحس باحتياجه الشديد لمنال ورغبته في وجودها الذي يخفف عنه المه .. لكن الاولوية اصبحت لاسرته .. لقد نسى نفسه ورغباته وامنياته .. لم يشعر حتى بمرور الشهر الذي اتفق عليه معها كميعاد نهائي لزواجهما وسفرهما .. غرق في الهموم لدرجة انسته كل شئ برغم وجود منال الدائم في منزلهم برفقة جاكلين الجزعة من موت نصفها الاخر .. كان يرافقها حتى باب بيتهم عندما تتاخر ليلاً .. يسير معها في الدرب صامتاً شارداً فتنظر اليه باشفاق وتفهم .. لم تذكره بموعدهما .. وانتظرته بصبر حتى يفيق من حزنه .. وعندما اكملت جانيت اربعين يوماً اقيم لها قداس مختصر في الكنيسة وطلب جمال من منال ان تلتقيه بعدها في الكلية ...
- منال .. أنا آسف .. ما حقدر التزم بوعدي ليك .. وبحلك من أي وعد انتي وعدتيني ليهو .. انتي حرة يا منال .. امشي عيشي حياتك .. وانسيني ..
ادخلته شهقتها المصحوبة بسيل من الدموع في دوامة من العذاب .. لقد جلس مع نفسه لايام .. وحيداً وهو يفكر في التزاماته نحو اسرته بعد ما حدث .. والتزامه تجاه من احبها قلبه بكل ما يملك من قدرة على الحب .. كانت المفاضلة مجحفة لكل الاطراف .. ثم قرر ان يبعد قلبه وعواطفه من الامر حتى يستقيم تفكيره .. لم تكن امه ستحتمل ضربة اخرى خصوصا اذا اتت منه .. ارتداده عن دينه وهروبه مع منال سوف يقضيان عليها .. عاش ايام من التمزق بين ولاؤه لاسرته .. وحبه وحلمه وامله .. وعندما انتصر ولاؤه لاسرته احس بدبيب الموت يزحف الي اعماقه ويستولى على روحه وما تبقى من مشاعره ...
- جمال .. انت بتعاقبني على موت جانيت ؟؟!! .. بتحملني وزر انو قتلوها مسلمين ؟؟!! عشان كدة عاوز تخليني ؟؟ .. أنا ذنبي شنو ؟؟ انا بحبك .. انا ...
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها متقطعة .. جريحة .. تخنقها شهقات البكاء .. كان يظن انه حصن نفسه ضد أي ضعف قد يعتريه امامها .. لكنه لم يحتمل رؤية دموعها .. وتمنى الموت في تلك اللحظة لانه تسبب بتعاستها .. كان شاكراً لعزلة المكان وعتمة الغروب التي اتاحت له فرصة احتوائها بين ذراعيه .. وضع راسها على صدره وبدأ يتارحج بها وهو يهمس اعذاره في اذنها .. كان يهدهدها كطفلة صغيرة .. يربت على شعرها ويمسح دموعها .. وعندما احس بان ضعفها قد بدا يتسلل اليه ... ابعدها عنه برقة .. امسكها على امتداد ذراعيه .. وكانت عيناه كالبركان ...
- منال .. لا انا ولا انتي حنقدر نحمّل ضميرنا عبّء أي حاجة تحصل لماما .. انا بس عاوزك تختي نفسك مكاني ... بالظروف البيمر بيها بيتنا .. بحالة امي .. تفتكري بقدر امشي واخليها .. دة حتى يا منال انا لو عملت كدة انتي مفروض تخافي مني وما تأمني لي في المستقبل ... لاني لو اتخليت عن اهلي وهم في الظروف دي ممكن عادي جدا اتخلى عنك انتي كمان في أي لحظة ...
كان صوتها المتضرع يذبحه ..
- بستناك يا جمال ... بستناك لغاية ما الظروف تتصلح ونتطمن على خالتي رجاء وبعد كدة نعمل الاتفقنا عليهو .. احنا لسة صغار ... وانا ما مستعجلة ... حستناك ولو مية سنة بس ما تقول لي البينا انتهى .. ما بقدر اتحمل الشئ دة يا جمال .. ما بقدر ..
- لا يا منال ... انا ما بخليك تعملي كدة .. ولا ضميري بسمح لي اعلقك معاي لزمن ما معروف مداهو متين .. المسالة ما بقت هسة ولا بعدين .. الموضوع بقى اكبر من كدة بكتير .. يا منال افهميني .. انا مسئوليتي تجاه اهلي زادت بعد الشئ الحصل دة .. براك شايفة حالة ماما من يوم وفاة جانيت .. منهارة وراقدة في السرير .. ما قادرة تستوعب الحصل لبتها .. ما مصدقة انها ماتت ومرات تتوه في عالم تاني وتقول انو جانيت سافرت وحترجع .. لمن كلنا بقينا خايفين عليها شديد .. منال .. انتي عارفة أي ارتباط بينا مستحيل طول ما احنا هنا .. وانا طلعتي برة البلد بقت مستحيلة برضو .. اوعي تفتكري انو سهل علي اجي واقول ليك الكلام دة .. والله دي اصعب حاجة عملتها في حياتي كلها... و لاني عارف اخليك معناها اتخلى عن سعادتي واملي واحلامي .. اتخلى عن حياتي كلها .. واعيش تعيس لغاية آخر يوم في عمري .. لكن انا وانتي عارفين انو الحياة اولويات .. قبل فترة قصيرة جداً انتي كنتي في اعلى القائمة .. انا ما اتخيلت لحظة اني حانزلك من عليائك دي .. لكن احنا نقول شئ .. وربنا يقول شئ تاني ..
رفعت منال وجهها البلل بالدموع وكانت كلماتها واثقة ومتحدية ...
- بستناك يا جمال .. مهما طال انتظاري .. بستناك ..
- لا يا منال ... ما تجمدي حياتك .. انا خلاص اقتنعت انو محكوم علي اعيش من غيرك دة قدري .. وانا حاقبلو .. لكن بعاهدك على حاجة لو حيكون فيها عزاء ليك .. مافي أي واحدة تانية حتاخد مكانك طول ما انا عايش .. طالما ربنا اراد اني ما اكون ليك ... ابدا ما حاكون لغيرك .. دة عهد باقطعو ليك وربنا شاهد عليهو ..
نهضت منال ببطء ونظرت طويلاً اليه .. كان مطرقاً يحاول ان يخفي دموعه التي بدات تسيل رغماً عنه .. احست بقلبها يتفتت .. وضلوعها تطبق على صدرها ... انها اول مرة ترى فيها دموعه .. ولم تحتمل ما تراه .. حاربت اختناق انفاسها لتنطق كلماتها الاخيرة ..
- حاستناك يا جمال ... حتى لو العمر كلو ...
عندما تمالك جمال نفسه ورفع راسه .. رآها تبتعد عنه بخطوات مترنحة ... دفن راسه مرة اخرى بين ذراعيه .. واجهش ببكاء مر ...

جاكس
06-11-2012, 04:56 AM
الفصل الحادي والعشرون

انكسرت حدة الحرارة قليلاً عندما بدأت الشمس تميل نحو المغيب .. تمددت ظلال الاشجار بجمود .. وخلق انعدام الهواء جواً خانقاً .. انه احد ايام الصيف النموذجية .. تعالى صراخ الاطفال وهم يعبثون تحت زخات المياه المتدفقة من ( خرطوش ) البلاستيك الطويل الذي امسكه حامد بين يديه محاولاً ان يدعّي الصرامة مع صغار الحوش المتحلقين حوله كل يحاول التقاط نصيبه من القطرات الباردة .. جلس حامد ود العمدة هادئاً يتامل احفاده بفخر .. واتسعت ابتسامته وباتت اكثر حنواً عندما التقت عيناه بعيني حفيده الذي يحمل اسمه .. كان اول حفيد ذكر في عائلته .. وقد احبه منذ اول لحظة وضعه فيها عمار بين يديه ..
- امسك حامد الصغير اذن ليهو في اضنينو يا عمي ..
اغرورقت عيناه عندما فرغ من ترديد الاذان في اذني حفيده ووضع اصبعه داخل الكف الصغير فتحركت الاصابع الطرية بنعومة .. وحبس شهقة دهشة عندما فتح سميه عينان تنافسان عينيه في اللون والشبه ... لقد كان نسخة طبق الاصل من طفله الذي غادر الحياة مبكراً ... وراوده احساس بانه يعيش لحظة مكررة عاشها سابقاً عندما وضعت امونة ابنه بين ذراعيه للمرة الاولى ... احتج على قرار عمار واميرة بتسمية المولود تيمناً به ..
- يا اولاد اختاروا ليكم اسم تاني ... حامد دة بقى موضة قديمة وبكرة الولد يكبر ويزعل انكم سميتوهو بيهو ...
- يا ابوي بكرة حامد لمن يكبر حيشكرنا لاننا اديناهو اسمك .. اريتو يطلع بشبهك في حاجاتك كلها مش الاسم وبس ..
- يا بتي يمكن راجلك عندو راي تاني ولا عاوز يسميهو على ابوهو ..
- عم حامد .. انا مصّر اكتر من اميرة انو الولد يشيل اسمك .. كفاية انو وقفتك معانا هي كانت سبب جيتو للدنيا ..
حمل حامد اسم جده وملامحه .. وبرغم امتلاء المنزل بالاحفاد على مر السنين .. الا ان سميه ظل المفضل عنده ..
تشربت الارض العطشى بالرزاز المتساقط عليها بامتنان وتنفست ارتوائها فعبق الجو برائحة التراب المبلل التي اختطلت برائحة شباك الصيد والسمك والرطوبة القادمة من النيل ...
- حامد .. خلاص كفاية رش .. امشي لحبوبة نعمات خليها تجيب الشاي وشوف ابوك وين عشان يجي يشرب معاي ..
امتثل ابن العاشرة لاوامر جده بطاعة فاغلق صنبور المياه باحكام دون ان يبالي بصيحات خيبة الامل الصادرة من جيش الاطفال المحتج على انقطاع مصدر لهوه ... كان حامد يراقب احفاده بنوع من الرضا الممزوج بحزن غامض اصبح جزء منه .. لقد اكسبته الحياة كثير من الخبرات .. وعلمته كيفية التصالح مع كل شئ فيها فتجاوز مشاعر الندم والخوف والالم .. لكنه لم يستطع ابداً تجاوز الحزن المزروع بداخله كنبتة لعينة كلما حاول اقتلاعها ناورته وثبتت جذورها اكثر في اعماقه كان احيانا يحاول فلسفة اسباب احساسه والتعامل معه كناتج طبيعي لاحداث حياته الطويلة التي توقف عن عدّ سنواتها منذ وفاة السرة قبل احدى عشرة عاماً ... لقد ادهشه الترنح والضياع الذي انتأبه بعد رحيلها .. احس كانه فقد هويته وجزء من ذاكرته التي كانت تعيش بداخلها .. ثم اكتشف ان غيابها قد فصم كل عرى التواصل بينه وبين ماضيه .. فقد كانت السرة حاضرة بقوة منذ طفولته وصباه حتى تجارب نضجه المؤلمة .. ووجودها في حياته كان الجسر الذي يربط بينه وبين ذلك الماضي البعيد .. بعد رحيلها ضعفت علاقته بمن تبقى من اهله في القرية الى حد كبير ... لدرجة انه لم يطا ارضها منذ خمس سنوات كاملة ... كانت آخر زيارة قام بها بعد وفاة هادية ... ابنته الصغيرة التي رحلت بعد معاناة قاسية مع جملة من الامراض استسلم الطب امام جبروتها فغادرت مخلفة وراءها جرحاً غائراً في قلب نعمات .. واحساس دائم بالذنب في قلبه جعله يعاني من الكوابيس لدرجة بات يخاف النوم حتى لا ياتيه طيفها الغاضب بنظراته اللائمة المتهمة ويجعله يهب مفزوعاً ليذهب الى قبرها ويجلس ساعات طويلة يقرأ لها القرآن ويطالبها بالسماح على اهماله غير المتعمد اثناء حياتها ... ويبكي ..
- الشاي يا حاج حامد ...
رفع راسه ونظر الى نعمات بابتسامة لا تشي بشئ مما يدور في أعماقه .. بادلته الابتسام بملامح نقية زادها وضوحاً الطرحة البيضاء التي تلتف بوقار حول وجهها الاسمر .. كانت تبدو اصغر من عمرها الحقيقي ويشع من ملامحها سلام غامض .. لقد كادت وفاة هادية ان تذهب بعقلها .. واصبح حزنها على ابنتها حديث المجتمع .. اعتزلت الناس و لبست السواد من راسها حتى قدميها ...امتنعت عن ارتداء الاحذية وصارت تتجول حافية حتى لو اجبرتها الظروف على الخروج من منزلها الذي اصبح سجنها الاختياري .. تحول شعرها الفاحم الى كتلة بيضاء ولم تنقطع دموعها لشهور .. كان يقف عاجزا امام احزانها ويكبله احساسه بالتقصير .. لم يكن يدري ماذا يفعل حتى اتاه شقيقها المهموم باحوالها ..
- انت يا حامد ما شايف عمايل نعمات دي ؟؟ ياخي البتسوي فيهو دة كفر عديل والعياذ بالله .. اتكلم معاها .. خليها على الاقل تلبس ليها حاجة في رجلينها لمن تجي طالعة .. ياخي الناس اكلت لحمنا بتصرفاتها دي ..
- والله اتكلمت معاها لمن لساني نشف .. والناس كلها اتكلمت معاها بدون فايدة .. انا خلاص بقيت ما عارف اعمل ليها شنو ...
- وديها الحج .. هي اصلا ما حجت قبل قبل كدة .. واهو الموسم باقي ليهو اقل من شهر وديها يمكن زيارة بيت الله تخليها تتصبر شوية ..
عادت نعمات بعد اداء فريضة الحج وقد بدت شبيهة بتلك المراة التي كانتها منذ زمن بعيد .. لم يعد احد يلاحظ حزنها الا بالتمعن في عينيها الواسعتين أو عندما تتلبسها حالات شرودها المفاجئ ...
- اقعدي يا نعمات اشربي معاي الشاي .. وين عمار ؟؟ ..
- جاي .. بس مستني اميرة تطلع من الحمام عشان تمسك البت ..
- طيب كبي خلينا نشرب وهو يجي براحته ...
جلسا يحتسيان الشاي في صمت .. لم يعودا بحاجة الى الكثير من الكلمات .. لقد اصبحت حياتهما هادئة وتسير بنعومة .. اصبحا كصديقين تشاركا الكثير من تجارب الحياة السعيدة والتعيسة فربطت بينهما الفة واحتياج للرفقة دون غيرها من الاشياء .. لقد عاد الى بيتها بعد وفاة السرة .. احس بوحدة غريبة اخافته وجعلته يلتمس وجودها .. لم يتشاركا السرير .. فهو لم يكن بحاجة الى علاقة جسدية حميمة بقدر احتياجه لوجود كائن حي يتنفس قربه ويشعره بالحياة .. واكتفت هي بهذه الرفقة المنقوصة ولم تطالبه بالمزيد .. فمجرد وجوده قريبا منها الى هذا الحد حلم بعيد المنال تحقق بعد طول انتظار .. كانت نعمات تحمل كوبها بيد وترشف منه على مهل .. بينما انشغلت يدها الاخرى بعد حبات مسبحتها الصغيرة التي لم تفارقها منذ عودتها من الحج .. سرحت في اصوات الاطفال اللاهين في عالمهم .. كانو مختلفي السحنات والاعمار تجمعهم الشقاوة والعبث الطفولي .. ابتسمت لرؤية ولدي اميرة وابنة نادية التي ستبلغ الرابعة بعد ايام ... غامت افكارها عندما تذكرت تلك السنوات العجاف التي ناصبتها فيها ابنتها العداء .. كانت تتعمد تعذيبها برفضها الزواج والعمر يتقدم بها وفتيات الحوش يتزوجن واحدة تلو الاخرى ... كانت ترفض بلا ترو او نقاش .. فاندهش حامد من عناد ابنته الغريب والح على نعمات في السؤال لمعرفة الاسباب .. اخبرته باختصار شديد عن رفضها للعلاقة بين ابنتها وزميلها .. ذكرت الاسباب دون ان تخوض في التفاصيل .. يومها هنأها حامد على حكمتها في معالجة الامر دون ان يدرك سر الابتسامة الساخرة المتالمة التي ارتسمت على شفتيها .. لقد كان مرض هادية هو المعول الذي هدم جدار الصخر بينهما .. ففي احدى الصباحات الخريفية اتجهت نعمات الى غرفة ابنتها الصغرى لتزورها كما تفعل كل يوم بعد ان رفضت الخروج منها الا لشن غارة على المطبخ والتهام كل ما يقع تحت يدها من طعام .. اصبحت تصاب بنوبات هياج هستيرية اذا ما حاول احدهم منعها .. فوقفوا جميعاً يراقبون بالم جسدها وهو يتحول الى كتل شحمية قبيحة زادت من كآبتها وانعزالها .. وشراهتها ..
عندما فتحت الباب بعد طرقات خفيفة .. فوجئت بجسد هادية الضخم مسجي ارضاً ويسد الطريق .. كانت ساكنة الحركة ومن بين شفتيها المنفرجتين يخرج صفير متقطع بينما ابتل قمصيها القطني الفضفاض بالعرق .. اندفعت نادية الى الغرفة مذعورة اثر صرخات نعمات التى عكرت صفو الصباح .. تسمرت عندما رات منظر شقيقتها .. ثم بدات تشارك امها بالصراخ ...
اثناء ساعات الانتظار الطويلة خارج غرفة العناية المكثفة بدات رحلة ذوبان الجليد بين نعمات المنهارة ونادية الخائفة .. لقد تشبثت كل منهما بالاخرى في يأس .. واصبحت نادية تهتم بمواعيد ادوية والدتها .. وتجبرها على تناول الطعام .. تصر على عودتها للمنزل حتى تنال قسطاً من الراحة بينما تتبادل هي واميرة البقاء بجانب هادية الغائبة عن الوعي .. احست نعمات بالسعادة والامتنان لابنتها عندما دافعت عنها باستماتة وتصدت للطبيبة الغاضبة التي وقفت تصرخ في وجهها بعنف ..
- كيف تخلي بت في السن دة توصل لوزن مخيف زي دة ؟؟ كنتي وين من يوم ما بدا وزنها يزيد ؟؟ انتي ما عايشة معاها في نفس البيت ؟؟ ما كنت بتشوفيها لمن تاكل ؟؟ تاكدي انو الوضع الفيهو بتك دة حصل نتيجة لاهمالك .. دي لسة طفلة ... كيف تدخل في غيبوبة سكري ويكون ضغطها في السما ويجيها ضعف في عضلات القلب وقصور في الكلى والكبد ؟؟!! حتى لو حصلت معجزة وقدرنا نعالج ديل كلهم حيكون نظرها خلاص انتهى وحتعمى لانو ارتفاع السكري الشديد فجر كل الاوعية الدموية في عيونها ..
عندما رات نادية شحوب وجه نعمات الغارق في الدموع امام الهجوم العنيف .. وقفت في وجه الطبيبة وحالت بينها وبين امها ..
- اسمعي هنا .. انتي منو الاداك الحق تتكلمي مع امي بالصورة دي ؟؟ تفتكري يعني كان عاجبها تشوف بتها بتوصل لمرحلة زي دي وهي ما قادرة تعمل ليها حاجة ؟؟ انتي ما عارفة الظروف الاحنا عايشنها يبقى اوعك تحكمي عليها ولا علينا .. ولازم تفهمي انو البتتكلمي معاها دي ام .. عارفة يعني شنو ام ؟؟!! .. يعني سعادة عيالها اهم شئ في حياتها .. خلي جاية انتي بكل عجرفة وغرور تتهميها بالاهمال ؟؟ انتي دكتورة شنو انتي ؟؟ كيف تتعاملي مع اهل مريضة عندك بالصورة دي ؟؟ ياخي انعل ابو دكترتك العاوزة تذلي بيها خلق الله دي .. ويكون في معلومك امي دي عيانة ولو حصل ليها أي حاجة بسبب كلامك دة انا حاحملك المسئولية كاملة .
اشعرها دفاع ابنتها بالدفء وخفف عنها مرارة الحزن الكثيف الذي تعيشه .. قدمت نادية شكوى بحق الطبيبة وطالبت ادارة المستشفى بتغييرها .. كان البديل شاب خلوق .. صبور ومتفهم .. تفاني في رعاية هادية واصبح يقضي كل اوقات فراغه بجانبها .. وعندما اعلن وفاتها بعد شهر من وجودها بالمستشفى .. احتضن نعمات المفجوعة واجهش بالبكاء .. وظل مواظباً على الحضور طيلة ايام العزاء ومتابعاً لوضع نعمات الحرج التي ارتفع ضغط دمها بشكل استدعى ادخلها المستشفى والبقاء فيها لفترة طويلة .. وخلال ملازمة نادية لها نشأ ود خجول بينها وبين الدكتور ( نادر ) تنامى بهدوء بعد ان اصرت نعمات على ان يصبح هو طبيبها المعالج ... ولم تتفاجأ حين لمح لها برغبته في الزواج من ابنتها الجميلة التي وضعت في خانة عوانس الحوش منذ زمن بعيد .. تخوفت نعمات من رفضها المعتاد برغم احساسها بوجود قبول متردد منها ارادت ان تغذيه فخاطبتها بضراعة ...
- نادية يا بتي .. الله يرضى عليك ما ترفضي دكتور نادر .. الولد ممتاز وما فيهو عيب وعاوزك من قلبو لربو .. وانا قلبي بقول لي إنو انتي كمان بتميلي ليهو .. ادي نفسك فرصة وفكري كويس .. انتي ما بقيتي صغيرة .. وانا ابوك كبرنا وما حندوم ليك للابد لازم تعرسي وتجيبي ليك جنا يسندك في كبرك وعياك .. هسة لو ما انتي واختك منو الكان حيتجبر علي ولا يخدمني لمن عييت ورقدت ؟؟!! يا نادية لازم تنسي كل الحصل زمان وتبدي تعيشي حياتك من جديد ...
رمقتها ابنتها بنظرة خالية من اللوم والعتاب والحقد الذي سكن عينيها طيلة السنوات الماضية ...
- انا ممكن اوافق على دكتور نادر .. لكن بشرط ..
تلقفت الام الملهوفة الكلمات بفرح ...
- انا متاكدة انو حيوافق على كل شروطك .. بس ما تطلبي منو حاجات فوق طاقتو .. في النهاية دة موظف في بداية حياتو ودخلو محدود .. يا نادية ابوك منتظر عرسك دة من سنين .. وحيعمل ليك أي حاجة انتي عاوزاها ..
وهبطت كلماتها اللاحقة كلطمة في وجه نعمات ...
- شرطي اني احكي لنادر عن قصتي مع زاهر من اولها لاخرها .. اذا وافق بعد داك يعرسني حاقبل بيهو ...
دلت شهقة نعمات التي اعقبها صمت تام على صدمتها من كلمات ابنتها .. وعندما تمالكت نفسها خرج صوتها محبطاً باكياً ...
- يا بت انتي جنيتي ولا شنو ؟؟!! حرام عليك البتعمليو فينا دة ؟؟ عاوزة تفضحي روحك وتفضحينا معاك ؟؟ ليه ؟؟ عشان شنو ؟؟ ما تخلي الموضوع يمشي وعفا الله عما سلف ... أنسي ماضيك دة كلو بخيرو وشرو .. اعتبريهو كأنو ما حصل ... انا عملت العملتو زمان داك عشان لحظة زي دي ... ما تخافي ما حيعرف .. واذا ربنا سترك ما تفضحي روحك ... اسمعي كلامي .. انا امك .. عشت اكتر منك وبعرف اكتر منك نادر صحي دكتور ومتعلم ومثقف .. لكن في النهاية راجل .. راجل شرقي ... وسوداني .. وحاجة زي دي مستحيل يقدر يتجاوزها .. حتى لو قبلها هسة عشان بحبك وعاوز يرتبط بيك باي شكل ... لكن بكرة بتدخلوا في تفاصيل الحياة الزوجية بكل مشاكلها وروتينها ومللها واحباطاتها ... وفي اول ملف حيذكرك بالكلام دة لانو حيكون قاعد جواهو زي السوسة بينخر في عقلو ...
- امي .. دة شرطي الوحيد وما حتنازل عنو .. انا ما عاوزة ابدا حياتي مع نادر بكذبة كبيرة وامشي ليهو كاني بت لا عرفت ولا شفت .. نادر من حقو يعرف اني عشت تجربة زواج بكل تفاصيلها .. بما فيها الحمل والاجهاض ... بعد كدة هو يختار .. لو قبل بظروفي دي تاني ماحيقدر يقول اي حاجة ... اذا رضيتي أكلمو خير وبركة نمشي في الموضوع ونشوف حيوصل وين .. واذا ابيتي .. اعتذري ليهو طوالي وقولي اني رافضة اعرس ..
- يا نادية انتي لو كنتي معرسة بطريقة رسمية واتطلقتي ولا حتى راجلك مات ما كان حيكون فيها حاجة .. لكن ..
- دة شرطي .. موافقة ولا لا ؟؟
تم الزواج في حفل هادئ بسيط .. وخيب نادر كل توقعات نعمات المتشائمة .. كانت علاقته بنادية تزداد توهجاً بمرور السنوات .. وعبر عن حبه لزوجته وطفليه بانصهاره التام في عائلة ود العمدة الكبيرة ...
- معليش يا جماعة .. اتاخرت عليكم .. اميرة الظاهر عليها نامت جوة الحمام ونستنا انا والبت برة ..
سحب عمار كرسيه وجلس بين والدي زوجته وتناول كوب الشاي من يد نعمات شاكراً ...
- يا عم حامد لي كم يوم عاوز اسالك عن ابراهيم .. اخبارو شنو ؟؟ .. كنت ناوي امشي ازورو لكن ما لاقي زمن .. وكمان اميرة قالت لي انو ما راضي يقابل زول ...
اكفهرت ملامح حامد عندما سمع اسم ابن اخيه .. وعبرت وجهه سحابات الالم والغيظ المخلوط بالغضب .. لقد اعجزه هذا الولد الفاسد بعد ان فعل كل ما يستطيعه لتغطية افعاله الشائنة .. لم يعد بوسعه فعل شئ آخر غير امنية سرية كان يخجل ان يجاهر بها حتى لنفسه .. كان يتمنى له الموت ... وكان يبرر امنيته بان موته سيكون ستراً لهذه العائلة بعد ان اصبح فجوره العلني فضيحة تتبع اسمها كلما ذكر .. كان يتنسم اخباره عن بٌعد منذ ان طرده من المنزل قبل عام تقريباً عندما اتته حبيبة شاكية باكية للمرة الاولى منذ زواجها .. تكلمت بعد ان تعداها الاذى وطال صغرى بناتها .. الوحيدة التي ظلت في المنزل بعد زواج اختيها وانتقالهما للسكنى بعيدا عنهم ...
- يا عم حامد انت عارفني عمري ما إشتكيت من عمايل ابراهيم وتصرفاته .. وصبرت عليهو صبر ايوب .. لكن لمن جات على بتي ما قدرت اسكت .. ما عارفة الحصل ليهو شنو !! الظاهر البلاوي الكتيرة البيشربها دي خلاص طلعت في راسو وجننتو .. بقى خاتي نقرو من نقر البت ومكرهها عيشتها .. يجي وش الصباح مسجم ومرمد يصحيها من النوم ويقعد ينق في راسها لمن تجي مواعيد مدرستها .. المسكينة بالعافية تجري تلحق البص .. حاميها القراية وعامل ليها رعب .. بيضربها باي حاجة تجي تحت يدو .. امبارح فك فيها كباية الشاي ولو ما ربنا ستر كان فتحت راسها .. يا تشوف ليك معاهو حل يا عم حامد .. ولا انا اخلي البيت و اسوق بتي امشي اقعد في أي مكان ..
عندما فتح حامد باب منزل ابراهيم بعنف ارتج له الجدار .. وجده جالساً وسط سحابة من الدخان الازرق .. يدندن بلحن مبهم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة بلهاء ..كانت تفوح منه رائحة عرق نتن اختلطت بابخرة فمه التي تزفرها انفاسه فأصبح جو المكان خانقاً ومقززاً ...
- دة شنو دة يا ولد الانت بتعمل فيهو دة ؟؟!! .. بلاهي ما خجلان من روحك .. ياخي انت بناتك عرسو وولدو وبقيت جد .. حتوعى متين ؟؟ حتبطل الوسخ البتعمل فيهو دة متين ؟؟!! حتنضف متين ؟؟!! قوم حيلك اطفي الزفت الفي ايدك وغسل وشك ولا استحمى عشان تفوق والواحد يعرف يتكلم معاك ..
- أنا بكرهك ...
خرقت الجملة المفاجأة اذني حامد وظل واقفاً فترة طويلة يتامل ملامح ابن اخيه التي تحمل حقداً مخيفاً .. محاولاً استيعاب ما سمعه وما يراه ..
- قلت شنو يا ابراهيم ؟؟!! ...
- سمعتني كويس يا ود العمدة .. ما تعمل لي فيها رايح .. وكان ما سمعت بقولها ليك تاني .. انا بكرهك .. بكرهك اكتر من أي شئ في الدنيا دي .. اكتر من الموت زاتو..
- انا ما ححاسبك على كلامك دة هسة لانك ما في وعيك .. لكن لمن تصحصح كويس انا بعرف شغلي معاك ...
- حتعمل لي شنو يعني ؟؟ ... حتضربني ؟؟!! .. انا بحذرك من هسة لو حاولت تمد ايدك علي تاني بكسرها ليك .. اوعى تكون قايلني لسة الولد الصغير البخاف منك داك ؟؟ ولا يمكن قايلني لسة محتاج ليك ولقروشك ... فوق يا عمو .. فوق وعاين لي وشوفني كويس .. انا كبرت .. كبرت شديد .. وخليت الخوف منك من زمان .. وكان للقروش انا خلاص استغنيت عنك وعن وصايتك .. ورثتي من امي وابوي تعيشني مرتاح لآخر عمري .. يعني بالواضح كدة .. طظ فيك وفي قروشك ..
- انت ولد قليل ادب وما اتربيت .. ؟؟!! ..
- في دي كلامك صح .. اول مرة اتفق معاك في كلام تقولو ... انا بالحيل ما اتربيت .. انت قالوا عرست امي عشان تربيني .. لكن عمرك ما ربيتني .. اها اتحمل نتيجة عدم تربيتك لي .. اتحمل فكرة اني بقيت كدة بسببك ..
- ما تغش على نفسك يا ابراهيم .. انت ما بقيت كدة بسببي ولا بسبب أي زول .. انت بقيت كدة لانك عاوز تبقى كدة .. يعني شوف ليك شماعة غيري علق فيها سبب فشلك .. طول عمرك من ما انت صغير انسان مهزوز .. وكبرت بقيت فضيحة ماشة على رجلين .. كتر خيري الاتحملت بلاويك وقرفك السنين الفاتت دي كلها .. ودة والله ما عشان خاطرك .. عشان خاطر اسم اخوي الانت شايلو وما مشرفو .. اسمعني كويس يا ولد لاني ما حكرر كلامي دة كتير .. لو سمعت بيك تاني مديت يدك على بتك ولا ضايقت حبيبة حوريك الادب الطول عمرك ما شفتو .. فاهم الكلام دة ولا لا ؟؟ ..
- وانت الدخلك شنو في مرتي وبتي ؟؟ مالك ومالهم ؟؟ عاوز تشاركني فيهم كمان ؟؟ بياتو مناسبة ؟؟ هو انا كنت شاركتك في نسوانك الكنت بتعرس فيهم الصباح الصباح ديل ؟؟ ولا شاركتك في بناتك الفلطتهم زي الارانب ؟؟
نزلت عصا ود العمدة الغاضبة على راس ابن اخيه وانفجرت الدماء لتملا المكان ... لم يستطع احد اقناع ابراهيم بالتنازل عن بلاغ اتهامه لعمه بضربه الا ( بله) الذي اتى من القرية مسرعاً استجابة لاستغاثة نعمات ... عندما خرج ابراهيم من المستشفى رفض حامد عودته الى المنزل ...
- ما عاوزو في بيتي .. يمشي يشوف ليهو أي مكان تاني يلم فيهو حقدو وكراهيتو ووساختو ...
- برضو طظ فيك وفي بيتك .. انا من يوم ما عرست كنت عاوز اغور من خلقتك دي وانت الابيت واصريت على قعادي عندك .. وهسة حسوق مرتي وبتي واتخارج منك...
- ما عندك عندي مرا ولا بت .. اطلع براك .. انشاء الله تسكن جوة براميل الخمرة وتتسطل الليل والنهار .. انت حر في روحك .. لكن حبيبة وبتها مسئوليتي .. وما بخليك تسوقهم عشان تبهدلهم معاك ..
- طيب يا حامي حمى البشرية .. خليتهم ليك .. مش عشان انت قلت كدة .. لا .. عشان انا زاتي ما عاوزهم .. لكن في يوم من الايام لو جاني مزاج اسوقهم .. بسوقهم .. برضاك ولا غصباً عنك .. بالبوليس .. بالمحكمة .. باي وسيلة تريحني وتتعبك ..
خلال الشهور الاولى لاختفائه لم يهتم حامد بمعرفة مكانه .. ثم بدأ يبحث عنه تحت ضغط ( بله ) المهموم باحوال ابن اخيه .. اتاه مرساله مطرقاً خجلاً وهو يخبره عن ما توصل اليه ..
- أجر ليهو شقة في المهندسين وعايش ببذخ شديد .. سايق عربيتو الليل والنهار وحايم في حتت معينة يلقط الاولاد الصغار ويوديهم بيته .. الجيران بدوا يشتكوا من نوعية الناس البيجوهو وشكلهم .. وسمعت تحت تحت كدة انو البوليس خاتي عينو عليهو ومراقب كل تحركاتو ...
عندما سمع نبأ القبض عليه متلبساً في احد البيوت المشبوهة .. استخدم حامد كل علاقاته ونفوذه لمنع نشر الخبر .. ارسل المع المحامين لمقابلة ابراهيم الذي رفض ببرود أي مساعدة من عمه .. واعترف بكل التهم التي نسبت اليه .. عند اعلان الحكم بسجنه .. اهتزت قاعة المحكمة بضحكاته المدوية التي افزعت الجميع وشككتهم في سلامة قواه العقلية ...كانت جلسة اعلان الحكم آخر مرة رآه فيها أي من افراد اسرته بعد ان رفض استقبالهم عندما ذهبوا لزيارته في سجنه ...
- ما عندي أي اخبار عنو يا عمار .. لسة رافض الزيارة او أي محاولة تواصل معاهو...
نطق كلماته وهب مستئذناً على عجل .. بدت خطواته اكثر بطئاً وتعباً من ذي قبل .. فاحس عمار بالندم على سؤاله الذي نكأ جرح والد زوجته بدون قصد منه .. وقف ليلحق به ... فثبتته يد نعمات في جلسته وهي تتابع زوجها بنظرات مشفقة ومتفهمة ...
- خليهو هسة يا عمار .. اصلا سيرة ابراهيم دائما بتنرفزو .. لكن بعد شوية بروق وبرجع عادي ...
كاد حامد في اندفاعه البطئ ان يصطدم بمنال التي خرجت فجأة من الباب الداخلي للمنزل وهي تحمل حقيبتها الطبية ..
- بسم الله .. مالك يا منال مستعجلة قدر دة ...ماشة وين ؟؟
- معليش يا ابوي ما كنت منتبهة .. مواعيد حقنة خالتي رجاء جات وماشة اديها ليها ..
- رجاء عندها بدل الدكتور اتنين في البيت وتمشي انتي تديها الحقنة ؟؟!! ...
- قالت جمال وجاكلين ايدهم حارة ولمن يدوها الحقنة بتفضل واجعاها فترة طويلة .. لكن انا يدي باردة وما بتحس بيها ..
- رجاء دي بتتدلع ساكت ... يلا انا حامشي معاك .. لي زمن ما شفتها ..
دخلت منال بضجيجها المعتاد وهي تناوش جانيت ابنة جاكلين كعادتها .. حملتها بين ذراعيها رفعتها عالياً وهي تدغدغها وتتجاوب مع صرخاتها الطفولية العابثة ..
- هوي يا منال .. نزلي بتي دي في الارض ما توقعيها لي .. دي الحيلة يختي وما عندي غيرها .. اتاخرتي مالك ؟؟ ماما هوستني بالسؤال عنك .. وكالمعتاد ما رضت تخليني انا ولا جمال نديها الحقنة ..
- ليها حق ما تخليكم لانكم انتو الاتنين ايدينكم عاملة زي قوالب الطوب .. وانا ايدي خفيفة زي الريشة .. هو أي زول اتخرج من طب بينفع يكون دكتور ؟؟ يا فالحة الدكترة دي خشم بيوت..
تعالى صوت رجاء الزاجر من داخل غرفتها ...
- يا بنات بطلوا نقار مواعيد الحقنة فاتت .. يلا يا منال خلصيني ..
- جاية يا خالتي رجاء .. ومعاي ابوي حامد عاوز يسلم عليك ..
كان جمال قد خرج من غرفته ملهوفاً عندما سمع صوت منال .. ثم توقف اندفاعه لمراى ود العمدة برفقتها ..
- عم حامد .. اهلاً وسهلاً .. اتفضل اتفضل .. واقف برة ليه ؟؟
كانت العلاقة بين الاسرتين قد اذدادت رسوخاً بمرور السنوات وتقاسم ملمات الحياة .. بعد مقتل جانيت المأساوي احس حامد بمسؤليته تتعاظم تجاه الاسرة الصغيرة الغارقة في الحزن .. فاصبح هو وجميع اهل الحوش متواجدين بصفة دائمة لمؤازرة رجاء المنهارة حتى تلاشت كل الحواجز بين البيتين ... جلس حامد في الكرسي الملاصق لسرير رجاء وهو يخاطبها بحنو ابوي ..
- والله يا رجاء انتي بتتدلعي .. يا ولية قومي وشدي حيلك شوية .. انتي كويسة وما عندك عوجة .. مالك عاوزة تشفقينا عليك ؟؟ ولا بتعملي كدة عشان اولادك يقعدوا جنبك اليوم كلو ؟؟
منحته رجاء احدى ضحكاتها التي اصبحت نادرة ومتباعدة ..
- والله يا عم حامد لا عاوزاهم يقعدوا معاي ولا حاجة .. حتى اسال جاكلين .. البت دي يوميا انا بطردها عشان تمشي بيتها .. وحياة العدرا بقيت خجلانة من راجلها .. البت بتقعد عندي اكتر مما بتقعد عندو ..
- يا ماما يا حبيبتي ناصر عارف انك روحي ونفسّي .. واني مستحيل اقعد يوم واحد من غير ما اشوفك .. وبعدين هو ما يقدر يقول ولا كلمة .. مش كفاية انك بتعبك دة ومصرة تمكسي ليهو بتو وابيتي تخلينا نجيب ليك شغالة تساعدك ؟؟ وعلى فكرة يا جدو حامد ناصر زاتو بقى ينافسني في حب ماما لمن انا مرات بغير منو ..
رمقتها رجاء بحنان وهي تحتضن حفيدتها التي تسللت وتكورت في مكانها المفضل على صدر جدتها ووضعت ابهامها داخل فمها وهي تنظر الى الجميع ببراءة ..
- شغالة شنو الانا باخليها تعمل حاجة لجونا ؟؟!! دة انا لو بزحف على ايديني ورجليني برضو بسوي كل حاجاتها براي ... دي الغالية المخلياني احس انو الدنيا دي فيها حاجة تستاهل يعيشوا ليها ...
اشتكى جمال ضاحكاً ..
- شايف يا جدو حامد ماما بتقول شنو ؟؟ .. يعني احنا كلنا ما بنستحق تعيش عشانا .. وبسبب المفعوصة دي كلنا اترمينا في الرف ..
- يا ولد اعز من الولد ولد الولد .. وانت بس ريحني وعرس شوف انا عيالك حعمل ليهم شنو .. اها يا عم حامد طالما الموضوع انفتح خليني النشتكي ليك من جمال دة ... الولد كاسر قلبي بعدم عرسو .. ما عرفنا هو عاوز شنو .. جبنا ليهو بنات اشكال والوان .. اصل وفصل وتدين وتعليم .. وبرضو رافض .. عليك الله اتكلم معاهو .. انا عاوزة اشوف عيالو قبل ما اموت ...
- بعد الشر عليك يا ماما .. وبطلي حركات المسلسلات المصرية دي ... تموتي كيف يعني ؟؟ وتخلي التعب والشقاوة لمنو ؟؟ يا ماما انتي ملك الموت زاتو بيلاوز منك ويقول الزولة دي بتحب التعب عشان كدة خلوها عايشة مافي داعي نريحها .. يا ست الكل انشاء الله انا قبلك .. وتعيشي لمن تخرفي وتجننينا بخرفك .. واضح انو خرفك حيكون صعب خلاص ..
- بعد الشر عليك يا ولدي انتو لسة العمر قدامكم .. لكن احنا خلاص حناخد زمننا وزمن غيرنا ؟؟ يلا حسن الختام ..
- في شنو يا ماما وجمال ؟؟ مالكم قلبتوها غم كدة ؟؟ .. خلونا من سيرة الموت دي عليكم الله واتكلموا في أي حاجة تانية ..
عبرت وجه جمال سحابة قاتمة .. وظهرت لمعة غامضة في عينيه التي تفادت النظر الى جميع الموجودين بالغرفة .. وخرج صوته مبحوحاً ..
- ماما انتي مش مؤمنة ؟؟ مش عارفة انو الزواج قسمة ونصيب ؟؟ .. لازم تعرفي اني ما رافض الزواج في حد زاتو .. انا بس منتظر ربنا يقسم لي نصيبي ..
خيمت لحظة صمت كثيف على الغرفة بعد الكلمات الحارة التي كان لها وقع مختلف على كل شخص اطرقت منال بحزن وهي تقاوم الدموع التي تجمعت في عينيها وهددت بفضحها .. طرفت عدة مرات .. اعطت ظهرها للجميع وهي تتظاهر بتعبئة الحقنة .. فمنذ ذلك اللقاء العاصف الذي جمعهما ليخبرها جمال برغبته في انهاء ما بينهما .. تغيرت علاقتهما بصورة كبيرة .. واصبحت مشاعرهما اعمق وانضج واشد قوة مما كانت .. وبعد ان تخطى جمال محاولات تفاديها والابتعاد عنها واستسلم لاحتياجه الشديد لوجودها في حياته .. أبرما اتفاقاً صامتاً بترك الامور تسير كما قدر لها دون أي محاولة لدفعها في اتجاه آخر .. التزم جمال بعهده لها .. لم تكن هناك اخرى في حياته غيرها .. برغم وسامته التي عززتها سمعته كطبيب تخصص في مجال جراحي نادر وصعب وجعلت الفتيات ينجذبن اليه ويتحلقن حوله اينما سار .. وبرغم تحسن اوضاعه المادية بشكل ملفت جعله حلم الكثيرات .. الا ان منال ظلت هي حلمه الاوحد ..
كان يحس بالالم والفرح معاً عندما يتناهى الى سمعه رفضها للعرسان الواحد تلو الآخر .. لم تكن تخبره ... لكن جاكلين المهمومة بعدم زواج صديقتها كانت تاتي وتحكي لامها عن عناد منال الغير مبرر ورفضها القاطع برغم كل الضغوط التي تمارس عليها .. في احدى المرات كان العريس شاب يحمل كل صفات فى الاحلام لاي فتاة .. فاحس بذنب قاتل يتاكله .. حاول مناقشتها واقناعها بالموافقة ..
- منال ... عاوز اطلب منك طلب بس اوعديني ما ترديني فيهو ..
- طلب ؟؟!! .. انت تامرني يا جمال وانا اطيع .. قول عاوز شنو ؟؟ ..
- ارجوك .. ارجوك يا منال وافقي على الزول المتقدم ليك دة .. اتزوجي وعيشي حياتك .. العمر بيجري .. وانا خايف عليك .. وحاسي بالذنب لاني معلقك معاي في وضع ما عارف نهايته شنو .. انتي بتستاهلي تتزوجي احسن انسان في الدنيا دي .. وتجيبي احلى عيال ... تستاهلي تعيشي سعيدة .. منال انتظارك لي ما منطقي وما فيهو شئ من العقل .. حتنتظريني لمتين ؟؟!! .. اذا انا زاتي ما عارف انا منتظر شنو ..
قاطعته بلهجة غاضبة .. حاسمة ..
- اسمع يا جمال .. كلمة قلتها ليك من زمان .. حستناك ولو العمر كلو .. يعني يا اعرسك انت ولا بلاش .. انا يا جمال ما محتاجة مجرد راجل اشاركو السرير ويصرف علي ويبقى اسمي مقرون باسمو .. انا بالذات بعد تجربة امي وابوي مصرة اني ما اتزوج تحصيل حاصل .. لازم زاوجي يكون تتويج لاحساس جواي ... لانو الزواج في حد زاتو ما هدف بالنسبة لي .. الزواج مجرد وسيلة تحقق لي رغبتي في الانتماء لانسان محدد انا بحبو وعاوزة ابقى جزء منو اشيل اسمو واربي عيالو .. فهمت ولا اشرح زيادة ؟؟ ..
بعد هذا النقاش احبها اكثر .. احترمها اكثر .. وتمناها اكثر .. ولم يفاتحها مرة اخرى في امر زواجها بآخر ...
قطع صوت جاكلين المرح حبل الصمت المشحون ..
- انتو ليه شانين حملة على جمال براهو ؟؟!! .. ما عندكم مثال تاني .. الدكتورة منال العاوزة تبقى راهبة .. ونست زمان لمن بتتشاكل معاي عن موضوع دخول البنات الدير وفكرة الترهبن في الدين المسيحي .. كانت بتقول لي لا رهبانية في الاسلام .. اها هسة هي بقت راهبة مسلمة ..
تحولت الانظار الى منال التي فرغت للتو من سحب الحقنة من ذراع رجاء .. رفعت راسها اليهم وابتسمت باطمئنان ..
- انا تقريباً عندي نفس فكرة جمال عن الزواج .. انو قسمة ونصيب .. قدر مكتوب ومسطر من قبل ما نتولد .. حاجة ما بتحصل الا لمن ربنا ياذن .. وفي لحظة ما بعلمها الا هو سبحانه .. وما تمشوا بعيد .. اقرب مثال نادية بت أمي نعمات .. قعدت بالسنين ترفض العرسان .. ولمن جا الدكتور نادر .. ما فتحت خشمها وطوالي وافقت برغم انو ما كان احسن زول اتقدم ليها .. طيب وافقت ليه ؟؟!! لانو المسالة ما بتخضع لاحسن واكعب .. المسالة انو ربنا لمن يقول ليها كوني بتكون .. انا ما رافضة اتزوج انا بس منتظرة اللحظة البيقول فيها ربنا كوني .. وصدقوني وقتها داك ما حقدر اقول لا ولا أي زول تاني حيقولها ... مهما كان الشخص المتقدم لي ..
علت وجه جمال ابتسامة فخورة تبعها تعبير ناعم سرعان ما اختفى .. لكنه لم يفت عيني ود العمدة البارعتين في التقاط التفاصيل .. قطب حاجبيه بعد ان بدات فكرة غامضة تتشكل في عقله ... نقل نظراته ما بين حفيدته الحالمة .. وجمال الهادئ .. ضربه الادارك كالبرق .. واحرق روحه الكهلة .. بدات جملة مخيفة تتردد في عقله ... واستمرت بالحاح مقيت حتى اوى الى سريره ليلاً..
- جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! ... مستحيل ..
اغمض عينيه وهز راسه حتى ينفض عنه الفكرة ... تواترت الى ذاكرته المتعبة احداث متفرقة لم تكن تعنى شيئا ساعة حدوثها .. لكن تبعاً لادراكه الجديد اصبح لها معنى مختلف ... بدات التفاصيل تتجمع مع بعضها كقطع الاحجية المثتناثرة .. واصبح السؤال يدوي في عقله كقرع الطبول ..
- جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! ... مستحيل ..

جاكس
06-11-2012, 04:58 AM
الفصل الثاني والعشرون

عزلت رحمة نفسها في غرفة نومها وهي تتلهف لقراءة خطاب شقيقتها منذ ان سلمه اياها محمود ظهراً عند عودته من العمل .. وضعته في جيب قميصها وظلت تتحسسه كل دقيقة للتاكد من وجوده في مكانه .. كان صبرها يقل كل ما بدات في مهمة جديدة من مهامها المنزلية ..اخيراً وعندما تفرغت تماماً تربعت في منتصف سريرها وحملت الظرف الازرق ضمته الى صدرها واستنشقت رائحته بشوق ... لقد اعتادت منال ان تضع لها بضع قطرات من عطرها المفضل داخل كل رسالة فترسل لها لمحة منها يبقى عبيرها لفترة طويلة .. بدأت القراءة الاولى التي كانت تتبعها عادة قراءت اخرى حتى تكاد تحفظ مواقع النقاط والفواصل المكتوبة بخط منال المنظم الانيق ...

ستوكهلم 12 سبتمبر ...

اختي الحبيبة رحمة .. قبل أي شئ خليني اقول ليك كل سنة وانتي طيبة .. وعقبال مية سنة من العمر المليان صحة وعافية يا رب ... اتمنى جوابي دة يوصلك في نفس يوم عيد ميلادك .. ما تخافي طبعا حاضرب ليك تلفون لاني مشتاقة لصوتك وصوت العيال .. لكن رسلت ليك الجواب عشان عارفة هوسك في الاحتفاظ بجواباتي ...
ابتسمت رحمة وهي تسترق نظرة خاطفة الى الصندوق الخشبي الصغير المطعم بالصدف وهو يحتل مكانه الاثير بجانب سريرها ... كانت تحتفظ فيه بكل رسائل منال التي بدات ترسلها لها بعد مغادرتها البلاد منذ اربع سنوات لم تعد فيها الا مرة واحدة عند وفاة جدهم حامد ود العمدة الذي رحل بهدؤ اثناء نومه وعلى وجهه شبح ابتسامة غامضة .. لم تستطع اللحاق بمراسم الدفن التي تمت في القرية حيث دفن في قبر ملاصق لقبر زوجته الاخيرة امونة وطفلهما كما اوصى قبل موته بزمن طويل .. عند وصولها متعبة وحزينة بعد رحلتها الطويلة ارتفعت حرارة البكاء مرة اخرى .. وعندما احتضتنها بلقيس بعنف .. لاحظت رحمة الغمزات المتطايرة بين اهل والدتها المحتجين على سفر منال وبقاءها وحيدة في دولة اوربية .. لقد كانت حاضرة اثناء غالبية المشاحنات التي وقعت بين امها واهلها ... كانت بلقيس تدافع بحرارة عن حق ابنتها في التعليم ...
- منال من حقها تتعلم لغاية آخر درجة في التعليم ..انتو ليه عاوزني امنعها ؟؟ عشان هي بت ؟؟ وشنو يعني بت ؟؟ انا بتي مربياها كويس .. بثق فيها وفي اخلاقها وتصرفاتها .. شنو المشكلة انها تكون براها .. حتعمل حاجة غلط يعني ؟؟ طيب هي لو عاوزة تغلط وهي قاعدة هنا ومعاي في بيت واحد تفتكروا انا بقدر امنعها ؟؟ انتو عايشين وين ؟؟ زمن الرقابة حقت الاهل البسالوا البت ماشة وين وجاية من وين ومصاحبة منو دي انتهت زمان ... الزمن الفينا دة الرقابة بقت الا من جوة البني آدم براهو .. والواحدة لو عاوزة تعمل شئ غلط لا ام ولا ابو ولا اخو ولا عم بيقدر يمسكها .. هسة البنات الحايمات هنا ديل ما قاعدات مع اهلن ؟؟ قدروا يمنعوهن ؟؟!! ... حاول البعض من اهلهم تاليب الاب الغارق في ملذات حياته لمنع ابنته من السفر .. لكنه لم يهتم ... خصوصا عندما علم بموافقة ود العمدة ومباركته لخطوة حفيدته التي اثلجت صدره بتفوقها في الحصول على الماجستير والدكتواره في زمن قياسي جعلها حديث النشرات الطبية نسبة لتخصصها الجراحي النادر ... أحست رحمة بغصة في قلبها لابتعاد شقيقتها الوحيدة .. وكانت من اشد المعارضين لقرار سفرها .. لكن اصرار منال الشديد ... وموافقة بلقيس المترددة التي حسمتها موافقة ود العمدة وحماسه الشديد للفكرة جعلها تصبح واقع خيم بظله الحزين على كل اهل البيت .. وخلال اقل من شهر كانت منال قد انهت كل اجراءتها ... لم يثنها شئ لتاجيل مواعيد رحيلها .. حتى توسلات صديقتها الحميمة جاكلين للبقاء بضعة ايام فقط لحضور زواج جمال لم تجعلها تغير رائيها .. اعتذرت وتعللت بمطالبة الجامعة لها بالحضور في موعد محدد للحاق بالفصل الدراسي ... خلال تلك الايام اصبحت رحمة تتبع منال كظلها وهي لا تكاد تصدق بانهما سوف تفترقان .. لكن تصرفات منال كانت تصيبها بالحيرة .. فقد بدأ وكأن شقيقتها تتهرب من البقاء مع افراد اسرتها وتفضل التغيب خارج المنزل لساعات طويلة بحجة تجهيز الاوراق اللازمة للسفر .. وحتى عندما تعود من مشاويرها التي لا تنتهي كانت تتظاهر بالتعب لتبقى وحيدة في غرفتها .. وتبكي ...
كان حزن منال العميق يفزعها .. لقد اعتادتها مرحة حتى في اصعب الاوقات ... لكنها خلال الشهر الاخير تحولت الى مخلوقة اخرى .. اختفت ضحكاتها وغابت ابتسامتها .. نحل جسدها وعافت نفسها رفقة احبابها .. لقد بذلت هي وامهما المستحيل لمعرفة اسباب حالتهاالغريبة .. لم تكلا من سؤالها ... وكان جوابها مماثلاً في كل مرة .. وتذكرت رحمة آخر نقاش دار بينهما واثار مزيداً من القلق في نفسيهما ...
- يا جماعة انا كويسة ما عندي حاجة .. بس الشغل كتير وانا مضغوطة شديد .. ما تقلقوا .. ايام وبتعدي ...
- طيب يا بتي اخدي اجازة وارتاحي لغاية مواعيد سفرك ما تجي .. يعني انتي حتفضلي تساسقي كدة لغاية يوم السفر ولا شنو ؟؟!!...
- اجازة ؟؟ لا يا امي ما عاوزة اجازة .. مش بيقولوا الشغل الكتير هو احسن علاج للزول عشان ينسى همومو ؟؟ ..
- هموم ؟؟ وانتي هموم شنو العندك يا منال ؟؟ يا بتي الله يرضى عليك وريني مالك .. لو عندك مشكلة احكي لي .. مش انا طول عمري باتعامل معاك انتي واختك على اساس اننا صحبات ؟؟ وريني الحاصل عليك شنو ... احكي لي مالك ..
- قلت ليكم مافي حاجة .. ما تكبّروا المواضيع ساكت .. انا كويسة .. العندي دة شوية ارهاق .. لكن انتي عارفاني يا امي انا بحب شغلي وما بلقي نفسي الا فيهو ...
- طيب يا منال ما تفكري في العريس المتقدم ليك دة .. يا بتي الولد ممتاز .. ادي نفسك فرصة تعرفيهو وبعدين قرري ايوة ولا لا .. لكن ما منطق انك ترفضي طوالي كدة من غير حتى ما تعرفي اي حاجة عنو ..
- امي الله يخليك ما تعكننيني بسيرة العرس دي .. انا قلت ليكم من زمان ما بفكر في الموضوع دة هسة .. لمن يجي وقتو ..
- ووقتو دة حيجي متين انشاء الله ؟؟ حددي لي بعد كم شهر ولا كم سنة ؟؟ يا منال انتي كبرتي والقدرك كلهم عرسوا زمان واولادهم بقوا كبار .. وريني بس منتظرة شنو ؟؟ لو عندك زول معين في راسك كلميني بيهو .. وصدقيني مهما كان ما حنرفضو لاننا بنثق فيك وفي اختيارك ...
ردت منال بمشاغبة اعادت اليهم جزء من صورتها القديمة ...
- متاكدة يا امي ؟؟!! .. مهما كان حتوافقوا ؟؟!! اوعي بعدين تنطي من الكلام دة .. خليك شاهدة يا رحمة ..
بدت في عينيها نظرة جادة برغم صوتها المازح ... وعندما رات علامات التوجس تتقمص ملامح امها انهت النقاش بضحكة حزينة تبعتها اثناء انسحابها مخلفة ورائها عشرات الاسئلة في راس الام المتحسرة ... تذكرت رحمة اختفاء منال الغامض لعدة ساعات قبيل سفرها بيوم .. خرجت بصمت دون ان تخبر احدا عن مقصدها .. وعادت بحالة مزرية .. كانت ملابسها المجعدة الفضفاضة تنبئ عن كمية الوزن الذي فقدته خلال الفترة الماضية .. ارتمى شعرها المشعث وراء ظهرها باهمال .. بينما شعت عيناها المنتفختان بلون احمر وسط بشرة وجهها الشاحبة .. بهت الجميع لمرآها واكثرهم بلقيس التي اصابها الفزع على حال ابنتها .. فقد بدت كجثة تسير على قدمين .. وعندما حاولت ان تتبعها الى غرفتها التي دخلتها بشرود دون ان تلقي بالاً لافراد اسرتها المجتمعين بانتظارها .. ثبتها ود العمدة بحركة حازمة من عصاه ...
- خليها يا بلقيس .. منال بتمر بظرف نفسي صعب ما تضغطي عليها ... وهسة مافي أي زول يحاول يتكلم معاها .. خلوها لغاية ما تروق ..
- لكن يا ابوي ما شايف البت شكلها بقى كيف ؟؟!! هو سفرها دة في زول جابرها عليهو ؟؟!! مش براها المصرة وعاوزة تمشي ؟؟!! لو ما قادرة عليهو خلاص تخليو وتقعد تواصل تحضير هنا واهو عندها شغلها .. وتكون جنب الناس ...
- لا يا بلقيس .. منال لازم تسافر ...
اصيب الجميع بالاستغراب لرده الحاسم .. واندهشوا من حماسه واصراره على سفر حفيدته بعد توقعاتهم بان يكون اكبر رافض ومعارض للفكرة .. واصبح موقفه مبعث حيرة وتساؤل لدى افراد اسرته..
كانت رحمة تنتقل ما بين سطور الخطاب القابع في حجرها وذكرياتها التي تلغي الحاضر وتعود بها الى تلك الايام التعيسة التي اعقبت سفر منال .. لقد احست وكأن جزء من جسدها قد بتر ودخلت في كآبة عميقة جعلتها تهمل حتى زوجها وطفلها .. تحلى محمود بصبر فائق واصبح يعاملها برقة وحنان اكثر مما سبق حتى تغلبت على غياب توأم روحها وبدات تتعامل معه كامر واقع ...لكن اذداد قلقها لانقطاع اخبار منال طيلة الاربعة اشهر الاولى .. لم يصلهم منها غير مكالمة يتيمة اخبرتهم فيها بوصولها بسلام واستقرارها في الجامعة .. ثم تبعها صمت تام جعل بلقيس تكاد تموت لولا مواساة ود العمدة الذي كان يتكلم عن منال بحزن غريب ... عندما وصلتها اول رسالة بعد الانقطاع القاسي صارت ترياقاً لروحها المعذبة ...
اكملت رحمة قراءة الخطاب .. اعادت ضمه الى صدرها .. مسحت دموعها التي ترافقها في قراءة كل رسالة .. ثم اخرجت الاقلام ومجموعة الاوراق من الدرج وبدات في كتابة رد طويل يحتوي على ادق التفاصيل والاحداث التي حدثت في حياتها وحياة اهل الحوش منذ الخطاب الاخير ...
كانت استفاضتها في السرد مبعث راحة لمنال التي تربعت في منتصف السرير الضيق بغرفة استراحة الاطباء بمستشفى استوكهلم العام .. كانت تلتهم السطور بلهفة وهي تحس بالامتنان لشقيقتها التي لا تغفل شاردة ولا واردة بدون ان تذكرها لها مما جعلها تشعر بانها ما زالت هناك .. تعيش معهم وتشاركهم تفاصيل حياتهم .. خصوصا بعد الانعزال المتعمد الذي مارسته خلال الشهور الاولى لوصولها .. كانت بحاجة لان تقطع كل صلاتها بالسودان .. وكل شئ يذكرها بجمال ... دق قلبها دقات متتالية عندما مر اسمه في خيالها ... ما زالت ذكراه تحرك مشاعرها برغم مرور كل هذه السنوات على فراقهما ... جمال هو الرجل الوحيد الذي ثملت بحبه منذ سنوات مراهقتها الاولى ... الرجل الوحيد الذي استطاع ان يعزف اوتارها الصحيحة ويمتلك مفاتيح حواسها .. فهو لم يكن بالنسبة لها مجرد حبيب فقط .. كانت تحسه الاب الذى تخلى عنها .. والشقيق الذي لم تحظ به قط والصديق الذي يكمل جملتها الناقصة .. كانت تحس معه بامان لا حدود له ويمنحها وجوده سعادة مفرطة .. معه لم تكن تحتاج لكتير من الكلمات .. تكفيه نظرة ليفهم ما تريد .. لقد وصلا الى مرحلة من التفاهم النادر جعلتهما يؤمنان بان لا حياة لاحدهما دون الآخر ... لذلك كانت صدمتها عنيفة عندما طلب منها ان تلتقيه في احدى الكفتريات الهادئة التي اعتادا على الجلوس فيها .. عندما راته قادماً من بعيد بدا لها وكانه انسان آخر بملامح مختلفة .. كان قد اختفى منذ ثلاثة ايام بعد ان اخبرها في اتصال تلفوني مقتضب بانه سيبقى في المستشفى لحالة طارئة ولن يستطيع التواصل معها..
- بسم الله يا جمال .. مالك شكلك عامل كدة ؟؟ .. انت عيان ولا حصل شنو في المستشفى ؟؟!! ...
ولاول مرة في تاريخ علاقتهما بات الصمت ردا على سؤالها .. افزعتها نظراته الميتة التي تتفادى عينيها المتلهفتين لعناق عينيه ... كما افزعتها الرائحة المنبعثة من جسده والتي دلت على عدم استحمامه منذ مدة .. لقد اعتادته نظيفاً .. انيقاً .. عطر الرائحة .. مرت عليها لحظات صمته كالدهر وبدا الخوف يتفاعل ويتصاعد بداخلها كالبركان .. كان القادم اسوأ مما تستطيع تحمله ...
- منال .. انا ما كنت في المستشفى ولا عندي حالة طارئة زي ما قلت ليك ... انا اختفيت لاني ما كنت قادر اواجهك ولا عارف اقول ليك الحقيقة .. لانو الحقيقة عاملة زي قصة من القصص الرخيصة البعملوها في المسلسلات ... حاجة كدة اصعب من إنها تتصدق او الانسان يقدر يتعامل معاها ... نوع من مفاجآت الحياة القاسية الممكن نتخيل تحصل للناس التانيين لكن ما تحصل لينا ... سامحيني يا منال .. سامحيني لاني مضطرأخون عهدي القطعتو ليك وانهي أي حاجة بيناتنا لاني خلاص حاخطب واحدة قريبة طنط ايزيس الاسبوع الجاي .. والعرس حيكون بعد شهر ..
لم تستمع الى بقية كلماته بعد ان بدأ طنين حاد يدوي داخل اذنيها .. احست بكل ما حولها يدور ببطء كانه مشهد في فلم سينمائي .. وبدات الطاولات والمقاعد تلعب فوق راسها .. والجدران تقترب حتى اطبقت عليها ... قطرات ماء باردة على وجهها جعلتها تستعيد قدرتها على الادراك بما حولها كان جمال واقفاً فوق راسها وهو يمسح وجهها بمنديله المبلل محاولاً اجبارها على احتساء جرعة ماء نفضت يده بعنف وهي تتمتم ...
- انا اكيد بحلم .. مستحيل دة يكون حقيقي .. دة كابوس ...
ارتمى جمال على كرسيه بتعب وخرج صوته مصبوغاً بمرارة موجعة ..
- منال ماما بتموت .. ما باقي ليها كتير .. سرطان في المعدة في مرحلة متقدمة ما بنفع معاها أي علاج ...
شهقت منال بالم ... كانت رجاء بالنسبة لها ام اخرى احبتها كما احبت بلقيس ... لم يلتفت جمال لرد فعلها وواصل كلماته كانه يكلم نفسه ...
- ما كانت بتشتكي من أي شئ .. زي عوايدها بتتالم بصمت .. كانت مفتكرة الموضوع بسيط .. القرحة قايمة عليها عشان ما ملتزمة بالاكل ولازم تطبخ بالسمن البلدي والشطة الخضرا .. او يمكن وجع معدة من كترت الحبوب البتبلعها .. قبل تلاتة يوم لقيتها في اوضتها بتبكي .. الالم شد عليها وبقت ما قادرة تتحمل .. شلتها جريت بها المستشفى وعملت ليها كل الفحوصات والتحاليل .. الدكتور قال اننا اكتشفنا المرض بعد فوات الاوان .. وانو خلاص مافي أي علاج حينفع بعد دة الا المسكنات ... حاولت اغشها واقول ليها انو ما عندها حاجة وانها بتتدلع زي كل مرة .. لكن ما صدقتني واصرت ترجع البيت ورفضت تقعد في المستشفى ... منال .. انا الايام الفاتت كنت بموت في كل لحظة وانا حاسي بالعجز قدام المها ... لعنت شهاداتي وقرايتي الما قدرت استفيد منها عشان اخفف بيها عن اعز الناس .. وفي نفس الوقت ما قادر افضفض لزول حتى خالو وجاكلين ما قدرت اكلمهم خفت يبان عليهم وماما تحس ونفسيتها تتدهور زيادة ... اول امبارح نادتني في اوضتها كان كلامها واضح شديد .. قالت لي انها عارفة انو اجلها خلاص قرب .. وانها ما خايفة من الموت بالعكس مبسوطة لانها ماشة لبابا وجانيت ... لكن عندها طلب اخير لازم انفذو ليها عشان تمشي راضية وسعيدة .. اني اتزوج العروس الرشحتها لي طنط ايزيس .. قالت عاوزة تموت وهي مطمنة اني استقريت وعملت اسرة .. عارفة انا قعدت بعد كلامها دة ساعتين بالضبط احاول اقنعها انها تصرف نظر عن الموضوع .. اتحججت بكل الحجج الممكن تتخيليها ... في النهاية لمن حسيت انها ما مقتنعة قربت احكي ليها عننا .. انا عارف هي بتحبك قدر شنو ... بس مسكت روحي في آخر لحظة خفت كلامي يزيد مرضها ... في النهاية قالت لي يا اما اوافق على العروس او حتخاصمني لغاية آخر يوم في عمرها .. وحتموت وهي غضبانة علي .. وكمان ما حتبلع الادوية ولا حتاكل ولا تشرب ...
في الاول يا منال كنت قايلها بتهوش ساكت عشان انا اوافق .. وقلت اخليها كم يوم وانا متاكد انها حتنسى كلامها كلو ..لكن الحصل عكس توقعاتي .. اصرت على موقفها بصورة غريبة .. رفضت الاكل والشراب والحبوب المسكنة .. رفضت تتكلم معاي وبقت لمن ادخل عليها بتدور وشها الناحية التانية .. قعدت يومين من غير ما تاكل ولا تاخد علاج .. انا بقيت زي المجنون وما عارف اعمل شنو .. اتصلت بخالو وجاكلين وناديتهم يمكن يقنعوها تاكل وتبلع الادوية من غير ما اوريهم تفاصيل مرضها .. لكن عندت مع الكل ومافي أي زول قدر عليها .. بدا المها يزيد في كل لحظة عن التانية .. اتخيلي بس يا منال الحالة الانا كنت فيها .. ما كان قدامي أي خيار تاني غير اني اوافق على العروس عشان ترضى تاكل وتبلع الحبوب .. ما قدرت اقيف اتفرج عليها وانا شايف الالم بيقطعها بدون ما اعمل حاجة .. كنت مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا عشان هي ترتاح .. دي ماما يا منال .. وانتي اكتر واحدة عارفة يعني شنو ماما بالنسبة لي ...
ارتج جسده ببكاء مكبوت .. وتمردت دموعه فسالت بغزارة ... هالها منظره .. والبؤس الذي يتقطر منه .. احست بعجزه وقلة حيلته .. لم تستطع تحمل رؤيته بهذه الحال .... فتمالكت نفسها .. وحاربت كل المشاعر التي تصطخب بداخلها ... وخرج صوتها ثابتاً بشكل ادهشها هي شخصياً ...
- بس يا جمال .. ما تنهار بالصورة دي ... انا هسة خلاص بقيت فاهمة ومقدرة ظروفك عارفة انو القرار دة انت اخدتو غصباً عنك ... دي امك الربتك وتعبت فيك لغاية ما بقيت راجل ودكتور مشهور .. ضحت بكل حاجة عشانك انت واخواتك .. ودة الوقت المفروض تردوا ليها جزء من العملتو ليكم ... حتى انا ما برضى أي حاجة تحصل لخالتي رجاء بسببنا .. ولا بقدر اتحمل وزر الشئ دة .. ربنا اراد كدة حنعمل شنو ؟؟ دة قدرنا .. وما قدامنا غير اننا نقبلو..
كان لسانها يردد الكلمات الجوفاء بآلية بينما دواخلها تغلي بالرفض والاحتجاج الذي لم تجرؤ على اعلانه .. بدت ملامحها هادئة ولم يظهر فيها السواد الذي احتل روحها وصبغ عالمها بلونه الكئيب .. كان عزاؤها انه يتخلى عنها لاجل سبب نبيل .. لم يكن ما يفعله مجرد عذر للتملص من علاقتهما .. كانت واثقة من حبه لها ورغبته فيها .. لقد اثبت لها اخلاصه وصدق مشاعره بكل طريقة ممكنة طيلة السنوات الماضية .. ادركت صعوبة ما يحدث عليه .. لانها احست بكل ما يدور في اعماقه .. فقد كان يدور في اعماقها بنفس العنف والقسوة .. لكنها اختارت ان تتماسك ... كان على احدهما ان يفعل ...
- منال انا ما عارف كيف هعيش من غيرك !! كيف واحدة تانية تبقى مرتي ؟؟!! ... حديها شنو ؟؟!! ما عندي شئ اديهو لاي انسانة تانية غيرك .. لاني اديتك كل احساس جواي من يوم ما عرفتك .. انا اتعلمت الحب على ايديك .. عرفت يعني شنو رغبة لمن بكون جنبك ... شفت الدنيا بعيونك .. حسيتها باحساسك .. كنت حريص على مستقبلي عشانك وعشان اولادنا الجايين .. كنت بنوم عشان احلم بيك .. واصحى عشان اشوفك والاقيك ... بقيت آكل الاكل البتحبيهو .. بامشي الحتت البتفضليها .. بالبس الهدوم البتعجبك .. باتعطر بالريحة البتختاريها لي .. كل ما ارفع يدي واعاين للساعة بتذكر انها هديتك لي يوم التخرج .. دة انا حتى اضافريني باقصها بالطريقة الانتي بتحبيها .. يلا وريني مفروض اعمل شنو عشان انسى دة كلو ؟؟!! .. وريني الطريقة البتخليني اعيش من غير ما اشوفك في كل زاوية من افكاري .. وريني كيف اقبل الواقع الاتفرض علي دة من غير ما اجن ؟؟!! ...
عندما خرجت منال من الكافتريا كانت قد تحولت الى شخص آخر .. انطفأت كل الاشياء بداخلها .. لم يتبق من مشاعرها سوى رماد باهت .. ظلت تدور في الشوارع على غير هدى دون ان تحس بحركة البشر حولها .. لم تنم ليلتها .. ولا عدة ليال اخرى بعدها .. فقدت الاحساس بكل شئ حولها وفقدت الرغبة في كل شئ .. عافت نفسها الاكل والكلام حتى عملها .. اعتكفت في غرفتها وادّعت المرض حتى تبرر حالتها الغريبة ..
وفي اليوم الذي حضرت فيه جاكلين بانفاس لاهثة كي تدعوهم لحفل خطبة جمال .. زارها جدها في غرفتها لاول مرة .. جلس في طرف السرير المقابل لها .. ثبت راسه على كفتي يديه المتكئتين على عصاه .. تفحصتها نظراته بالم .. وادراك ...
- منال .. انتي مش كنتي مرة لمحتي لي انو الجامعة عرضت عليك منحة تحضير في السويد وانا رفضت ؟؟
رفعت راسها بدهشة ونظرت الى العجوز الهادئ ... احست بنظراته تغوص عميقاً داخل روحها وتفضح اسرارها .. لم تتكلم .. نزلت ببطء من سريرها .. جلست ارضاً تحت قدميه ووضعت راسها على حجره وبكت .. لم يقاطع نحيبها الذي طال .. وظلت يداه تربتان على راسها وكتفيها بحنان وتفهم حتى توقفت اهتزازات جسدها وهدأت انفاسها ...
- انا موافق تسافري يا منال .. ومتاكد انو السفر حيفيدك في حاجات كتيرة .. عاوزك من بكرة تمشي الجامعة وتبدي تجهزي اوراقك .. عندك مبلغ مفتوح .. أي حاجة عاوزاها اعمليها .. ولغاية نهاية الشهر عاوزك تكوني خلصتي كل شئ وسافرتي ...
قفز قلبها قفزات متتالية وتحاومت الشكوك حول راسها .. هل يعرف جدها شيئاً عن علاقتها بجمال ؟؟!! لماذا زارها اليوم تحديداً ؟؟ ولماذا يصر على سفرها قبل زواج جمال الذي حدد له بداية الشهر الجديد ؟؟ لم تجرؤ على سؤاله .. واكتفت بالضؤ الاخضر الذي فتحه لها لتهرب من مكان لم يعد يسعها .. واصبحت فكرة السفر هي ما يربطها بالحياة .. ركزت كل تفكيرها في انهاء اجراءتها والمغادرة قبل اليوم الذي سيصبح فيه جمال رسميا ملكا لامراة اخرى غيرها .. لم تكن ستحتمل رؤيته مع اخرى .. وساعدتها اعضائها عندما اصيبت فعلياً بالمرض يوم حفل خطبته وارتفعت حرارتها الى درجة مخيفة وكادت تستفرغ احشائها عندما انتهت سوائل جسدها في سيل لا ينقطع من القئ .. اصر جدها على ذهاب الجميع الى الكنيسة لمجاملة رجاء .. وبقى هو معها يحيطها برعايته بصمت يحمل الكثير من الاسرار .. كانت ممتنة له الى ابعد الحدود واذدادت له احتراماً وحباً خصوصاً بعد ان تحول شكها في علمه بمشاعرها تجاه جمال الى يقين دون ان يطالبها باي شرح او تفسير ...
كانت قد حرصت على تجنب حدوث أي مصادفة تجمعها بجمال بعد اعلان خطبته .. لم تكن تثق برد فعل حواسها ان راته امامها .. وبرغم ذلك ظلت اخباره تصلها من تعليقات اهل الحوش المتناثرة ..
- انتو يا جماعة ما ملاحظين جمال ولد خالتي رجاء دة اتغير كيف ؟؟!! بقى ضعيف زي القشة ومبهدل وما مهتمي بروحو زي زمان ...
- آي والله كلامك صح .. وكمان بقى دمو تقيل لا بضحك ولا بتونس وطوااالي صاري وشو زي الكانو شايل هموم الدنيا فوق راسو ...
- دة كلو كوم ويوم خطوبتو كوم براهو ... الناس كلها علقت على شكلو .. الولد تقول ماشي في جنازة ؟؟ حزين وواقف بعيد من العروس زي الما عاوزها ...
- يختي موضوع العرس دة فيهو إنّة .. لانو واحد من العيال قال لي كانوا بيفتشوا على الحمام .. قاموا مشوا ورا الكنيسة .. شافوهوا واقف هناك براهو ببكي زي الشفع الصغار .. يا ربي هو ما عاوز العروس دي ومجبور عليها ولا شنو ؟؟!! ...
كانت هذه التعليقات تزيدها اصراراً على تجنبه .. فرؤيتها له بهذه الحالة قد تهدم كل الحواجز التي استماتت في بنائها داخل قلبها وعقلها طيلة الفترة الماضية ...لذلك ظلت يومياَ تراقب منزلهم بحرص تحيناً لفرصة اختفاء سيارته من امام الباب حتى تستطيع توديع رجاء قبل رحيلها الذي آن اوانه .. حصلت على مبتغاها قبل سفرها بيومين فسارعت الى منزلهم باستعجال مخافة رجوعه قبل انصرافها ...التمست له كل الاعذار عندما رات رجاء التي اصبحت شبحا هزيلاً وبالكاد استطاعت رفع يدها لترد تحية منال التي احتضنتها بشدة واغروقت عيناها بالدموع وهي تستمع الى صوتها الواهن ..
- معقولة يا منال ؟؟!! .. صحي الكلام السمعتو دة ؟؟ حتخلي البلد وتمشي ؟؟!! هان عليك يا بت تخلينا وتخلي امك واختك وكل حبايبك وتمشي آخر الدنيا ؟؟!! ليه يعني ؟؟ هنا مافي تحضير ؟؟!! وكمان ما عاوزة تأجلي سفرك اسبوع بس عشان تحضري عرس جمال ؟؟ الخطوبة كنتي عيانة ما زعلت منك لمن ما جيتي .... لكن هسة بالجد زعلانة منك ..
- عليك الله ما تزعلي مني يا خالتي رجاء .. انتي عارفاني ما بتحمل زعلك .. لكن اعمل شنو الظروف جات كدة .. لازم اكون هناك في تاريخ محدد وما بقدر اتاخر عليهم ولا يوم واحد .. انتي عارفة الخواجات ديل دقيقين شديد في مسالة المواعيد .. جمال ربنا يوفقو ويسعدو ويديك انتي الصحة والعافية عشان تشيلي اولادو وتفرحي بيهم ..
- أولادو ؟؟ يا بتي مين يعيش ؟؟ .. انا بس الله يديني عمر احضر عرسو واطمن عليهو قبل ما امشي .. صدقيني يا منال انا عارفة اني جبرتو على العروسة دي وهو ما عاوزها .. لكن بكرة حيفهم انا عملت كدة ليه وحيسامحني .. هسة خلينا من الكلام دة كلو .. ما تغيري رايك يا بت وتقعدي تحضري العرس وتبقي شبينة مع جاكلين ... وحياتي يا منال لو بتعزيني اجلي سفرك اسبوع ...
كانت كلمات رجاء تنغرز في روحها كسكين من نار تشعل وجعها وتحيل دواخلها الى غابة من اللهب ... تملصت من الالحاح بلباقة .. وكانت لحظات الوداع مؤلمة .. ارتفع صوت نحيب منال ورجاء حتى طغى على صراخ جانيت الصغيرة الخائفة من جو الحزن الثقيل المسيطر على الجميع .. جرّت منال قدميها بتعب الى الخارج .. وعندما وصلت الى منتصف المسافة بين المنزل والباب الخارجي احست بوجود جمال قبل ان تراه .. اصيبت بالذعر وبدات تتلفت بحثا عن مكان تختبئ فيه .. عندما فتح جمال الباب وجدها مسمرة في مكانها وراسها يدور بيأس فتسمر هو الآخر .. لم تدر منال لكم من الوقت ظلا واقفين هل هي ثوان .. ام دقائق .. او ربما ساعات .. كان الصمت بينهما مشحوناً بالآف الكلمات .. وتحررا اخيرا من اسره على صوت فرامل سيارة مسرعة في الشارع ... تقدم جمال نحوها ببطء ماداً يده .. التقطتها بلهفة وهي تحاول ان تسيطر على رعشتها .. وخرج صوتها همساً ..
- اهلاً يا جمال .. معليش ما قدرت اجي خطوبتك .. مبرو....
- لا يا منال .. اوعي تقوليها .. اوعي تباركي لي .. انتي بالذات ما حستحمل اسمعها منك ... وبعدين في زول بيباركو ليهو حكم اعدامو ؟؟ عاوز اسالك سؤال وجاوبيني عليهو بصراحة .. ليه بتتجنبيني يا منال ؟؟ ليه قسيتي علي كدة وحرمتيني من شوفتك ؟؟!! حتى الحقنة الكنتي بتديها لماما وانا كنت مأمل انها تبقى سبب عشان ما تغيبي عني اعتذرتي عنها !! .. انا يوميا بفتش عليك .. في الشارع .. في الكلية .. حتى المستشفى مشيت سالت عنك وعرفت انك قبلتي المنحة بتاعت السويد ومسافرة قريب .. كنتي حتسافري من غير ما تكلميني ؟؟!! من غير ما تودعيني ؟؟!! .. معقولة يا منال ؟؟ قلبك قسى للدرجة دي ؟؟!! ..
- حرام عليك يا جمال .. كفاية اسكت.. انت ما عارف كلامك دة بيعمل فيني شنو .. ما عارف انا عملت شنو عشان امنع نفسك من شوفتك وملاقاتك .. كنت متخيلة انك حتفهم اني عملت كدة عشانا احنا الاتنين .. كان لازم ابعد عنك باي طريقة .. ملاقاتنا لبعض ما كان حيكون عندها معنى غير العذاب لينا الاتنين .. عذاب ما حنقدر نتحملو .. واهو كل واحد فينا بدا مرحلة جديدة من حياتو ولازم يمشي فيها .. انا بصراحة ما كنت ناوية اودعك .. لكن طالما لاقيتك حقول ليك مع السلامة لاني مسافرة بعد بكرة ...
- بعد بكرة ؟؟!! بعد بكرة يا منال وما كنتي عاوزة تودعيني .. ما كنت هتخليني اشوفك قبل ما تختفي من حياتي لفترة ما يعلم بيها الا ربنا ؟؟ يا الله يا منال .. دة كتير .. كتير علي شديد .. شوفي لازم الاقيك بكرة .. ما تهزي راسك ولا تقولي لا .. دة حقي عندك .. حق العشرين سنة البنحب فيهم بعض .. حق الذكريات الفاتت .. وحق العمر الجاي بدونك .. لازم يا منال .. اديني ساعة واحدة بس .. ساعة تبقى لي ذكرى اعيش عليها ارجوك ما ترفضي ...
عندما اندست داخل سيارته في اليوم التالي كانت موقنة بان موافقتها على لقائه غلطة ستندم عليها فيما بعد .. ظلت صامتة طيلة الطريق ولم تساله حتى الى اين يأخذها .. اندهشت عندما توقف امام بناية ما زالت قيد الانشاء في احدى الضواحي الجديدة الهادئة .. نزلت بتردد سرعان ما اختفى عندما رات نظرة لوم جريح في عيني جمال .. مد لها يده وهو يقودها بحرص بين بقايا الخشب والطوب والاسمنت .. خرجت همسة احتجاج من بين شفتيها عندما اخرج من جيب قميصه مفتاح صغير ادخله في باب الشقة الارضية ...
- جمال ؟؟!! ...
- منال .. انتي لسة بتثقي فيني ؟؟!! .. عارفة يعني شنو منال بالنسبة لجمال ؟؟!!
- ايوة ..
- طيب ادخلي ..
وجدت امامها صالة فسيحة بنوافذ زجاجية عريضة وطليت جدرانها باللون الزهري الفاتح .. لونها المفضل .. كانت خالية من الاثاث الا كنبة طويلة امامها جهاز تلفزيون صغير .. تجولت نظراتها بتساؤل بين وجه جمال والمكان ...
- دي شقتك يا منال .. كانت حتكون هديتي ليك يوم عرسنا .. كنت عاملها ليك مفاجأة .. اول ما وضعي المادي بدأ يتحسن فكرت اجيب ليك هدية تفضل ليك العمر كلو .. قريبي مقاول عرضها علي واشتريتها منو بالتقسيط .. وسجلتها باسمك .. وحتفضل حقتك برغم الحصل .. على الاقل حتكون الحاجة الوحيدة القدرت اديها ليك فعلاً .. ضربت الحيط بالوانك المفضلة .... كنت بجي هنا يوميا تقريباً عشان اشرف على الشغل والتشطيب .. وكنت بفكر حتى لمن نطلع برة نأجرها وتبقى لينا استثمار كويس جوة السودان .. هسة ما عارف اعمل فيها شنو .. انتي قرري دي شقتك ملكك .. شوفي عاوزاني اعمل فيها شنو لغاية ما ترجعي وتستلميها .

انفجرت منال في عاصفة بكاء هستيري اخافت جمال ... هرع اليها واحتضنها بقوة محاولاً ان يسيطر على ارتعاشات جسدها النحيل .. قاد خطواتها العمياء بحرص حتى اوصلها الى الكنبة فجلس واجلسها في حجره ودفنت راسها في صدره .. تسللت يده وانتزعت ربطة شعرها لتحرره شلالاً يتصادم وراء ظهرها ... كان يهمس في اذنها بكل عبارات الحب التي تعلمها لاجلها ... وعندما هدات قليلاً استلقى على ظهره وهي ما زالت سجينة ذراعيه واستقر جسدها اعلى جسده حتى لم تعد هناك أي مسافة تفصل بينهما .. تمسك بها بشدة .. وتعلقت به بيأس .. كانت يداه تجوب ظهرها المتشنج ثم ترتفع لتغوص عميقاً في خصلات شعرها المبعثر حتى هدأت تماماً واصبح نحيبها انات متقطعة .. ظلا على هذا الوضع لفترة طويلة لم يحاول فيها ان يحصل على اكثر مما هو بين يديه .. كانا صامتين كان لم يعد هناك ما يقال .. لحظتها تمنت منال لو بقيت على هذا الوضع حتى نهاية عمرها .. تمنت لو يتوقف الزمن .. تمنت لو تموت وهي بين ذراعيه ..
عندما انتبها لمرور الوقت .. كانت قد مضت ساعات على حضورهما .. انزعجت منال وهبت من رقدتها الآمنة لتحس فوراً بالفراغ والوحشة ... وبرد يخترق عظامها .. دمعت عيناها مرة اخرى عندما ادركت بانه هذا سيكون مصيرها حتى آخر العمر .. ترافقا بصمت حتى الباب ... وقبل ان يدير جمال المفتاح التفت اليها وفاجأها بقبلة جائعة .. حاولت التملص منه في البداية .. ثم استسلمت لطوفان مشاعرها وبادلته قبلته باخرى اعمق منها .. احست بانها تمتص جزء من روحه لتحجزه داخلها .. وتمنحه جزء منها ليبقى داخله .. عندما انفصلا كانت الدموع تملا وجهيهما .. لازمهما الصمت حتى نزلت منال من السيارة في مكان بعيد من منزلهم .. اغلقت الباب خلفها وركضت بعيداً دون ان تلقي نظرة اخرى عليه .. ودون ان تهتم لمنظر شعرها المشعث وملابسها المجعدة وعينيها الحمراوتين ...
عندما وصلت منال الى منفاها الاختياري .. دفنت همومها في رفوف المكتبات وبين صفحات الكتب .. رفضت ببرود أي علاقة اجتماعية عرضت عليها .. واصبحت مشهورة بوحدتها .. وتفوقها .. انجزت الماجستير في اقل من الوقت المحدد لها بكثير .. وتبعته بالدكتوراه .. اصبحت شبه مقيمة في المستشفى ولا تعود الى شقتها الصغير الانيقة الا نادراً ... كانت اخبار جمال تاتيها من ضمن التفاصيل الاخرى في خطابات رحمة .. ما زال نجمه يصعد في مجال تخصصه واصبح مرجعا يستعان به في الحالات الصعبة برغم صغر سنه وحداثة خبرته .. اصر على الاقامة بمنزلهم ورفض ان ينتقل بعد وفاة والدته التي رحلت عقب زواجه بشهرين ... انجبت له زوجته ابنتين .. رجاء ومنال ... احست بسعادة خفية لعلمها بانه منح اسمها لاحدى ابنتيه .. كانت تشعر بالفخر كلما سمعت اخبار نجاحه من جاكلين التي ظل تواصلها معها مستمراً وحميماً .. وصريحاً .... لدرجة انها كتبت ليها في احد خطاباتها التي كانت تنافس فيها رحمة في ذكر التفاصيل ..
" عارفة يا منال الدنيا دي ما فيها عدل .. لو فيها عدل بالجد ما كانت جانيت اتقتلت بالطريقة البشعة دي .. ولا كانت اعز صاحبة لي في الدنيا سافرت وخلتني براي .. ولا جمال فقدك لاسباب انتو الاتنين ما ليكم يد فيها .. عارفاك حتستغربي لكلامي دة .. لانو دي اول مرة اوريك اني عارفة الشئ الكان بينكم .. انا عارفة من زمان .... بديت اشك انو في شئ بينكم ايام عرس رحمة .. وكنت بدعي ربنا ليل نهار انو شكوكي تطلع غلط عشان عارفة استحالة أي ارتباط .. مش عشان اختلاف الدين وبس .. عشان حاجات كتيرة تانية .. لكن كل ما يمر يوم كنت بتأكد من شكوكي .. حبكم لبعض كان واضح زي الشمس .. انا مستغربة كيف الكل ما حس بيكم ؟؟ يمكن عشان مستبعدين الشئ دة ؟؟!! او يمكن انا حسيت لاني قريبة منكم انتو الاتنين ؟؟!! .. انتو كنتو شاطرين وعرفتو تدسوا مشاعركم ورا ستاير الجيرة والصداقة وزمالة الجامعة .. لكن انا كنت بلاحظ اخوي لمن يشوفك بيحصل ليهو شنو .. كنت براقبو اول ما انتي تجي داخلة .. بيتحول لكتلة سعادة ماشة على رجلين .... ولمن تمشي ببقى زي البالونة النفستي منها الهوا ... ما كان شايف بت غيرك .. ولا قادر يحس باي واحدة تانية مهما كانت جميلة .. ياما بنات من جماعتنا رموا نفسهم عليهو .. ياما امهات لمحوا ليهو بالكلام عشان يجي ياخد بناتهم .. وهو في عالم تاني .. في عالمك انتي يا منال .. صدقيني اشقفت عليكم من مشاعركم دي .. وكل ما اجي اسالك اخاف واتراجع عشان ما تقولي ايوة .. لكن الحصل ليك انتي وجمال لمن ماما اجبرتو على موضوع الخطوبة قطع كل الشكوك جواي .. خلاني اتاكد .. خلاني احزن شديد من النتايج .. انتي خليتي البلد وهربتي .. وجمال عايش حياة زوجية تعيسة مع انسانة ما بربطو بيها غير الواجب والعيال .. طول الوقت دافن نفسو في شغلو ما بين العيادة والمستشفى .. وطول الوقت بيسالني منك ومن اخبارك .. اما مرتو المسكينة بتشتكي بانها ما لاقيهو .. لا بقعد معاها ولا بتكلم معاها الا في طلبات البيت والعيال وبتشتكي كمان انو بيفرق في المعاملة بين البنات .. بيعامل منال بطريقة مميزة شديد .. والفترة القصيرة البيكون قاعدها في البيت بيكون شايلها في حضنو .. وحتى لمن يجي ينوم بيختها بينهم في السرير " ...
علمها بتعاسة جمال عمق جراحها وزادها تصميماً على البقاء بعيداً عن وطنها حتى اثناء الاجازات الشحيحة التي كانت ترفضها وتفضل عليها التطوع والبقاء في المستشفى .. كانت اجراءات حصولها على الجواز السويدي تسير بخطى حثيثة .. وسوف ترسل لامها وشقيقتها واطفالها دعوة لزيارتها ما ان تتمكن من ذلك ..
- دكتور عبد العظيم .. مطلوبة في غرفة الجراحة رقم (7) .. دكتور عبد العظيم ...
ابتسمت منال وهي تستمع الى اسمها ينطق بطريقة غريبة من خلال الميكرفون الداخلي .. طوت الرسالة بحرص ووضعتها في جيب البنطلون الاخضر الباهت .. شدت القميص واعادت لف السماعة الطبية حول عنقها .. رسمت على وجهها ابتسامة مهنية محترفة تبعث على الاطمئنان وهي تغادر الغرفة وعبارات جدها التي اعطاها لها زاداً قبيل مغادرتها ترن في اذنيها ..
- يا منال يا بتي الحياة دي غريبة .. بتحب تعاند معانا .. بتديك الشئ الما عاوزو .. وبتشيل منك اكتر شئ انت بتتمنى تاخدو ... احياناً بعد زمن بتحن علينا وبتدينا .. واحياناً ما بتدينا خالص.. عشان تقدري تعيشي .. اتعلمي تشيلي البتديك ليهو وانتي شاكرة .. واوعك تحاولي تقالعيها في البتشيلو منك .. لانك لو قالعتيها حتعاند معاك زيادة .. وحتدخلي في دوامة ما بنتهي من الحزن والتعاسة ... اسأليني انا يا منال .. واسمعي نصيحتي .. اقبلي العندك .. واحمدي ربك عليهو ..
اصبحت تستحضر نصيحة جدها الثمينة كلما ضاقت بها نفسها .. لم تعد تطلب اكثر مما لديها .. لقد اخذت ما اعطته لها الحياة وفي اعماقها امل ضعيف بانه يوم ما .. ربما تقرر ان تمنحها السعادة التي حرمتها منها ... ربما تقرر ان تصبح عادلة معها ...

تمت بحمد الله